]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مشاعر

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2014-05-19 ، الوقت: 09:44:49
  • تقييم المقالة:

مـــــــــشــــــــــــــاعـــــــــــــــــــــــر

 

       عندما تحبني أشعر أنّ وجهي صار أجمل، وعيوني ازدادت بريقاً، وصارت ضحكتي أكثر إشراقاً، وعمري أطول، وتتزاحم في ذاكرتي صور لعصافير ملوّنة، وخراف بيضاء ترعى في الحقول، وقطط وديعة تلعب بأمان، وفراشات جميلة تحلّق في بساتين مشمسة، ووجه أمّي تسقي ورودها، وأتمنّى لو يسرق أحد ساعتي، ويتوقّف الزّمن، ويتسمّر عند لحظة تلتقي فيها عيناي بعينيك، ويحصي الجميع ثمّ تتوقّف عجلته عن الدّوران، فينساني أنا وأنت.

 

      عندما أراك أشعر برغبة في أن أحدّثك عن مرض أميّ التي ماتت منذ سنوات، وعن سقف بيتنا الذي يوشك أن ينهار، وعن

رغبتي بشراء حقيبة جديدة، وعن فرخ حمام بنى عشّه على شباك غرفة نومي، وعن سجلّات لم افتحها في حياتي، وتراكم عليها الغبار،

 

 وأحسّ أنّ لصوتك وقع معزوفة عالميّة نادرة، تصل إلى أذني كصوت الوحي عندما ينزل على نبيّ يعتكف في صومعة، ولكلماتك دفء ثوب أمّي، ولقلبك دقّات أجراس الكنائس، ووقع تكبيرات المآذن، وأتفهّم قسوتك بالضّبط كما تفهمت عندما كبرت قسوة أمّي لمّا كنت صغيرة،

 

 

 

     عندما أكون معك وحدي أشعر وكأنّ عصفوراً جميلاً لطيفاً نزل عن غصنه، وحطّ على يدي، وبدأ ينقرها بود وحبّ، ويتنطط فوقها، ويتنقّل من بقعة إلى بقعة عليها دون أن يغادرها، وعندما تودّعني مصافحاً، يطير ذلك العصفور، ويتوقّف على غصن قريب منّي ويزقزق، ويفرد جناحيه، ثمّ يرتفع في الفضاء، ويحلّق في السّماء، ولا أعرف أين ينتهي، لأنّه يختفي عن عيوني. فتصبح عيوني بلا فائدة، وأبدأ بالضّغط على أيقونة الذّاكرة التي منحني الله إيّاها لعلمه أنّه ليس لدى الزّمن غيارات عكسيّة عندها أراك بقلبي الذي ما زال يحتضن ويُقلّبُ كلّ الصّور.

 

      عندما تحبّني أشعر برغبة في محادثة الكبار، وملاطفة الصّغار، وأصبح ثرثارة أكثر، وأشعر برغبة في الاطمئنان على صحة الجميع حتّى بائع الكعك أمطره بألف سؤال وسؤال عن الصّحة والأحوال، والأهل والجيران، والزّوجة والأولاد، ومدى الإقبال على شراء الكعك، وعن عدد أولاده الملتحقين بالمدارس، والصّفوف التي وصلوا إليها، وهل يسكن في بيت يملكه أم في بيت مستأجر..... وكيف يتدبّر إيجار البيت ونفقات الزّوجة والأولاد؟

 

       عندما تحبّني أحبّ سيارتي ، وأقول رغم أنّها متواضعة فما زالت بخير، ووضعها قريب من الممتاز، وأفتح آلة التّسجيل فيها لأسمع كوكب الشّرق ولحنها الخالد" أمل حياتي" وأرفع يدي لأحيي شرطيّ المرور الذي ينظّم السّير، وأشعر كم يعاني من الحرّ أو البرد! وأنظر إلى تجاوزات السّائقين بتسامح كبير، وأعتبرها هفوات بسيطة قد يقع فيها الجميع، وعندما تغضبني أرى أن عربة بائع الكعك تعرقل المارة، وتزيد ضيق الرّصيف، وأنظر إلى تجاوزات السّائقين على أنّها جرائم خطيرة، تحصد أرواح النّاس، وأكثر من السّباب والشّتم، وأشعر أنّه لا مهمّة لشرطيّ المرور سوى تعطيل السّير وإرباك حركة المرور، وتضييع وقتي، وأشعر أنّ سيارتي أصبحت بالية وقديمة وآن الأوان لتغييرها، وأنّها تسير إلى الخلف ولا تتقدّم إلى الأمام، وأمطرها بكثير من اللعنات، عندما اتقرّب منك أزداد تسامحاً، وأصبح إلى الله أقرب، وأتحدّث كثيراً عن الإيمان والجنّة وملائكة الرّحمة.

 

       عندما تحبّني أتحدّث عن الوَحدة، وعن الوطن العربيّ الكبير، وعن الاشتراكيّة، وعن النّضال والكفاح المسلّح والتّحرير، وعن الانتصارات العربيّة والإسلاميّة،  وعندما تغضبني اتحدّث عن الاستعمار والدم المسفوح في سوريا، والحركات الانفصاليّة، والانهزاميّة العربيّة، وارتفاع سعر الرّغيف، وعار النّكبة، واتّفاق أوسلو، وارتفاع أسعار الصّابون والمنظّفات، والبقع المستعصية على ملابسي، والسّكري وارتفاع الضّغط، والذّبحة الصّدريّة، ومغص البطن، ووجع أسناني، وفواتير المياه والكهرباء، وظاهرة التّصحّر، وأزمة المياه، والسّراب في الصّحراء، وعن التّيمم، ومباني المخابرات، ونوافذ دائرة الأمن، وغرف التّحقيق، وأشكال التّعذيب، وأقبية السّجون، وهزائمي المتلاحقة.

 

         ليس لي طموحات مجنونة، كلّ ما أحلم به أن أسافر كطابع بريد من أقصى الحدود الشّرقيّة لقلبك إلى أقصى الحدود الغربيّة، وأن أعبر حدوده الشّماليّة، متّجهاً نحو أقصى الحدود الجنوبيّة، وأنام في الليل على صدرك العاري كمتشرد عثر في آخر الليل على رصيف.

 

 

 

      عندما يتقدّم بنا الزّمن، ويصبح المتبقي من أعمارنا قليلاً، يرتفع سعر الزّمن، ويصبح لكلّ دقيقة ثمنهاً، ويصبح من الجنون أن نضّع الوقت على طاولة القمار، فلاعب القمار لا يجد صعوبة في وضع أوّل رزمة من أوراقه النّقديّة على الطّاولة، ولكن يصعب عليه أن يغامر بآخر أوراقه النّقديّة، حاذر أن تضع آخر سنوات عمرنا على تلك الطاولة.

 

 

 

 عزيزة محمود خلايلة

 

 مشرفة اللغة العربية

 

 مكتب التربية /الخليل  

 

          Email : azizah_m2012@yahoo.com

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق