]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أفعى العدمية

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:25:26
  • تقييم المقالة:

أفعى العدمية

 

محمد الحداد العراق

(ليس بالإمكان قهر العدمية من الخارج طالما وضعتْ لها مثلا ً أعلى عوضاً عن الله كالعقل كالتقدم كالاشتراكية كالديمقراطية تعضُّ هذهِ نفسها بثبات أشدُّ إصرارا ً لذا تخلى زرادشت فوراً عن محاولاتِ إنقاذ مماثلة ) هيدغر مفسراً واقعة زرادشت مع الراعي    

حينما رأى زرادشت ذلك الراعي الشاب يكادُ يختنقُبالأفعى السوداء الكبيرة (أفعى العدمية) في غفلةٍ منهُ وهو نائم حاولَ أن يسحبها بقوة وحينما فشل تنبهَ فورا ًً إلى عبثيةِ ذلكَ طالما كانَ فعلُ الإنقاذ خارجياً فلا بدَّ أن (يعضَّ بنفسهِ أعماقَ الخطر ِ وهو رأس الأفعى صاحب السلطة الحقيقي )هنا نصحهُ أن يطبِقَ عليها بنفسهِ ويعضها بقوة ويبصق رأسها بعيداً عنهُ وحينما فعلَ قالَ:(لم يعُد راعياً بعدَ الآن ...واستحالَ إلى كائن ٍآخر يشعُّ نوراً ويتألقُ ضاحكاً).

ثمة أ ُطر ومحددات يقينية صارمة تحفظ ُ بداخلها نوابضَ من الشكِ والجدلِ والتكذيبِ ،نوابضَ مجنونةً جنوناً كامناً ،ساكناً مادامتْ ترقدُ بداخلها بسلام تحرسها بندولات تتفقدُ عملها ليلا ًونهارا ً بمعايرةٍ دقيقةٍ و تتالٍ منضبطٍ خشيةَ الانفلات وحيثما تمردتْ هذهِ النوابض على سلطةِ بندولاتها لسببٍ ما وفرَّتْ منطلقة  خارجَ أ ُطرها ومحدداتها اليقينية حينئذٍ لن يكبحَ جماح قواها التدميريةِ كابح يوقفُ صعقاتها الزمبلكية المجنونة وينهي عبثها السلبي لِيخضعَها ثانية ً لسلطتها القديمة مُعيداً توازنها المفقود بنبض ٍ جديد .

فوضى النوابض الشاردة تلك أحكَمتْ قبضتها على أقلام ٍ كثيرةٍ تُشعركَ وأنتَ تقرأ ُ ما يخُطهُ أصحابها أنهم يجلسونَ تحتَ ظلال ِ إحدى أشجار العدميةِ اليابسة جلسة تبجيلٍ تليقُ بقداسةِ رموزها ينتظرونَ بشغفِ العاشقِ الصوفي المُحبط أن تطرحَ على بؤسِ انتظارهم بعضاً من أوراقها الصفراء المتساقطة ليلتقطها عبيدُ العدميةِ هؤلاءِ كأفضلِ ما يلتقِط ُ عبدٌ من مولاه علها تملأُ ُ بمبرراتها الواهيةِ نزرا ً من خواءِهم مدغدغة ً نرسيسَ غروره .ينتقدُ هيدغر أمثالَ هؤلاءِ بقولهِ :( المُقعدون والمُتعبون من مسيحيتهم هؤلاءِ فقط يُفتشونَ في جملِ نيتشة عن تأييدٍ رخيصٍ لإلحادهم المُلتبس غير الظاهرِ للعيان ) .مئاتُ الجُمل - الأوراق - المتساقطة  يلتقطها بعض هؤلاء ويرفعونها بوجوهنا كنصٍّ سماوي مُبجل لعلَّ أشهرها قولهُ -أي نيتشة- :( لاأنتمي لدين ٍلم أسهم في صياغته ) . قرآنياً: (ولو اتبع الحقُّ أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومَن فيهِنَّ ) و(أرأيتَ مَن اتَّخذ َ إلهه ُ هواهُ) ردٌّ حاسمٌ بلا تعددٍ يقيني ،عبثيُّ المسالكِ وبالضرورة التباسي المغازي والأهدافِ فطريقُ اللهِ بداهة ً صراطٌ أوحد،وتعدد الصائغين (مابعدَ نيتشة طبعاً) لن يُلزِمَ أحداً ما أن يرِثَ ديناً صاغهُ غيرهُ طالما أمكنهُ أن يصوغ َ هوَ بيديهِ دينا!.نظرياً:لاصفرا ً شخصياً ينطلقُ منهُ أو بعدَهُ جنُّ التشكيكِ الذي يستبطِنُ افتراضياً إنسان السوبرِ هذا ويستوطِنُهُ ،ذلكَ الجنُّ الذي يسعى الدينُ حثيثاً لِترويضِ زوابعهِ العبثيةِ ، إلا صفراً يميطُ وشاح الخدر ابتداءً عن شرنقةِ هذا اللامنتمي العاجز ويؤذِنُ ببدايةِ امتثالٍ وطاعة وليسَ قبلَ ذلكَ شيء ،سيما أنَّ صياغةً مفترضة كهذهِ تبدأ ُ ب : لا ( ابليسيةٍ جاحدة ٍ) وتنتهي برسم ِخارطةٍ طبوغرافيةٍ لمساحاتٍ لامتناهية من الوهم تتقافزُ فيها أفكارٌ ضبابية   تمتطي صهوة الجحودِ والعناد يحركها احتراقٌ ذاتيٌّ مردهُ ارتماسٌ لا منضبط في غياهبِ الدلالة تشهقُ النفس في تأويلاتها المجازية،وسفسطةٌ جوفاء تختنقُ بمخاض ِ إحالاتها اللغويةِ واللفظيةِ المميت ،ولا مبرر عقليا لكلِ ذلك فكل الحقائق ِكانت قبلَ أن نكون ربما متناثرة هنا أو هناك ،تلمعُ تارة أو تخبو لكنها موجودة ولا يعني فقدنا لها عدم وجودها كما لايعني عثورنا عليها ادعاءِ خلقها أو صياغتها ،ثمَّ إن اقتضاءَ الصياغةِ اقتضاءَ حضور ٍأزلي-سرمدي وهو من صفات الخالقِ وحدَهُ . عملياً:بدل تهييج كل النوابض المجنونة الساكنة في الاشتغال بالضدِّ من مسلمات المجتمع بوسعِ الثقافةِ بثقلها الأبستمولوجي والجمالي والفكري أن تسهمَ بإثراء وعيهِ الجمعي بمزاوجةٍ ذكيةٍ بينَ احتضان ِسلبياتهِ –حيثما وجدتْ- من جهة  ومحايثتهِ سيسيولوجياً من جهة أخرى لاسيما أنَّ أسوأ أنواع الاشتغال المضاد هذا يتَّبعُ أسلوباً يوغلُ في الشكِ والجدلِ والتكذيبِ المشارِ إليها في بدايةِ الكلام متمثلا ً بالإمساك بمعاول ِ الهدم ِ الذي يطالُ بنسفهِ الجذور واتخاذهِ أنساقاً تستحدثُ بدائلَ بنائيةٍ جديدة لاتُراعي تدرجاً تفاعلياً موضوعياً يتم كل ذلكَ برؤى إيديولوجية غربية طارئة تنوي القيام على أنقاض ِ الأصل ِ الثابت المُزمع ِ نسفه -المنظومةِ الدينيةِ المقدسة – لتحلَ محله في ظل ِ مجتمع ٍ أخذَ من قدسيةِ الدينِ موقفا ً حاسما ً وأقفلَ الأبوابَ إزاء تعددِ احتمالاتهِ العقائديةِ أو الفكريةِ باكتفاءٍ ذاتي محض حتى أصبحَ الخوضُ في آلياتٍ بديلةٍ خارجَ دِثارهِ يُعَدُّ في عُرفهِ تجديفاً لاطائلَ من ورائهِ طالما تنفستْ خارجَ جلبابهِ العتيد .

إنَّ اختلافا ً واضحا ً بينَ المتمسكينَ بثوابتهم كحلٍ حاسم والثائرينَ عليها وان بدا طافحاً لدرجةِ استئثارِ كلِّ فريق ٍ علناً بمنطقةِ استقطابهِ العقائدي والفكري التي يستقي من منابعها التي تميزهُ عن الآخر، لكنهُ ليسَ مبرراً كافياً لتُطرحَ وسطَ حلبةِ الفريقين ِ المتصارعين ِ أسئلة ٌ ناسفة ٌ مثل :مَن يُزاحمُ مَن ؟ومَن يخرجُ على مَن ؟ وطالما أنَّ الدينَ باعتدالهِ وشموليةِ منهجهِ ما جاءَ لِيسلبَ الثقافة بعضاً من منجزاتها أو ليزاحمَها في منطقةِ نفوذها يُفترضُ بها مقابلَ ذلك - وهيَ التي لاتخفي إصرارها الصدموي المُغايرِ للامساكِ بسلطةِ المشهدِ كلهِ – أن لاتنأى بنفسها بعيداً عن أفياءِ ربوعهِ زاحفة ًصوبَ صحراءِ مغايرتها الخاوية لتحولَ أخيراً إصرارها المحموم للانفراد بالسلطةِ إلى استجداءِ قدسيةٍ دفاعيةٍ مزعومةٍ لطالما انتقدتها هيَ بنفسها في سلطةِ الفريقِ الآخر، قدسية تقاتلُ تحتَ لواءها قتالَ جيش ٍيُدافعُ عن أرض ٍبعينها لابقاءَ للآخرِ فوقَ أديمها ، معَ إنَّ  كلَّ الأغيارِوانْ تعددتْ لابدَّ أن تجدَ في تضاعيف الدين ِ صيرورة ً ماً تتنفسُ في ثناياها كما تشاء فهو ليس ضدَّ فكرةِ المغايرةِ (كمبدأ) طالما اشترطَتْ (تلك المغايرة) أن تكونَ مثمرة ً فإيمان الدين بدور الثقافة في إبراز مكامن الخلل مجتمعياً تقويماً له وكنساً لغبارِ القبح الظاهر والمضمر في آن هو إيمانهُ بسعيهما معاً دونما إقصاء للعمل ِ بقنواتٍ متعددة ٍ ينجزُ فيها الجميع كلٌّ بأدواتهِ وآلياتهِ الخاصة  اشتغالاتٍ تفضي لمصبٍ مشتركٍ واحد هو: استنطاق ِ الحق ِ وإبراز الجمال ولا يعكر صفوَ ذلكم المصب إلا أقلاما ً تكتبُ لونا ً واحداً ، إذا ركب أصحابُها نهرَ التضادِ والمغايرةِ العاصف  فحباً بهما ، مثل أولئك لا يجتمعونَ إلا  بقدر ليرفعوا لواءً واحداً يجمحُ في سماءِ الكراهيةِ والنسف ،عبدوا أهواءَهم حينما ذاقوا طعمَ أنفسهم، ثلة ٌ منهم تقرأ التاريخَ بعين ٍ واحدةٍ تنبشُ في رمادٍ أبردتهُ السنين وذرتـهُ رياحُ الزمن ولا ترى يُسرَ الدين ِ وسعته إلا جبلا ً يجثمُ فوقَ الصدور تتماهى أرواحهم معَ روح ِ حنظلة المتمردة التي تقمصوها تماماً ،يودونَ لو صاغوا لهُ التماثيل ذهباً وسيمضونَ في طريقهم المغايرِ هذا معَ حنظلتهم الأعلى حتى يصبحوا كلهم حنظلة بامتياز قبلَ أن يُحشرونَ معهُ في صعيدٍ واحد فهل هذهِ الثمراتِ التي ينتظرها المجتمعُ من مثقفيه؟

إحدى مساوئ هذهِ الثمرات (عدا أنها تُقسمُ المجتمع إلى فضاءاتٍ ملتهبةٍ ) هي جعلُ المثقفِ نفسهِ -بالنظر لسعةِ رقعة الاختلاف - يكتبُ تحتَ تأثير فوبيا محاصرة سلفاً بما سيكتبه ، فوبيا تقيدهُ بشراكها المرعبةِ وتجرهُ باحبولاتها الأخطبوطية لتنأى بهِ أخيراً بعيدا عن دورهِ القيادي في مجتمعه وتحولهُ من إصلاحي تصالحي إلى صدموي تصادمي !ولو تصالحَ معَ مجتمعهِ بذكاءٍ لَسمِعه بدلَ أن يحاكمَ ثوابتاً يُخضعها لمعاييرَ أهوائيةٍ متغيرة صيرتهُ فقيهاً في اصطياد القذى والعثرات حتى بانَ بصاقُ هذهِ الأقلامِ بقيحها ودمها رشقاً أصابَ معتقدات ٍيسمونها فادحة ومفاهيم ٍ يدعونها رثة ورموز ٍ يعدونها سلطاتٍ صنمية وكتبٍ ينعتونها بالية حتى اختنقَ واقعُنا ببصاقهم وهم يصرونَ أنهُ اختنقَ ب (قُبح ِ التاريخ ِوقيئه) وهو أسلوبٌ يرسمُ إيقاعا مضطرباً لازماتٍ مفتعلةٍ ولامجديةٍ ليفعلَ الحقدُ المضطردِ فيها فعله يُحركهُ احتقانٌ مسبق يتقاذفهُ كل طرفٍ صوبَ الآخر مثيراً خوفاً من دمارٍ يصنعهُ الآخرون .

لقد دخلتْ فوضى العدميةِ كثيراً من العقول فتسلطتْ عليها في غفلةٍ من أصحابها وهم نائمون بعدَ أن زغللتْ أعينُهم بسرابها الزائل وبهرتها بأضواءِ إيديولوجياتها الصارخة فأصبحوا عبيداً لها ،وبسحرها المخادع ِأوهمتْها أنَّ بالإمكان أن يستعاض بها عن الله!فاستحكمتْ فوضى العدمية كأفعى الراعي وعضَّتْ نفسها بثباتٍ أكثر إصرارا تُريدُ الالتحامَ معهم فكانت النتيجة ُ مزيداً من الخواءِ،إلا أنْ يعضّوا بأنفسهم أعماق َالخطرِ ،رأس الأفعى ويبصقونهُ بعيداً عنهم حينها فقط سيتحولونَ إلى بشر ٍآخرين يشعونَ أنواراً ويتألقونَ ضاحكين .

محمد الحداد                                                                                          

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق