]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المقامة العكاظية

بواسطة: البشير بوكثير  |  بتاريخ: 2014-05-12 ، الوقت: 20:32:20
  • تقييم المقالة:

* المقامة العكاظية

بقلم: البشير بوكثير 
إهداء: إلى حضرة الشاعر الكبير، واللغوي النّحرير"محمد جربوعة".. لن تضلّ أمّة أنتَ حاديها إلى دولة الجمال أيها اللغوي  المُدقّق المُحقّق، والشاعر المفلِق..

تمنيتُ لو كنتُ شاعرا فأفوز معكم فوزا عظيما.

- حدّثنا تلميذ جربوعة البار، بعدما غادر الدّيار:

قصدتُ سوق عكاظ، آملا في مناظرة الشعراء ومجالسة أهل الأدب والحُفّاظ، وراغبا في تكحيل مُقلتيّ بعيون المها واللِّحاظ، بعدما تركتُ الجزائر وأنا كسير القلب مغتاظ، لذيوع الرطانة الأعجمية، وتضييع البوصلة القومية، بين مفرنس سَاد، ومُعرّب خانع باعَ وحاد.

وما إن نزلتُ بذاك الوادي السحيق، المُدبّج العتيق، حتى لمحتُ ظبية تترصّع بالدّملج والعقيق، وتبكي في حرقة وشهيق، مجدا أضاعه حَفدةُ  "ابن رشيق":

أين شعراء القبيلة، وقد أضحوا بلا جهد ولاحيلة، وهاهي أرصدتهم  من المكارم الغُرّ ، والخِلال الزُّهر صارت هزيلة؟

أين أحلامهم القيسية، وأصلابهم الجرهميّة، ونخوتهم القرشية، وأفئدتهم العذريّة؟

أين بأسهم العبسي، وتشبيبهم القيسي، وكرمهم الطائيّ ورفدهم الأوسي؟

أم أنهم نيام بلا أحلام، لاينتصرون لعيون المها ولاتتحرك فيهم لواعج الغرام، ولايأبهون لمعركة وَقُودها اشتعال ضلوع الصّبايا وهذي أعلامها لها ضِرام ؟!

بل لايزلزلهم فيض الدموع وهي تجري وِديانا لها هدير وسِجام !

يا بني مُرّة، وياكبدي الحرّى، هذي شكاتي أتتكم زاحفة  ناحبة تترى، وهذي أهدابي هي الأخرى، تنتحر على أعتاب رجولةٍ لاتغار بالمرّة، ولو سامها اللئامُ خسفا مليون مرّة !

أيها الأعارب، من قبائل غامد وبني محارب:

أين أنتم من مروءة "تغلب" وسماحة "تميم"، وقد أوقدتم النّار بل العار في الهشيم، وصيّرتم كبدي الظّمأى مثل عليل سقيم . وأين "الرُّجْلة والنّيف"، التي وسَمْتُها من قبلُ في بني ثقيف؟

أما وقد ساد فيكم العاهر وانتحر الشريف العفيف ، فانتظروا لعنةَ الحجّاج تقطع رأسَ كلّ مُخنّث مُدبرٍ منكم سخيف !

بسببكم هجرتُ مضارب قومي "بني أسد"، بعدما ران على قلوبهم الصّدّ والنّكران والكمد، وخانوا مواثيق الصّبوة  والوصل والعهد ، وتقاعسوا عن نجدة ممشوقة القوام والقدّ، وكفروا بالقدّيستيْن "هند " و"دعد" ، فلا غرو أن تتكحّلَ عيوني  من جرمهم بشوك الرّمد، وأفارق مضاربهم للأبد.

  ليت هندا أنجزتنا ماتعد، وليت دعدا  ماقطعت التمائم والبُرد، وليتها خبّأتنا في الهودج وحملتنا مع ركبان نجد، ولو على مطايا وظهورِ عيسٍ شُرُد.!

يا جماعة: أخاطب فيكم رجولة"خثعم" وفحولة "خزاعة"، وأستحلفكم بسيوف "بني عبس" الصّمصامة اللمّاعة،- التي تجيبني دوما : لكِ يا حسناء منّا السمع والطاعة-،  أن تُروِّحوا عن القلوب ساعة فساعة، وتشحذوا نصل قرائحكم التي أصابها -بلا شكّ- الصّدأ والمجاعة، وتتأهبوا لتتويجي اليوم ملكة  على كلّ قبائل العرب رغم أنف  ضرغام خزاعة ؟!

إني أرسل على المباشر برقية النّصرة، لكلّ شعراء القبيلة بما فيهم شعراء الهجرة ، وأنشد موّالَ تجهيز جيش العسرة، لإغاثة ليلات ربيعة وهوازن، وهندات بني عذرة وخولات غطفان التي لاتهادن ولاتداهن.

إنْ لم تذودوا عن الحمى والخباء، بأشعار تزلزل الفضاء، وتصل أذنَ الجوزاء، وترفع من شأن كلّ ظبية حوراء،  فليس لي معكم بقاء، وسيلحقكم غدا العار والشناروالملام، بعدما تُرفع الصّحف وتجفّ الأقلام !

فهل ستلبّون نداء الهوى والحُرَق، وتهبّون عن بكرة أبيكم لمؤازرة تباريح السُّهاد والأرق؟

أم أنّ ذكريات الصّبّ العاشق الولهان، وصولات الشعر الباذخ الباسق والبيان، قد طواها النسيان ، وصارت في خبر كان، في هذا الزّمان ؟

يا أعزّ الناس :  أليس فيكم نخوة المهلهل وغيرة جسّاس، أم خبا بين جوانحكم النبض ومات الإحساس، فَضَننتم على هاماتنا أن تُرصّع بالزّمرّد والماس ؟
إنّي أرى قبائل شنقيط واليمن وعبد القيس، تقتفي أثر "جميل" وكُثيّر" و"قيس"..

هاهي ترصّ الصفوف، وتقود الزّحوف، وتُسخّن الدّفوف، لنيل تاج الإمارة، بعدما تأجّجت فيهم الحميّة وشهوة النفس الأمّارة، فغدا تدكّ القلاع، لتحوز تاج الإبداع والإمتاع.

أمّا أنتم يابني قومي، - وهذا شرفي في كفّي وهذا سهمي- فارتعوا مع الراتعين، واستكينوا استكانة الخاملين الخانعين، ليس لكم في سوق عكاظ ملعب للاعبين، فدونكم واللحاق بركب اليمنييّن خرط القتاد، يامَن أذقتموني ويلات الكرى والسهاد.

يانساء العرب:

لقد سمعتُ بشاعرٍ كلمته دوما مسموعة، يُدعى "محمّد جربوعة" ، جاءكم من "عين آزال"، قبيلة الغنج والدّلال، يعزف كلّ ليلة  أحلى قصيدٍ مشفوعٍ بموّال، هاهو يستنهض الهمم، ويستصرخ بقايا القبائل والأمم، لإحياء الرّمم.. قد ركب القلوص، وأقسم أنْ لانوم ولاجلوس ، حتّى "يُعمِّد" الشعر و"يُعكّظ"  الأرواحَ والنفوس، ويُطفئ لاحقا نار المجوس !

لقد تهافتت لقدومه هنداتُ كلّ قبيلة، وتهاوت لسحره كلّ وردة وخميلة، وذابتْ لتشبيبه "بنت مُرّة الجليلة"، بعدما عمّ الظلام واختفى الضياء، وذوتْ زهرةُ  "الدّعجاء"، ورمدت "الزّرقاء"، ورثت لحالها"الخنساء"، جاء ملك الشعراء، ليُعيدَ السنا والسناء، والصفاء والبهاء، لوجوه غشيها الغبش والقتام، ومواهب وُئدت قبل تحقيق الأحلام .

أين أنت يا أبا تمّام، بل أين الشعراء الكرام، من قول القائل في بدر التمام:

أنيري مكانَ البدر إنْ أفل البدر *** وقُومي مقامَ الشمس مااستأخر الفجر

ففيكِ من الشّمس المنيرة ضوؤُها *** وليس لها منكِ التبسُّم والثّغـــــــر؟

ياشعراء القلوب:

إنّ المُحبّ الصّبّ كان يستأنس بذكر المحبوب، ويُسكِنه البآبئ وسويداء القلوب ، حتى يعتريه الهزال والشّحوب، ويصير مثل صهارةٍ تذوب، حتى أنّه يعدّ ذلَّه عزّا من أجل وصال المحبوب.

ولله درّ القائل:

إذا كنتَ تهوى مَن تحبّ ولم تكن *** ذليلا له فاقرإِ السلامَ على الوصل

تذلّلْ لمن تهوى لتكسب عزّةِ *** فكم عِزّةٍ قد نالها المرءُ بالذّلّ !

ياشعراء قبيلتي الأصيلة: اجعلوا من هواكم إلى مَن تهوون سبيلا، ورصِّعوا تيجان أميراتكم ولْتكن عُكاظكم إليهن دليلا.             الجمعة : 25 أفريل 2014م


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق