]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفينومينولوجيا والمنطقة الصفرية

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:20:21
  • تقييم المقالة:

 الفينومينولوجيا والمنطقة الصفرية

 

محمد الحداد العراق

إلى حدٍ ما ،تشبه المنطقة الصفرية الافتراضية التي يقترحها الزميل أحمد عبد السادة كأرضٍ مأهولةٍ بالوحدةِ والصمتِ والعذاب لاكتشافِ النبضِ القصيّ والعاري للعقلِ والأشياء ،تشبهُ ذلكَ الفضاءُ الافتراضي أيضاً في فينومينولوجيةِ هوسرل الذي تتفككُ فيهِ - نظرياً - جميعُ الظواهرِ الحياتيةِ إلى شظاياها البدائيةِ البسيطةِ تمهيداً لإعادة تشكلها من جديد وفقَ مبادئ الشعورِ والحدس ِ والإحالة على أساس ٍ موضوعيّ خالص ٍ على ما سيأتي تفصيله .

فمعلومٌ أنَّ الفينومينولوجيا لا تعبأُ كثيراً بما أُنجِزَ خارجَ فضاءها التجريبي الافتراضي  هذا إذ تَعدّ ثوابت العلم السابقة كحقائق مُتهمة غير مُسلمٌ بصحتها ما لم تبدأ هيَ برحلةٍ ذاتيةٍ يلعبُ الشعورُ فيها أولاً دوراً استقرائياً هاماً عبرَ المُراقبةِ الدائبةِ و المُلاحظةِ الدقيقةِ التي يعتمدُ العقلُ فيها كثيراً على الحسّ المُتقد ثمّ تجميع هذا النثار المُتشظي لدراستهِ دراسةً شاملةً تُترجَمُ الإشاراتُ المُتدفقة فيها اعتماداً على طولِ التأملِ والحدسِ   يستنتجُ العقلُ خلالها معرفةً بكراً لتختمرَ أخيراً إلى حقائق أصيلة راسخة وفق ما يسميه هوسرل بالإحالة الذي أُشبههُ بأنبوبٍ مُختبري فعّال يصلُ الملاحظة الأولية الجامدة إلى مراحلها العليا التي تُصاغ فيها الحقائق حيثُ لا مجال حينئذٍ للشكِّ أو الاحتمالِ لتكتسِبَ أخيراً درجة العلم ِ القائم ِ بذاتهِ .

وإذا كانتْ الفينومينولوجيا- كما أسلفنا- تعدّ  كل الثوابت المعرفية السابقة كحقائق خانقة تضغطُ باتجاهِ أن تتناساها تماماً فليس لمقتضيات عدائية موجهة بل لمقتضيات التجرد العلمي  من علق أي أفكار سالفة كونها تشترطُ التزامَ حيادٍ تامٍ  كي يقطف العقل داخلَ معملهِ الفينومينولوجي  بطولِ تأملهِ  وحدسهِ   وصفاءهِ  ثمرة إعادة تشكل الحقائق ذاتياً دونما مُوجهٍ خارجي . في حين ينطلق الزميل أحمد عبد السادة لتهشيمِ المفاهيم السالفة وإعادةِ  فرمتتها لا من مُنطلقي التجردِ والحيادِ لإعادةِ توصيفها من جديد في منطقتهِ الصفرية بل يتحرك -كما يقول هو- بأزاميل العقل أي من منطلقِ الاختلاف المُسبق مُحملا ًبقصديةٍ عدائيةٍ واعيةٍ وانتقائيةٍ لمفاهيم بعينها بقصدِ تهشيمها  دونَ الأخرى ثمَّ فرمتتها تمهيداً لنحتِ مفاهيم ايجابية رغمَ تأكيدهِ مرةً بتجردِ العقلِ من(كل) مفاهيمهِ المُتوارثة والراسخة !ثمَ تأكيدهِ بعدَ سطرٍ واحدٍ لا غير بعدمِ ضرورة تخلي العقل عن كل المفاهيم السالفة لمصادقتهِ على (بعض) نتائج الفطرة والعقل الجمعي  لكن أياً كانَ القصد واعتماداً على الطريقتين الآنفتين،هل يُعَدّ العقلُ لوحدهِ فعلاً وأكررُ لوحدهِ قادراً على أن يُؤسسَ لنفسهِ بنفسهِ قاعدةً منطقيةً يُقدّمُ فيها برهانهُ الرئيس على تفوقه ليكونَ خالقاً للمفاهيم؟

يُقررُ العلماءُ منذ مئاتِ السنين بأقوالٍ ذهبتْ مذهب البديهيات على أنَّ العقلَ البشريّ غير قادرٍ لوحدهِ على أن يخلقَ ومن ثم يُنمي القوة اللازمة لتقريرِ منهجهِ المُستقل بنفسهِ ،لكن لو سلّمنا بقدرتهِ الخارقة تلك في خلق ِ منظومةِ مفاهيم مُتكاملة مُتجنباً الوقوع في الخطأ فلا بدَّ من الشكِّ بقدرتهِ على التناصِّ التامِّ لحقائقِ الكونِ كما هي معَ ما يصطادها ويستدرجها إلى مملكتهِ المُنفردة ،تطابقٌ يصلُ ذروة عصمتهِ دونما درجةِ اختلاف ولو بجزءٍ بسيط ،فهل يصلُ العقلُ وحدهُ فعلاً إلى منطقةِ التكاملِ هذهِ معَ ما يعنيهِ هذا الانسجام المُعجز مع نواميسِ الكونِ من قدرةٍ خارقةٍ على قراءةِ آياتِ اللهِ في خلقهِ وتعددِ حيواتهِ وطبائع مخلوقاتهِ  وخصائص أنواع الوسائط التي خلقها الله من سوائل وأهواء و أبخرة وغازات وكشف ألغازها وصولاً إلى صياغةِ نظرياتٍ جديدةٍ في أنواعِ المعارفِ والعلومِ والفلسفات تصلُ درجة الثباتِ  وقس على ذلكَ آلاف التفاصيل التي يقتضي الإمساكُ بزمامها تكراراً وخبرةً وزمناً مما لا يُعد ولا يُدرك خاصةً معَ إيماننا القاطع بأنَّ نتاجَ الحضارات والعلوم والمعارف والفلسفات المُتعددة ما جاءتْ نتيجة تراكم عرضي أو عشوائي أو فردي كما أن الصُدفة لا تصنع النظام المُحكم.

وإذا كانَ توجه العقل باتجاهِ خلق المفاهيم مُنطلقاً من نزعةٍ فرديةٍ لا تجد ضيراً في أن   تُجيزُ تعدد قنوات الجُهد الفردي ،فتعددها لا بدَّ من إفضاءه إلى الفوضى اللامنضبطة علمياً وأخلاقياً وإحصائيا إذ لا يُمكن لفردٍ ما أو حتى مجموعة أفراد أن تستعيضَ بقدراتٍ فرديةٍ جهودَ حضارات مُختلفة أو تستعيرَ  أدواراً  أنتجتها مُجتمعات مُتعددة لتصلَ إلى ما وصلتْ إليه من انجازات .

أما إذا كانَ توجه العقل باتجاهِ هذا الجُهد جمعياً منظماً أي بترشيق ِ التجارب المتعددة وتفاعلها وترتيبها ضمن دوال إحصائية واستقرائية فما جدوى العودة مجدداً بهذهِ الفرمتة وهذا الهدم إلى منطقةِ صفرٍ حضاري تعِبتْ المُجتمعات طويلاً  بالاستفادةِ من تجاربها وخبراتها  حتى وصلتْ إلى ما وصلتْ  إليه وجسدتها في أساليب بناء وقيادة المجتمعات واستفادت أيضاً بالكثيرِ من الحقائقِ التي أهدتها الأديان المتعددة إلى العقولِ مما لاسبيلَ لهُ إلى اكتشافها حتى بكثرة تجاربهِ وخبراتهِ كالغيبيات والحرام والحلال ومنظومة الأخلاق بشكلٍ عام  والإخبار عن الأمم السابقة ،فما الجديد الذي سنأتي بهِ حينئذٍ أمام كل تلكَ الدوامات الحضارية العملاقة المتنامية التي كانتْ منذ فجر التاريخ تكبر وتكبر جارفة سيولاً هائلة من العلومِ والمعارفِ المتلاحقة مما لا سبيلَ لإيقافها بضغطةٍ حاسوبيةٍ ولو بقصد المراجعةِ والتمحيص .

ثم تأتي بموازاةِ كل ذلكَ آراءٌ مُغايرةٌ - وقد لا نؤيدها بالضرورة- تدعو إلى رسمِ آليةٍ جديدةٍ لتقويمِ مسارات العقلِ وانجازاتهِ وفقَ الوصف البنائي المعرفي (أفقي ،عمودي،دائري)تأخذ فيها تلكَ المعارف والمفاهيم والعلوم صفاتاً تراكميةً مُكثفة ليفسح المجال للعقلِ النقدي  لأستقراءها وتقويمها مُجتمعةً وفقَ مبدأ الأصلح ثمَ الأصلح دونَ الحاجة إلى مشارط إلزامية فهي آراء تتبعُ فلسفةً لا تدّعي عمل المستحيل في حلِّ كل الإشكالات بقدرِ ما تكتفي بإعادة التعريف بتلكَ المعارفِ والمفاهيمِ والعلوم ،ليسطعَ هنا بوضوحٍ الدور التفاعلي المُثمر عند الأمم والحضارات، ويقابله هناك غياب دور العقل القاصر وكسوفه .

إنَّ العقلَ البشري كمحضِ بناءٍ بايلوجيّ مُجرد، قاصرٌ بالمكانِ قاصرٌ بالزمانِ يُدرِكُ بالكادِ جزءً ضئيلاً منَ المُشاهَدِ دونَ المَخفي ،سلاحهُ الوحيد حواسهُ القاصرةِ ،توقِفهُ المسافات وتخدعهُ الحوادث بظواهرها فيتأثر سلباً أو إيجاباً بما ينطلي عليهِ ظاهراً كما أنَّ عمرهُ محدود وعملهُ محدود وإذا التبسَ عليهِ أمرين أو شكَّ في مسألتين وقفَ عاجزاً حائراً فهل يكونُ لوحدهِ خالقاً للمفاهيم؟

ولو تناولنا بالوصفِ والأرقام أهم حاستين للعقلِ وهما السمع والبصر كأولِ نافذتينِ تُفضيانِ بهِ نحو فهم العالمِ من حولهِ فانَّ أُذنَ الإنسان تعملُ في حدودِ(20-20000)ذبذبة /  ثانية ولا يمكنهُ سماع أي شيء أقل أو أكثر من ذلك ، وتخبرنا الفيزياء أنّ الأصوات لابدَّ لها من وسطٍ ناقلٍ تتحركُ من خلالهِ ذبذبات الصوت إلى الأذنِ لنتمكنَ من السماع ولو عُدمَ هذا الوسيط لأيّ سببٍ كان لانتفى السمعُ تماماً أما عينه فينحصِرُ بصرها من(4000-7500)انكلستروم وذلكَ تبعاً للطولِ الموجي كما هو معلوم ولا يمكنهُ رؤية أي شيء أقل أو أكثر من ذلكَ أيضاً وقسْ على قصورهِ الكثير فما غابَ عن العيونِ لا سبيلَ لتأكيدِ وجودهِ سواء أكانَ موجوداً بالفعلِ وغَفِلتْ الأبصار عنه(كبحثكَ عن قلمٍ وسطَ دُرجِ مكتبٍ يحوي عدة أشياء أمامكَ دونَ أن تهتدي إليه)أو لم يكن موجوداً عملياً بشكلهِ الحسي كالكثير من الغيبيات والحيوات والمخلوقات المُغيبة عنا مع غياب المشتركات الحسية في التفاعل والتعاطي معها ،بل قس على ذلكَ ما أصبحَ وجودهُ أمراً مفروغاً منهُ ولا سبيلَ كذلكَ لحواسنا القاصرة على الشعور به كأنواعِ الطاقة المتعددة والكهرباء والكثير من الخصائص المُتعلقةِ بها والجاذبية والكثافة وأنواع حركات الأرض(أكتشفَ العلماء حتى الآن أثني عشر حركةً مُختلفة للأرض فهل نشعر بأيّ من تلكَ الحركات أو حركة الكون من حولنا مُصدقينَ أو مُكذبين؟).

إنَّ عقلاً قاصراً هذهِ بعضٌ من بعضِ قدراتهِ هل يتسنى لهُ بعد كلّ ما أنجزتهُ الحضارات والأديان والشعوب أن يَهدَّ كل ذلك ليصنعَ لوحدهِ صيغاً ومفاهيم وقواعدَ جديدة على أنقاض الحضارات؟

محمد  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق