]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الشروع في الجريمة

بواسطة: Dr-Ramy Metwally El-Kady  |  بتاريخ: 2014-05-14 ، الوقت: 19:17:01
  • تقييم المقالة:

(أولاً) التمييز بين الجريمة التامة و الجريمة الناقصة:

يتكون الركن المادي للجريمة من ثلاثة عناصر، هي السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية وعلاقة السببية بين السلوك والنتيجة، فإن تحققت النتيجة الإجرامية كنا أمام جريمة تامة، وإن لم تحقق النتيجة الإجرامية لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه كنا أمام حالة الشروع في الجريمة.

(ثانياً) مراحل الجريمة:

تمر الجريمة بأربعة مراحل، حيث تبدأ بفكرة تراود الجاني فإما أن يعقد العزم على تنفيذها وإما أن يطرحها ويتخلى عنها، فإن عقد العزم انتقل لمرحلة أخرى وهى مرحلة الإعداد والتحضير لارتكاب الجريمة ثم ينتقل لمرحلة تاليَّة وهى مرحلة البدء في التنفيذ، ثم يصل للمرحلة الأخيرة وهى تحقيق النتيجة الإجراميَّة، وقد يبدأ في التنفيذ ولكن لا تتحقق النتيجة الإجراميَّة بسبب تدخل عوامل خارجيَّة عن إرادة الجاني تحول دون ذلك وهنا تقف الجريمة عند مرحلة الشروع، وفيما يلي نتناول بإيجاز مراحل الجريمة الأربعة، وذلك على النحو التالي:

(أ) مرحلة التفكير وعقد العزم: هذه المرحلة لا عقاب عليها، حيث أن الجريمة تعد في هذه المرحلة محض فكرة لم تخرج لحيز الوجود ولم تتخذ مظهر خارجي، والقانون لا يعاقب علي مايجيش في النفس من أفكار حتى ولو عقد العزم على التنفيذ، وكان هناك ما يُستدل به على عقد عزمه كالاعتراف بذلك، حيث نصت المادة (45) من قانون العقوبات على ذلك بقولها: "لا يُعدّ شروعاً فى الجنايَّة أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها".

(ب) مرحلة التحضير للجريمة: بعد التفكير في أمر الجريمة وعقد العزم على ارتكابها، ينتقل الجاني إلى مرحلة التحضير لارتكاب الجريمة، وذلك بإعداد الوسائل التي تساعده على ارتكابها، فمن ينوى قتل آخر ويعقد العزم على ذلك يبدأ في الإعداد والتنفيذ بتجهيز الأداة التي سيستخدمها في التنفيذ كأن يشترى السلاح، والأصل أن مرحلة التحضير لا عقاب عليها، وذلك تشجيعاً للفاعل على العدول وعدم التمادي في أمر الجريمة، كما أن تلك الأعمال التحضيريَّة لا تدل دلالة قاطعة على نيَّة مرتكبها، ولكن قد يُعاقب على تلك المرحلة إذا كانت الأعمال التحضيرية تُعدّ في ذاتها جريمة كحيازة السلاح الناري والتي تُشكّل جريمة حيازة سلاح بدون ترخيص. وقد نصت المادة (45) من قانون العقوبات على ذلك بقولها: "لا يُعدّ شروعاً فى الجنايَّة أو الجنحة ... الأعمال التحضرية لذلك".

(ج) مرحلة البدء في التنفيذ: في هذه المرحلة، يبدأ الجاني في ارتكاب الفعل المادي المكون للجريمة دون أن تتحقق النتيجة بعد، وفى هذه الحالة قد يبلغ الجاني النتيجة، وقد لا يبلغها إما لعدوله اختياريا عن الاستمرار أو المضي في التنفيذ، وإما لتدخل عوامل تحول دون تحقق النتيجة الإجراميَّة. وفى حالة العدول الاختياري لا يُعاقب الجاني، تشجيعاً للجناة على العدول عن المضي في ارتكاب الجريمة، وفى الحالة الثانيَّة تتحقق حالة الشروع وهي معاقب عليها جنائياً.

(د) مرحلة تحقق النتيجة: وبهذه المرحلة يكتمل الركن المادي للجريمة، وتصبح الجريمة تامة، ويعاقب المشرع على الجريمة التامة في كافة الأحوال.

ونخلص مما سبق، أنّ هناك مرحلتين من مراحل الجريمة لا عقاب عليهما، وهما مرحلتي التفكير وعقد العزم، والتحضير لارتكاب الجريمة، وهناك مرحلتين يقرر لهما المشرع عقوبة، مرحلة تحقق النتيجة- الجريمة التامة- أما مرحلة البدء في التنفيذ فيعاقب عليها في أحوال معينة، ويُستبعد العقاب في حالة العدول الاختياري وهذا ما سنعرض له الآن.

(ثالثاً) تعريف الشروع في الجريمة:

عرفت المادة (45) من قانون العقوبات الشروع في الجريمة بقولها: "الشروع هو البدء فى تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جنايَّة أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها". فالشروع في جريمة هو بدء في تنفيذ ركنها المادي، ولكن لم يكتمل مع توافر ركنها المعنوي المتمثل في قصد ارتكاب الفعل المنهي عنه.

(رابعاً) أركان الشروع:

ومن التعريف السالف للشروع يتبين لنا أن أركان جريمة الشروع ثلاثة، تتمثل في البدء في تنفيذ فعل، بقصد ارتكاب جنايَّة أو جنحة، وأن يوقف أو يخيب أثر هذا الفعل لأسباب لا دخل لإرادة الجاني بها، لذا سندرس تلك الأركان بإيجاز على النحو التالي:

(أ) البدء في التنفيذ:

سبق أن قررنا أن الجاني عقب التحضير لارتكاب الجريمة ينتقل إلى مرحلة البدء في التنفيذ بأن يقوم على إتيان السلوك الإجراميّ، وفى هذه اللحظة يتدخل القانون حيث ينتقل الفعل من مرحلة الإباحة إلى مرحلة التجريم، ولكن ثار التساؤل حول المعيار الذي يُهتدي به في تحديد لحظة البدء في التنفيذ. ولقد اختلف الفقه بشأن هذا المعيار، ويمكن رد الاتجاهات الفقهيَّة إلى مذهبين رئيسيين، (الأوّل) المذهب الموضوعيّ (والثانيّ) المذهب الشخصيّ، وذلك على النحو التالي:

(1) المذهب الموضوعيّ: يستند أنصار هذا المذهب في تحديد البدء في التنفيذ إلى خطورة فعل الجاني، حيث يعتبر الفعل بدءً في التنفيذ إذا أصاب به الفاعل الركن المادي المكون للجريمة كما عرفها نموذجها التشريعي، فجريمة السرقة هي اختلاس لا يتحقق إلا بوضع الجاني يده على المال المنقول المملوك للغير، وطبقاً لهذا المعيار، لا تعد الأفعال السابقة على ذلك بدءً في التنفيذ، فمن يتسور البيت ويدخله ويقف أمام الخزينة ويحاول فتحها لا يعد بادئً في التنفيذ طبقاً لهذا المعيار. وبالرغم ما يتميز به المعيار الموضوعي من الوضوح إلا أنه لم يسلم من النقد لأنه يؤدى لنتائج غير مقبولة.

(2) المذهب الشخصيّ: يستند أنصار هذا المذهب في تحديد البدء في التنفيذ إلى الخطورة الشخصيَّة للجاني في الظروف التي أتى فيها فعله، وبالتالي يعد الجاني شارعاً في ارتكاب الجريمة إذا دل فعله على عزمه على إتيان الفعل وبلوغ النتيجة بحيث لو ترك وشأنه ولم يضبط لبلغ النتيجة الإجراميَّة ولأتم الجريمة.

موقف القضاء المصري من معيار بدء التنفيذ: أتجه القضاء المصري في أحكامه القديمة إلى تبنى المذهب الموضوعي كضابط لتحديد الشروع وبدء التنفيذ، حيث قضى بأن مجرد طلب الفحشاء من امرأة وجذبها من يدها وملابسها لإدخالها في زراعة القطن ليس مما يعد بدءً في تنفيذ جريمة مواقعة أنثى بغير رضاها بل أنها مجرد أعمال تحضيريَّة. ثم تحول القضاء المصريّ إلى الأخذ بالمذهب الشخصي، واستقرت أحكامه على ذلك حيث عبرت محكمة النقض عن هذا الاتجاه في العديد من الأحكام، حيث قضى بأن "رفع المتهم لملابس المجني عليها أثناء نومها وإمساكه برجليها يصح عده في القانون شارعاً متى اقتنعت المحكمة بأن المتهم كان يقصد إليه، لأن هذه الأفعال من شأنها أن تؤدى فوراً ومباشرة إلى تحقيق ذلك القصد".

(ب) القصد الجنائي في الشروع:

لا اختلاف بين الركن المعنوي في الجريمة التامة وفى حالة الشروع في الجريمة، حيث يتطلب المشرع ضرورة توافر القصد الجنائي لدى مرتكب الفعل، فالشروع لا يكون إلا في جريمة عمديَّة، فلا يتصور الشروع في الجرائم غير العمديَّة. والقصد الجنائي هو اتجاه إرادة الجاني إلى إتيان الفعل وتحقيق النتيجة المعاقب عليها مع العلم بالعناصر القانونيَّة للجريمة التي يرتكبها. ولا يتوافر الشروع في الجرائم المتعديَّة للقصد، فلا شروع في جريمة الضرب المفضيّ إلى عامة مستديمَّة أو الضرب المفضي للموت، حيث أن الجاني عند مباشرته لفعل الضرب لم يكن يسعى لإحداث العاهة المستديمة أو الوفاة. ولا يتوافر الشروع إذا كان قصد الجاني ارتكاب جريمة غير محُددة، فمن يدخل منزل الغير بدون مبرر لا تعد شارعاً في جريمة السرقة ما لم يثبت توافر قصد السرقة لديه، وإنما قد يسأل عن واقعة أخرى هي انتهاك حرمة ملك الغير، طبقا للمادتين (369، 370) من قانون العقوبات المصري.

ويجب أن تكون الجريمة التي اتجه إليها قصد الفاعل جنايَّة أو جنحة حيث لا عقاب على الشروع في المخالفات، والجنايات هي الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المشدد أو السجن، فى حين أن الجنح هي الجرائم المعاقب عليها بالحبس أو الغرامة التي يزيد أقصى مقدارها على مائة جنيه.

(ج) وقف التنفيذ أو خيبة الأثر بسبب خارج عن إرادة الجاني:

للشروع في الجريمة ثلاث صور، حددت المادة (45) من قانون العقوبات صورتين للشروع: (الأوّلى) الجريمة الموقوفة، (والثانيَّة) الجريمة الخائبة، ويضيف الفقه صورة (ثالثة) الجريمة المستحيلة، وفيما يلي نستعرض هذه الصور بإيجاز على النحو التالي:

(1) الجريمة الموقوفة: في هذه الصورة، يبدأ الجاني في إتيان نشاطه الإجرامي ولكن لا يكتمل هذا النشاط بسبب تدخل عوامل خارجة عن إرادة الجاني توقف هذا النشاط، وتحول دون تحقيق النتيجة، مثال ذلك من يصوب سلاحه نحو المجني عليه قاصداً قتله فيضبط في هذه اللحظة قبل اكتمال النشاط وتحقيق النتيجة، ففي هذه الحالة ما زال لدى الجاني مدخراً من النشاط لم يبذله بعد.

(2) الجريمة الخائبة: في هذه الصورة، يبدأ الجاني في إتيان نشاطه الإجرامي ويكتمل هذا النشاط ولكن لا تتحقق النتيجة رغم كونها ممكنة الوقوع، صورة ذلك أن يصوب الجاني سلاحه نحو المجني عليه ويطلق النار فيخطئه أو يصيبه في غير مقتل ويشفى بعد العلاج، فالجانيّ هنا استنفذ كل نشاطه الإجرامي.

(3) الجريمة المستحيلة: لم تنص المادة (45) عقوبات على الجريمة المستحيلة كصورة من صور الشروع، ولكن هذه الصورة نادى بها الفقه، وفى هذه الصورة، يبدأ الجانيّ نشاطه الإجراميّ فعلاً ولكن لا يستطيع تحقيق النتيجة لقيام ظروف خاصة تجعل من غير الممكن تحقيق هذه النتيجة، ومن أمثلة الجريمة المستحيلة الجاني الذي يستخدم في القتل سلاح ناريّ غير صالح للاستخدام أو خاليّ من الذخيرة، أو أن يطلق النار على شخص تبين أنه فارق الحياة، أو أن يقوم الجاني بالسرقة من جيب خالي، وهذه هي صور الشروع، وتبين من العرض لها أن النتيجة لا تتحقق نتيجة توافر سبب اضطراري خارج عن إرادة الفاعل؛ أي أنه كان يبغى تحقيق النتيجة، ولكنها لم تحدث، ولكن السؤال هل يتوافر الشروع في حالة عدول الجاني عن استكمال مشروعه الإجراميّ بإرادته.

العدول الاختياري: هو أن يعدل الجاني بإرادته ومحض اختياره وبدون تدخل أيه عوامل خارجيَّة عن الاستمرار في التنفيذ مع كونه يستطيع إتمام الجريمة. وثار جدل فقهيّ واسع حول توافر العدول الاختياري في الجريمة الخائبة والجريمة الموقوفة، وخلاصته أن العدول الاختياري متصور وجائز في كل من الشروع الموقوف والشروع الخائب مع اختلاف صورته، ففي الأوّل يكون العدول بنشاط سلبي هو الامتناع عن المضي في الخطوات التنفيذيَّة بقصد منع ارتكابها، وهذا لا يمنع من العقاب على تلك الخطوات التنفيذيَّة، إذا توافرت عناصر جريمة أخرى، فمن يبدأ في اغتصاب أنثى ثم يعدل بإرادته عن إتمام ذلك يمكن أن يعاقب على الأفعال التي أتاها بصفتها هتك عرض. بينما في الشروع الخائب، يكون العدول بموقف إيجابي لاحق يقوم به الجاني لمنع تحقق النتيجة الإجرامية .

(خامساً) عقوبة الشروع:

يعاقب على الشروع بعقوبة أقل من عقوبة الجريمة التامة، ويعاقب على الشروع في الجنايات والجنح، ولا عقاب على الشروع في المخالفات، والأصل أن الشروع في الجنايات يعاقب عليه في كل الأحوال أما الشروع في الجنح فلا يعاقب عليه إلا بناء على نص خاص يقرر العقاب وذلك جرائم في معينة.

(1) العقاب على الشروع في الجنايات: تنص المادة (46) من قانون العقوبات على أن:"يعاقب على الشروع فى الجنايَّة بالعقوبات الآتيَّة إلا إذا نص القانون على غير ذلك:

-             بالسجن المؤبدإذا كانت عقوبة الجنايَّة الإعدام.

-             بالسجن المشددإذا كانت عقوبة الجنايَّة السجن المؤبد.

-    السجن المشدد مدة لا تزيد عن نصف الحد الأقصى المقرر قانوناً أو بالسجنإذا كانت عقوبة الجناية السجن المشدد.

-    بالسجن مدة لا تزيد على نصف الحد الأقصى المقرر قانوناً أو الحبسإذا كانت عقوبة الجنايَّة السجن.

(2) العقاب على الشروع في الجنح: الأصل أن الشروع في الجنح غير معاقب عليه، والاستثناء أن يعاقب المشرع على الشروع في الجنحة حيث نصت المادة (47) من قانون العقوبات على أنّ تُعين قانوناً الجنح التي يعاقب على الشروع فيها وكذلك عقوبة هذا الشروع.

ويتفاوت مقدار العقاب المقرر على الشروع في الجنحة فتارة يسوى المشرع بين عقوبة الجريمة التامة والشروع كما في جريمة نقل أو الشروع في نقل مفرقعات أو مواد قابلة للالتهاب فى قطارات السكك الحديد أو مركبات أخرى معدة لنقل الجماعات أو الوسائل البريديَّة.

وتارة يجعلها ثلثي العقوبة كما في جريمة الحصول على المال بالتبديد(م326ع)، وتارة يجعلها نصف العقوبة كما في الشروع فى جرائم السرقات المعدودة من الجنح، وتارة يجعلها ثلث العقوبة كما في الشروع في النصب (م336ع)، فكل جريمة يحكمها النص القانونيّ الوارد بشأنها.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق