]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

انفلونزا الاشاعة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:23:13
  • تقييم المقالة:

                                 

              انفلونزا الإشاعة

 

محمد الحدادالعراق

كقطرةِ حبرٍ سوداءَ تُسقِطُ  براثنها بغتةً على ورقةٍ بيضاءَ فتُدنسَ براءتها لا يجدي معها محوٌ أو إصلاحٌ أو تجميل، هكذا تشوهُ الشائعةُ صفاءَ جبينِ صاحبها كلطخةِ عارٍ أو رجسٍ مُحرمٍ لا يجدي معهُ  صُراخه ملء الأكوانِ :حقي حقي كرغيفٍ أبيض ،حتى يتعبَ ويرجعَ بصوتهِ وصداه مُلفَعَينِ بالصمتِ والسكون .

تخرجُ الشائعةُ من سُقمِ صناعتها إلى سُقمِ تداولها،هكذا دونما وقفةُ تدبرٍ أو تمحيصٍ داخلَ صندوقِ العقل  وتتلقفها الألسنةُ من الألسنةِ مباشرةً .. (إذ تَلَقَّونَهُ بألسِنَتِكُم) لِتُحلِّقَ بسرعةِ الصوتِ اللساني الهادر فوقَ أي فضاءٍ يشتهيهِ مُشيعوها تطوي المسافات ،لا توقفها أسوارُ التاريخِ ولا تُتعِبها خرائطُ الجغرافيةِ تكسيها الدوامات اللسانيةِ أثناءَ رحلتها هذهِ باستمرارٍ ألواناً من اللطخاتِ الحبريةِ أقرفُ ما فيها صمغيتها وأبديتها التي تظلُ تكبرُ وتكبرُ حتى تخرجَ أخيراً على الناس بثوبٍ مُلطخ بالذلِّ والعار،لكنها في ذاتِ الوقتِ الذي تكسيهم هذا الثوب ،تخلعُ عن مُشيعيها كلَّ لباسٍ إنسانيٍّ أو أخلاقيٍّ طالما كانَ إلباسهم إلصاقياً وخلعهم اختيارياً ذاتياً مَحضاً!   

هكذا تفعلُ دائماً :تشويهٌ للجمالِ أو أحياناً تجميلٌ للقُبحِ إذا دخلتْ دروبَ السياسةِ العفنةِ ودارتْ عجلاتُها في ممراتها المُظلمةِ الضيقةِ التي يملؤها المكرُ والخديعةُ،ادِّعاءٌ كاذبٌ لاستشرافِ الحقيقةِ يحاولُ مُشيعوها دائماً إصباغَها شرعيةً مزعومةً لأهدافٍ تبدو نبيلةً في ظاهرها لكنها تُلفِقُ كُلَّ ذرائعِها المُمكنةِ والمُستحيلةِ للوصولِ إلى أهدافِها الخسيسةِ ،لكن هل تكونُ الإشاعةُ بهذا المفهومِ نقيضةً للحقِّ دائماً؟أي أنْ تشترطَ الكذبَ دونَ الصدقِ؟بمعنى آخر:ماذا لو اشترطتْ الصدقَ دونَ الكذبِ هل تُعفى من براثن فايروساتها المميتة؟  يقيناً أنَّها أياً ما تزينتْ بالصدقِ أو بالكَذبِ لا تخرجُ عن وخامةِ قصدِها السيئ المُغرضِ أبداً ،وفي الوسطِ الثقافي خصوصاً دفعتْ الرغبةُ بالثأر للذواتِ الفرديةِ أو الطائفيةِ أو غيرهما من الذواتِ الجماعيةِ (تأسيساً على مواقفَ سابقةٍ للتغيير أو لاحقةٍ له) دفعتهم لأن تلبسَ أياديهم في مسارحِ جرائم تلويثِ الآخرين (بالإشاعة أو بغيرها ) أكُفاً لا تَفضحُ بصماتهم في وقتٍ ينبغي على  الثقافةِ كبوصلةٍ تُمثلُ وعيَ الأمةِ وقلبَها النابضِ أن تَجهدَ كماً و نوعاً في رسمِ خطها البياني المُتصاعد في خدمةِ الأمة وقطع الطريقِ على الأوساطِ الناقلةِ لأمراضها  وحجرَ كل فيروساته في مهادها منعاً لانتشار العدوى كأي وباءٍ خبيث.

لقد أدخلتْ تقسيماتُ ما بعدَ التغييرِ عدداً من المثقفين في جلابيبِ السياسةِ ومعاطفها وانقسمتْ الساحةُ إلى فرقٍ شتى باشتراطاتٍ مستحدثة تمَّ بموجبها إما إعادة ترميمِ ما تآكلَ أو تبعثرَ منها أو إعادة تشكيل تكتلاتٍ جديدةٍ أصبحَ كلُّ شيءٍ فيها مُباحاً فإذا تكلمَ المثقفُ اليومَ  فاعلم أنَّ وراءَ كلّ مثقفٍ عظيم سياسياً عظيماً يتحصنُ حزباً عظيماً إذا تكلما حركتْ السياسةُ دواليبَ عجلاتها استعداداً لكلِّ الاحتمالات!

لا تبدو الصورةُ أمامَ الناسِ كاملةً تماماً فثمة نقصانٍ بيّنٍ يُشوهُ بعضاً من معالمها ،ونقصانها في جانبها المُظلمِ المُغيَبِ منها!

يُحيطُ المثقفُ – شأنهُ شأنَ كثيرٍ من الناسِ - حولَ نفسهِ دائرةً مُحرمةً يُضفي عليها نوعاً من القداسةِ يحضرُ على الآخرين الاقترابَ من تُخومها،ربما يقولُ هو عن نفسهِ ما تخجلُ أنتَ من قراءتهِ،لكنهُ قد  يغضبُ أحياناً أو يحزنُ  أن قرأََ بعيني دهشتهِ كلاماً عنهُ صدقاً أو كذباً طالما قالَهُ سواه!في روايةِ (الساعة الخامسةِ والعشرون) لقسطنطين جورجيو فلاحٌ أمي بسيط يروي مذكراتهُ مُشافهةً بلسانهِ ليكتبها عنهُ روائيٌ مُحترفٌ بأسلوبهِ المؤثرِ حتى إذا انتهى من كتابتها قرأها على مسامعهِ لتتساقطَ دموعهُ كالمطرِ فيَعجَب الروائيُّ من صنيعهِ طالما لم يقلْ عنهُ شيئاً يجهلهُ فيجيبهُ الفلاح:(لم أكن أتصورُ كمْ أنا مظلومٌ لهذهِ الدرجة)!

هكذا هي الحقيقةُ دائماً،صادمةٌ أحياناً كأنها تطرقُ أبوابكَ لأولِ مرةٍ رغمَ صدقِها فما بالكَ لو كانتْ كذباً أو تزويراً لا يُقصدُ منهما إلاّ تشويهاً وتشهيراً بك؟ حينَ تتلبسُ الإشاعةُ صحراءَ غدِها المجهول الذي ترسمهُ أصابعها المُستترة،تتشربُ عطشَ الحقدِ والحسدِ الذي يسقيه زارعيها فتصفرّ أوراقها ولا تطرحُ إلاّ الحنظل ! والمناخُ الذي يطلبهُ فايروس انفلاونزا الشائعة هذا هو الوسطُ العفنُ الذي ينمو فيهِ ويتكاثرُ حدَّ الوباءِ فلا يجدي معهُ وقايةً ولا تطعيماً .

يُشبهُ أحدُ الكُتّابِ الفيلسوف الفرنسي سارتر بسجينٍ يقبعُ في قفصٍ زجاجيّ ويحاولُ باستماتةٍ إخراج رأسهُ منهُ لا يُعيرُ أهميةً إنْ جرحهُ الزجاج،يُعطي هذا المثل درساً للثمنِ الباهظِ للحريةِ  التي تأتي الإشاعةُ هنا لِتُبينَ بعضاً من  نتاجها  السيّئ المشوهِ والضريبة الباهظةِ لامتلاكِها ..الحرية التي انفتحتْ فجأةً مِلءَ السمعِ والبصرِ وركبَ الجميعُ أمواجَها المُنفلتةِ المُدمِرةِ دونما ضوابط .. هي أحد أخطاء فهم الليبرالية المنضبطة لأنَّ مما تتطلبهُ البيئة الصحية لنمو كل أنواع المفاهيم والأفكار المُتغايرة هو استيعابها جميعاً رغم تعدد الأنَواتِ المنفردةِ داخل الأنواتِ الجماعيةِ لا أن يُصار إلى فصلِ الغاياتِ الفرديةِ عن الجماعيةِ بفواصلَ أنويةٍ مُتعددة ،فبعضُ الحريةِ لكلِّ الناسِ-كما يقولُ أحدُ العلماءِ- أفضلُ من كلِّ الحريةِ لبعضِ الناس!

إضاءةُ الأسئلةِ جزءٌ فعالٌ من استشرافِ الحلولِ لها حتى تنقشعَ ظلمتُها تماماً ونصفُ الطريقِ نحو العلاج في تشخيصِ المرض ولا شيء أجدى من إقناعِكَ بشربِ كوبٍ من الماءِ مثلُ نار العطش! ولو أنفقتُ نصفَ يومي في شرحِ فوائدهِ لكَ ما لم تكن عطشاً ولا ثمة وسيلةٍ تُقنعُكَ بتعاطي العلاج كزحفِ المرضِ إلى جسدكَ حيثُ لا وسيلة!

ينبغي على المثقفِ كجزءٍ من الخروجِ من المآزقِ الذي قد تضعهُ الإشاعة في طريقِ إبداعه أن لا يُناطِحَ الكلمة بالكلمةِ حتى لو عكستْ الإشاعةُ مما تعكسهُ بعضاً من صورةِ مُشيعيها الذين يظنونَ أنَّ بريقَ النجاحِ المُشعِ يمتصُّ بعضاً من فوتوناتِ إشعاعاته من حولهم وأن لا يُطيل النظر لثمرةٍ فاسدةٍ ويترك بقية الأثمار كي لا يتحولَ الصراعُ بين المثقفين بعدها من كلمةٍ بالأقلامِ إلى جنوحِ بالأفعالِ في وقتٍ يُنتَظر من الجميعِ ثقافةً نظيفةً تتنفسُ هواءً نقياً خالياً من أي فيروسٍ يسعى الجميعُ لاستنشاقهِ ،وربما يستطيع صانعو هذا الفيروس من الاختباء خلفَ حفيظةِ ستائرهم زمناً ما لكن وكما يُقالُ دائماً تستطيعُ أن تخدعَ كُلَّ الناسِ بعضَ الوقتِ وتستطيعُ أن تخدعَ بعض الناسِ كل الوقتِ لكنكَ من المستحيلِ أن تخدعَ كلَّ الناسِ كلَّ الوقتِ.

محمد الحداد

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق