]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نكتة الأقبية

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:28:07
  • تقييم المقالة:

نُكتة الأقبية

 

 

محمد الحداد العراق

الوقوفُ الصريح في الضوءِ يُعرِّضُ صاحبهُ لِمرمى الرؤيةِ حتى لِمَنْ هو كامنٌ في ظلامهِ ،لكنَّ الكامِنَ هذا مادامَ مُستتراً فلنْ يشفعَ للواقفِ في الضوءِ ضوءُهُ مهما اشتدَّ لِيكتشفهُ إلاّ إذا اصطدمتْ أحجارُ كامنينِ معاً وسطَ ظلامهما حينئذٍ فقط يُشَجُّ وجه الظلمةِ فتشي شرارتهما بهما للجميع ولو عَلِمَ صاحبي المُبتلى بنكاتِ أحدِ أصحابِهِ فيزيائيتي هذهِ لَفضلا معاً فضيلة الصمتِ الحارقِ على نعيمِ هذرهما ظفراً بدفءِ السلامةِ على الأقل!لكن ما حكايتهما معَ النكتةِ هذهِ ياترى؟

 همسَ بنكتتهِ المعارضةِ في أُذنِ صاحبي فضحكا معاً ضحكة ً شجعتهُ

ليُردفها بثانيةٍ فثالثةٍ ثمَّ رماهُ بعدَ ذلكَ في بحرِ نكاتهِ لكنَّ صاحبي لمّا خشيَ الغرقَ في أمواجهِ المُتلاطمة طالبهُ بالسكوتِ خوفاً من عيونٍ مزروعةٍ في كلِّ مكان لكنهُ تمادى بنكتةٍ أخيرةٍ خرجتْ هكذا بتهتكٍ فاضحٍ مُتحديةً ستارَ الخوفِ خالعةً عباءةَ همسها المُظلمةِ لتنشرَ عُريها على الملأ فانطفأ الكونُ كلهُ فجأةً من حولهما فانطفئا فيهِ معاً وغابا في ظلامٍ دامسٍ إلاّ من وهجِ العيونِ الخازرةِ التي أحرقتهما بقدْحِ شررها وأيِّ توهجٍ كان!

كانتْ رياحُ هذهِ النكاتِ الأخيرة كافيةً لإطفاءِ ذبالةِ شمعةِ مُطلقها إلى الأبدِ،أما صاحبي المُبتلى بسماعها فحضيَ بخمسةِ عشر عاماً مظلمة داخل سجونِ النظام السابق.

أحياناً يَهَبُ الأبيضُ للأسوَدِ بعضاً من بهائهِ وسطَ اللوحةِ الواحدةِ دونما قصدٍ ليزدادَ الأخيرُ حضوراً يطغى على حضورِ الأبيضِ الواهبِ نفسهِ،وقد يُخطئُ الصوابُ رغمَ جمالهِ لِيُرسِّخَ قُبحَ الخطأ خاصةً إذا هبطَ من سُلَّم ٍ واحدٍ يُمهدُ لارتقاء الخطأ عليهِ صعوداً .

ما يعنيني من أمر النكتةِ هنا تلكَ التي أُسميها نكتة الأقبية، النكتة الخائفة..القلقة التي تُمسكُ رغمَ خوفها برقبةِ مُتداوليها بفكيها الغائرتينِ في سراديبِ سرابها المظلمة، هذهِ النكتة ما لها وما عليها؟هل سلاحها أعزلٌ تماماً؟أم أنَّ لها جيوشٌ من شياطينٍ مُستترةٍ إذا شاءتْ أطلقتها لتتحركَ معها جموعُ الشعبِ كلها؟

هي واضحةٌ حدّ الطفولةِ..غامضةٌ حدّ الضَغثِ، طُرفةٌ تبكي من أولِ فجر إيحائها قبلَ الغوصِ إلى منتصفِ ليلِ بوحها بعدَ انهيارِ الحصون،من ثرثرتها الصارمةِ إلى قهقهتها الدامعةِ.تُأرجحُكَ في ميزانها بينَ نصفيها المتناقضين:غلافها المراوغ ولبّها الفصيح،بينَ مجّانيتها الباهظةِ بيعاً وشراءً،تتقلبُ معها عبداً في مملكتها أو أمة ًفي مملكتكَ وبينَ كلِّ هذا وذاك          

يجهدُ المُبتدعُ الأول لنكتةِ الأقبيةِ أن يضرِبَ حولَ نفسهِ ستاراً يعملُ عملَ خطٍ دفاعي مُتقدم يُمكّنهُ أن يرى من ورائهِ كلَّ شيءٍ دونَ أن يُرى كوسيلةِ مَنْ لا وسيلةَ لديهِ لإيصالِ صوتهِ المُغيبِ يتملصُ بعدَها من أيّ تبعيةٍ حسابيةٍ أو أخلاقية لِتبقى كجريمةٍ تُقيدُ ضدَّ مجهولٍ يفرُّ دائماً من المكانِ حتى قبلَ منحهِ براءة اختراعهِ،لكنْ كأيِّ سرٍ إذا جاوزَ الاثنينِ شاع،يغفلُ مُبتدعها هذا أنَّ معالمَ هويتهِ التي لا يملك شجاعةً تؤهلهُ لإخراجها على الملأ تُعلنُ هي بنفسها طواعية ً عن نصفِها المُغيَبِ داخل صومعتهِ المُستترةِ لحظة َ أنْ يهمسَ بنكتتهِ تلك لأولِ أذنٍ تُصادفه لِيبقى مصيرُ نصفَها الآخر مرهوناً بحاملها الجديدِ هذا لِتُُسافر النكتة  معهُ حاملة ً مصائرَ مُحتضنيها  ...تطيرُ بنُسخِ طبعاتها المُتتاليةِ مُستسلمة ً لعَبثِ الأصواتِ الناقلةِ لها..تبحثُ عن أفواهٍ جديدةٍ فغرَها صمتُها الطويل تتلقفها كفاكهة المواسم وتترقبها العيون التي رمّدها انكسارُ ضياء نهاراتها المُظلمةِ داخل سوادِ أقبيتها وحجبتْ عن منظار توقعها الزجاجي أي جديد،تترقبها كل يومٍ كبواكير القوافلِ من بعيد تحتفلُ بقدومها وهي تخبئُ بينَ أحمالها رائحة الأمكنةِ وأسرار المحطات،وتتأهبُ الآذانُ لانتشالِ حصتها من نكاتٍ قدِمتْ من بعيدٍ لتروي بعضاً من عطشِ أسئلتها الذاويةِ تحت أقبيتها،وترتصفُ العيونُ أمامَ ارتصافِ النكاتِ القادمة وجهاً لوجهٍ كفصيلينِ منتصبين في تعدادِ الصباح ليقرأ كلّ منهم الآخر!تقرأ النكتة أولاً ما بينَ سطري كلّ عينين لتعرفَ ما تُريدان ثم تقرأ العيونُ ما بين سطور النكتةِ الوافدةِ لتفتحَ رتاجَها وتفكَ بعضاً من طلاسمها لتُخرِجَ من تأبيرها القصدي المُبيتِ ما علاهُ من زيّ مُحتشمٍ لا لزومَ لهُ لترميهِ خارجَ أغوار جُبِّها السحيقِ لتأتلقَ في بواطنها الناصعة البياض أخيراً دُرَرِها المُشعةِ كحقيقةٍ خَنَقتْها سماكة دِثارِها المرعوبِ من احتمالاتِ منتصفِ الطريق بين الصدقِ والكذبِ والحقيقةِ والخيالِ والجد والهزل!فإذا أضاءتْ النكتةُ أخيراً دُرَّتها تعالتْ الأصواتُ بضحكاتِها الواهمةِ أنَّ خارجَها الضاحكِ هذا سيثأر لباطنِها الحزين ليُعلنَ انتصارَ النكتةِ على طوقها،وبهاء بريق دُرتها على قتامةِ جُبِّ مُغلّفِها .

 إذا انساقتْ نكتةُ الأقبيةِ هذهِ لجماحِ أجنحتها الطائرة،مارستْ حرية الفوضى التي تعملُ بمعزلٍ عن المنظومةِ الأخلاقيةِ لمجتمعها الذي تعيشُ وتتنفسُ هوائها فيه بدلَ أنْ توازيهِ في مسيرٍ يُفضي لمرافئَ ومحطاتٍ واحدة، بينما يشتغلُ النقد البنّاء في شوارعهِ الأماميةِ المُضاءةِ  في تأسيسِ بدائلَ منتهى غايتها خدمة مجتمعها ووضعِ إرادةِ الفردِ فيهِ على سكةِ أخلاقها لتصلهُ لمرافئَ ومحطاتٍ آمنة بدلَ خوفها المُزمنِ من رقيبٍ يُحصي عليها حروفَ وكلمات نكاتهِ ولا يبررُ مطلقاً الإيصادُ السلطويّ المستمر لكلِّ أبوابِ النقدِ الحضاري إلى الدخول من النوافذِ عنوة،كما لا يبررُ استمرارَ دورانِ عجلةِ صناعةِ النكتةِ لتطالَ كلَّ مَنْ يسمحُ به طولَ لسانِها أنْ تصلَ إليهِ طالما أمكنَ تشغيلَها بأيادٍ تعملُ في الخفاءِ وتتحكمُ عن بعدٍ بإدارةِ دفتِها ولا يجدي معهُ  في سبيلِ صدِّ جيوشِ غزوِها أنْ يضربَ مُتقوها حصوناً حولهم،فما دنَّسَ عروس الحريةِ إلا كثرة الداخلينَ خِدرها، ومن هنا أيضاً استثمرتْ أنظمة سابقة صناعة النكتةِ كماكنةٍ مُسيرةٍ تجاه فئةٍ بعينها وتوليفِ الصراعاتِ داخلَ الشعبِ الواحد مستهترةً بمصائرهم كان من أقذرِ نتائجها - عدا القمع والتنكيل - إذكاء النزاعات وغسل أدمغة الناسِ ثم إدارة رؤوسهم نحو موجهاتها الدعائيةِ لتروجَ لإيديولوجياتها وتسوقَ أخطائها وحروبها وتخلفها وزجهم - مستغلة ً حماسَهم المصنوعِ في معاملها - في اتونِ سياستهم القذرة.

ربما لا يوحي  الأمر من ظاهرهِ بتلك الخطورةِ لمنْ يتأمله لأولِ وهلةٍ،خاصة عندما تُفلح النكتةُ أحياناً في اختراقِ مصداتِ السلطةِ وإيصالِ رسائلها النقديةِ والاجتماعيةِ الهادفةِ التي تُعرِّي المجتمعَ من بعضِ أخطائِه فيما تعجزُ الوسائلُ التقليدية الأخرى في اختراقها لكنَّ خطورة النقدِ المضغوطِ المقننِ والمختزَلِ في بضعِ كلماتٍ يَظهرُ بوضوح ٍ إذا خرجَتْ نكتةُ الأقبيةِ هذهِ إلى الشارعِ مكتسية ً ثوبَ انفعاليتها الانفجارية..المجتمع الذي لا مناصَ من انقسامهِ الطبيعي إلى وحداتٍ اجتماعيةٍ أو دينيةٍ أو ثقافيةٍ متباينةٍ،لتنحرفَ من سعةِ علميتها النقديةِ إلى ضيقِ شخصنتهِ فما عسى أن تكون جدواها النقدية بعد ذلك؟                                   

تبقى نكتةُ الأقبيةِ هذهِ مسكونة ً بوهمِ كذبتها كلما تكررَ ادعائها بإعلان انتصارٍ مزعومٍ كهذا تستجدي بهِ أحلاماً مهيضة ً عند متداوليها نحو منطقةِ ضيائها الزاعمِ بقدرتهِ  تبديد ظلمتها إذا دخلتْ كلّ البيوتِ ،وإذا استطاعتْ وسائل نقدية أخرى توضأ أصحابها بعَرَقِ المُتعبين وتكحلوا بحبرِ علمائهم وتعَبقوا ببخورِ أقبيتهم أنْ تفعلَ المستحيل فهلْ حَرَّكتْ نكتة الأقبيةِ بسلاحها الأعزلِ هذا جيوشَ الشعبِ يوماً وزحفتْ بها لتهزَّ عروشَ السلطةِ وتُنظفَ الأرضَ من أوضارِها ؟أم أنها تكتفي دائماً بنحتِ احفوراتها بهَزَلِ كلماتها المتأرجحةِ من حُزنِ طوقها الأسود نزولاً إلى طُرفة إباحيتها البيضاء؟ ومهما طارتْ أو حَطتْ فانَّ خوفَ الوشايةِ - وشاية النارِ بفراشِها- سيلاحقها حتى تتعلمَ كيف تعودُ دائماً بنياتٍ مغايرة .  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق