]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أريد وطناً

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2014-05-13 ، الوقت: 06:02:04
  • تقييم المقالة:

أريد وطناً

       عندما كنت طالبة في جامعة اليرموك في إربد الأردن، سمعت هذه الحكاية، و لم تفارق  ذاكرتي منذ ذلك الحين، ملخص الحكاية أنّ رجلاً من إحدى قرى إربد شمال الأردن تدعى الصّريح، كان يمتلك كلباً أجرب مقرفا، يتفتّل طوال النّهار على مزابل القرية، وينبح ليل نهار، وفي يوم من الأيّام حضرت سائحة أجنبيّة، وأخذت هذا الكلب، وحملته معها إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وهناك بدأت تحمّمه (بالشّامبو) وتنظّفه وتدلّله وتطلقه مع الخراف البيضاء، ومع الوقت بدأ هذا الكلب يصدر أصواتاً كالخراف، ونسي النباح تماما، ومن كثرة النّظافة صار فراؤه كالثّلج، وبعد مدة تزيد عن العشر سنوات قرّرت المرأة أن تعاود زيارة الأردن، وأخذت هذا الكلب ليزور بلدته الصّريح، قبل أن تعاود حمله إلى أمريكا، وأثناء تجواله في مسقط رأسه الصّريح شاهدته مجموعة من أصدقائه الكلاب القدامى، وبدؤوا ينبحون له، وهو يردّ عليهم  بصوت الخروف، وهم مصرّون على النّباح، وفي النّهاية نبح لأوّل مرّة منذ أكثر من عشر سنوات قائلاً: هَوْ...هَوْ... والله الواحد ما بيحّس حاله كلب إلّا في وطنه.

      أنا لست عميلاً قذراً، ولا خائناً، ولا بائعاً للوطن، ولا طابوراً خامساً، ولا عاشراً، ولكن تلك العبارات الغبيّة من مثل: هواء الوطن، وشمس الوطن، وسماء الوطن، وتراب الوطن، وأرض الوطن، وماء الوطن، كلّ هذه السّخافات لم تعد تملأ رأسي، فمثل هذه الكلاشيهات المحفوظة تصلح لكتابة موضوعات التّعبير في المدارس الابتدائيّة فقط، أمّا قناعتي أنا فهي أنّ الوطن الحقيقي هو المكان الذي يؤمّن لأبنائه فرصة عمل، وراتباً يوفّر لهم لقمة العيش ولا يريق كرامتهم، ومقعداً لتعليم أبنائهم، وسقفاً يؤويهم عندما يحلّ الظلام، وكرامةً تصان، وعرضاً لا ينتهك دون أن تتحرّك الدّولة لمعاقبة من انتهكه، وهذا هو الوطن الذي أفتقده.

        أمّا المكان الذي  يصحو فيه المواطن كلّ يوم على همّ جديد ينسيه همّه القديم؛ لأنّه أشدّ وطأة، وأصعب حملاً من الهمّ القديم، لأنّهم يشفقون عليه من الرّوتين في الهموم، والذي تشقى فيه عشرين عاماً، ولا تمتلك رقعة أرض بحجم متر × مترين تدفن فيها لو متّ، ولا تمتلك فيه سقفاً يؤويك، والذي يتاجر الأطبّاء فيه بمرضك، ويجعلونك تبيع نفسك حتّى توفّر علاجاً لمرضك، ليكملوا توسعة قصورهم (وفللهم)، ويزيدوا عقاراتهم، ولا ينظرون إليك إلّا كفريسة وقعت بين مخالبهم، والذي ترفض فيه المشافي الخاصّة أن تسعفك إن لم تدفع فاتورة محترمة قبل الفحص، وتريق المشافي الحكوميّة كرامتك في زواياها قبل أنّ تحصل على دواء لا يمتّ أصلا  لمرضك بِصِلة، المكان الذي يحدث فيه كلّ هذا ليس وطناً، الوطن الحقيقي ليس بقعةً جغرافيّة تعتبر مسقط رأسك، بل  بقعة  تصان فيها كرامتك، وتعامل فيها كبشر، وليس كحيوان وضيع.

        وقعت عيني على هذا الخبر فشعرت بالصّدمة: أصبح بإمكان الكلاب في الولايات المتحدة التمتّع ببرامج تبثّها قناة موجهة لها على مدار السّاعة، وتصل برامجها إلى جميع الكلاب في نحو 46 مليون بيت في أمريكا، وقالت مديرة الشركة التي أطلقت القناة: إن القناة هي الأولى والوحيدة الموجهة إلى الكلاب، وستقدّم برامج موسيقية وأخرى للرّسوم المتحرّكة، وكلّ ما من شأنه تسلية الكلاب، والتخفيف عنها في وحدتها، وأوضحت مديرة الشركة أن البرامج أشرف على إعدادها البروفسور نيكولاس دودمان، وهو طبيب بيطري ومدير الدراسات العيادية، ومدربة الكلاب البريطانية فيكتوريا ستيلويل، وناشط حقوق الكلاب ومدربها وارن إيكستين، وقد تم تصميم الصّورة والصّوت والألوان لتتقبّلها الكلاب وتشعر بها، وتعتزم الشركة بث القناة في دول أخرى، ولها مشروع قناة مخصّصة للقطط.

         أريد وطناً يوفّر لي حقوقاً تعادل الحقوق التي يتمتع بها قطّ فرنسيّ، أو كلب أمريكي، طموحي الوحيد عندما أطّلع على لائحة حقوق الكلاب في أميركا، ألّا أجدها أطول من لائحة حقوق الإنسان في وطني،

                                                           عزيزة محمود خلايلة                                       

                                                            مشرفة اللغة العربية

 

                                                           مكتب التربية والتعليم

                                Email : azizah_m2012@yahoo.com                          

 

                                                                       

       


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق