]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

شهوة الاختلاف

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:17:24
  • تقييم المقالة:

شهوة الاختلاف

 

محمد الحداد العراق

في البدء كانت الكلمة  ..وستبقى ،بها خُلقَ آدم وبها سكن وزوجهُ الجنة وبها تابَ اللهُ عليهِ لمّا نسيَ عهدَه.

بكلمةٍ عصى إبليس وبكلمةٍ خرجَ منَ الجنةِ وبكلمةٍ لُعِنَ إلى يومِ الدين .الإيمانُ كلمة ..والكفرُ كلمة ( كَبُرَتْ كلمة ً تخرجُ من أفواههم) .فُتِحَتْ بلاد وخُرّبتْ بلاد ،بكلمة..واستُعْبِدَ عباد وحُرِّرَ عباد،بكلمة .مرة ً مثلُها :كشجرةٍ طيبة ٍ أصلها ثابتٌ وفرعُها في السماء ،ومرة ً مثلُها :كشجرةٍ خبيثةٍ اجتُثَتْ من فوق الأرض مالها من قرار.

كالسهم ِتُخطيءُ مرة ً وتُصيبُ مرات،أحياناً سلسة ً عذبة ً لاتكادُ تشعر برفيفِ أجنحتها لفرطِ عذوبتها ،وأحياناً أخرى أبية ً عصية ً على المُطاوعة تحسُّ لسعَ حرارتها من بعيدٍ كجحيم ٍ يستَعِر .وبالكلمةِ هذهِ نتفقُ أو نختلف .

لذا لاعجبَ أنَّ كَلم( بفتح وتشديد اللام) وكلم(بفتح اللام) كلمتان ِ بمعنيين ِ :حدَّثَ وجرحَ وان أينعتا وأثمرتا من جذر ٍ واحد هو:(ك ل م) فكلمة ٌ تقولُ وكلمة ٌ تجرح!

وإذا سلمنا أنَّ الاختلافَ بالكلمةِ والرأي قدرٌ كوني وسمة إنسانية ٌ لامفرَ منها ،فلِمَ لايكون الاتفاقُ كذلك؟ بمعنى ماالذي يجعل الاختلاف ممكناً جداً والاتفاق مستحيلاً طالما أنَّ الصفتان ِ تخضعان ِ لمعاييرَ نسبية ليست على إطلاقها؟وهل الاختلاف - ثقافياً على الأقل – كما يقال غالباً،رحمة؟

ثمة مَنْ يعتبرهُ وسيلة ًفعالة ً لاغناءِ الوسط الثقافي لانَّ فيهِ دعوة ٌ استدراجية لكل أطرافِ المعادلة لتفاعلٍ حراري ساخن ٌ تعملُ الأفكارُ المتصارعةِ فيها كمراجلَ تغلي لترفعَ درجة حرارة ذلكَ الوسط وبالتالي إذابة كل جبال الجليد الثقافي المتجمدة .

وثمة مَنْ يُشبهُ دورهُ بأحجار ٍ لابد من إلقاءها من حين لآخر في بحيرةٍ نائمة ٍ علها توقِظُ مَواتاً نزلَ بها فتُنعش الأحجار هذه بدوائرها المتنامية نبض البحيرة  لتدبَّ الحياة ُ في أوصالها من جديد بانتظار حجر ٍ آخر.

لكن هنالكَ أيضاً مَنْ يراهُ محضَ تجييش ٍ لايُثير إلا غباراً عاصفاً أو تحريش ٍ يُغري بمحايثةِ أفكارٍ مغايرة فيمن يُفترضُ فيهم التغاير فيأكل الخلافُ من جُرفِ ضفافٍ تقفُ عليهِ أقدامهم جميعاً .

ولو حاولنا استقصاء جذور الخلاف على مرِّ التاريخ الإسلامي فستكون رحلتنا طويلة ً وشاقة ً ومليئة ًبأحداثٍ جسام ،ولا ينكر أحدٌ ما أصابَ جسدنا من جراح ٍ لَحِقَتْ بهِ وأثخنتهُ طوالَ تلكَ الرحلة وتلكَ مسألة ٌ ألفنا نفض الغبار عن تفاصيلها المتشعبة بينَ الحين والحين حتى أصبحَ الأمرُ بحاجةٍ فعلا ً لمزيدٍ من فن الإصغاء.

فالعناوين في ذلكَ كثيرة ،ابتدأتْ بالخلافةِ مروراً بتعددِ المذاهبِ واختلاف مصادر التشريع دونَ أن ننسى طابعاً فلسفياً  صبغَ حقبة ً غير قصيرة من تأريخنا تعيدُ إلى الأذهان حروباً كلامية ً طالت العديد من رجال تلكَ العصور ساعدَ في تأجيج صراعاتها ازدهار تلكَ العصور بعلوم الكلام والنحو والشعر والفلسفة وما شابه حتى كادتْ الأمة أن تغوصَ في نفق مخيف يزعزعُ كثيراً من ثوابتها وكانتْ فرصة خبيثة سوغتْ للبعض حقن سمومهم في جسدِ الأمةِ لولا أنًَّ التأريخَ حفِظَ لكُلٍ دوره وأعطاهُ مكانتهُ التي يستحق وفضحَ مَنْ طعنوا في ثوابتهِ وضيعهم في غياهبِ نسيانه .

من هنا يمكننا الإشارة إلى نوعين من التفاعل أو التواصل يمليهِ قانون الاختلاف والاتفاق:

1 - نوع ايجابي مثمر لايكون الاختلاف فيهِ مقصوداً لذاتهِ بل تستدعيهِ ضرورة ما وأسطعُ مثال ٍ على ذلك عصر التنزيل الأول ،فالصحابة رضوان اللهِ عليهم تناولوا بعضَ النصوص المختلف عليها بفهم ٍ مغاير ٍ تبعاً لتفاوتهم في مسائلَ عديدةٍ مما أدى إلى استتباعاتٍ نمتْ فيها الاستنباطات والاجتهادات( وقفَ القرآنُ والسنة ُ فيها حكماً ) حتى ارتقتْ وتبلورتْ إلى مفاهيم متماسكة أخذتْ طابع القناعات اليقينية فنشأتْ وفقَ هذهِ الأُسس المتينةِ مذاهبَ متعددة ومدارس متنوعة لا ضيقتْ واسعاً ولا حجَّرتْ مائعاً ولم يكن لتعددها ما يُسيءُ إلى وحدةِ الدين وهذا بالضبط ما نريدُ أن نصِلَ إليه من سوقنا لهذا النوع الايجابي المثمر،ليسَ على صعيد الفقه والتفسير وأسباب التنزيل حسب،بل تعدتها إلى المسائل البلاغيةِ والنحويةِ فكما تعددتْ مذاهب الفقه ،تعددتْ مدارس النحو وعلم الكلام وغيرهما .

ولا يُظنُّ أبداً أنَّ الاختلافَ والتباينَ كانَ بسيطاً لدرجةٍ تتماهى فيهِ الفوارقُ أو تذوب ،بل العكس تماماً فقد كانَ لهُ من الخصوصيةِ والحساسيةِ بمكان ٍ يُفترضُ في حينهِ أن يُعمِّقَ الهوة بينَ أغلب أصحاب الفرق المختلفة باعتبارها إما مسائلَ فقهيةٍ يصعبُ فيها الفصل لاحتمالها أوجهاً متعددة ،وإما مسائلَ فرعيةٍ لكن يرشحُ منها مسائلَ فرعيةٍ أخرى يُفترضُ أن تُشعلَ  ذلكَ الخلاف بسببِ الاستقاء من منابع مختلفة ،برغم كلِّ ذلك تستشعرُ أنَّ هذا النوع من الاختلاف رغم بعض الهنات لم يكن مقصوداً لذاتهِ ،ولاحظ أيضاً كيفَ أنَِّ اختلافات فردية بدأتْ من فهم النصوصِ واستنباط الأحكام كيفَ توا شجتْ مع بعضها حتى اكتسبتْ قوةً جماعية ً مؤثرة ً في محيطها وذابتْ فيها الفوارقُ وتكتلتْ عناصر القوة المنفردة حتى أضحتْ مثابات عالية لازالَتْ أعناقُ الناس تدينُ لها بالفضل .

ولا نريد لمَنْ يتخذُ من خلافات العصرِ الأولِ مرجعية تاريخية تُشرعنُ له خلافاته  لأنَّها لاترتقي أبداً لتكون أسباباً يتعكزُ عليها ويعطيها صفة تبريرية لتكرارها اليوم لأنَّ المسوغَ الذي أوجدها لن تتكرر بواعثه ثانية أبداً.

2- نوع في المقابلِ العكسي لذلكَ كلهِ..اختلافٌ سلبيٌّ غير مثمر ، مقصود لذاته ،أسبابهُ مشخصة وبينة لعلَّ أبرزها :

سببٌ  ديني لدورٍ  مارسهُ بعض المستشرقين الذينَ نظروا في الخلافات وتعمقوا فيها بخبثٍ مسبق  وفتشوا بينَ رمادِ الأمسِ عن جذوةٍ علها تُلهب النارَ في الهشيم فعمموها وجعلوها منطلقاً للضربِ والتشكيكِ في العقائدِ فكانتْ أقلامهم خناجرَ مسمومة ًتطعنُ هنا وهناك .

وسببٌ آخر ثقافي بحت مبعثهُ مللٌ وسكونٌ يستشري أحياناً  في الحياةِ الثقافيةِ فيستبطن صدورَ الكثير من المثقفينَ والأدباء الذينَ كلستْ رتابة هذهِ الحياة الثقافية  أي أمل فيهم  في استيلادِ ثقافةٍ تتحدى عقم هذهِ الأجواء بعد أن تتلاقحُ ببذور الخلافات التي يستدرجونَ الآخرينَ ليركبوا أمواجها بالجدلِ العقيم .

هذا النوع الأخير بالذات فيه تعطيلٌ للهمم واستنزافٌ للقدرات المنتجة تضطرهم أحياناً إلى العودةِ للوراءِ خطوة أو خطوتين لإعادة ترميم ِما تهشمَ من يقينياتٍ ديستْ بأقدامِ الجدلِ التنظيري اللاطائلَ من ورائه .

ولا يُفهمُ من كلامنا أننا ندعو لقطيعةٍ ثقافيةٍ أو غيرها تصل حدَّ التقوقع ِ أو ما أُسميه (أوتيزم ثقافي) كناية ًعن مرض التوحد المعروف ،لكن أدعو إلى انشغال الجميع واشتغالهم كلٌّ بمشغلهِ الإبداعي كي توفر الطاقات المنتجة بدل الركون لخلافاتٍ تصلُ حدَّ إلغاء الآخرين والسخرية من منجزهم وكل ذلك حاصل بالفعل .

يعرف الإخوة في القسم الثقافي أنَّ لي معهم اختلافات يسيرة وفتية على مستوى المنطلقات الإيديولوجية ،اختلافات منها مانُشر في الصباح ومنها مامُنع ،لكني لا أُصنف هذهِ الاختلافات ضمن النوع الثاني السلبي المقصود لذاته لأنه اختلاف أملتهُ أفهام مغايرة لمسائل بعينها و بحجم الضرورة التي طفحت بها إلى السطح لتسوى مشافهة دونما ضجيج ليخرجَ الجميع من بابٍ واحدة تفضي لطريقٍ مضيء  ليطرَحَ الخلافُ دائماً ثمراً نأملُ أن يُسمِنَ ويُغني من جوع .

محمد الحداد                                                                  

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق