]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

انطولوجيا الجسد

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-24 ، الوقت: 23:11:37
  • تقييم المقالة:
     أنطولوجيا الجسد

محمد الحداد العراق

 

تشعرُ أحياناً أنَّ جسدكَ غيرك..ليسَ أناك..بل سواك..وأنَّ بينكَ وبينهُ ثمة حواجزَ هُلامية ،مرةً عصية كحدودٍ إسمنتية ،ومرةً طيعةً كنسمةِ هواءٍ شفيفة ، لكنكَ تأبى أن يسوقكَ غيرَكَ حتى لو كانَ هذا الغيرُ صِنوكَ أو غِراركَ فما بالكَ لو كانَ نقيضَك؟وانْ اخترتَ الفرارَ مُستسلماً أنْ لا شيءَ يستحِقُ حضورك..اكتشفتَ أنَّ محضَ غيابكَ أنتَ سيحتشِدُ رغماً عنكَ جنبَ حضورهِ ..حضوره المُغيبِ بحضوركَ تارةً أو الحاضرِ بغيابكَ أخرى!

هكذا تظلُّ في دوامةِ دولابِ بحثِكَ وفرارِكَ حتى إذا تَلمستَ وجودَهُ أخيراً حدَّ اليقينِ اكتشفتَ أنهُ غير موجود البتة.

 يحجزُ الجسدُ مساحة وجودهِ لِتصِلَ حدَّ الإزاحةِ والإسقاطِ ،مُنافسته المساحيةِ تلك تُفرَضُ أحياناً على حسابِ الروح،لذا يصعُبُ الكلامُ عن الجسدِ بمعزلٍ عن الروحِ الساكنةِ فيه..يقولُ  خورخي بورخس:( إذا أساءتْ إليكَ يَدكَ اليُمنى اغفر لها أنتَ جسدكَ وأنتَ روحك،ومنَ الصعبِ بل المستحيل تثبيت الحدودِ بينهما) .

صحيحٌ أنَّ المسافةُ بينَ عالمين مختلفين مهما كبُرتْ واستطالتْ يبقى الحدُّ الفاصِلِ بينهما ضيقاً كحَدِّ شعرة..صغيراً كنقطةٍ ضائعةٍ بينَ الكلمات لكنها موجودةٌ ،ماثلةٌ أمامكَ كمخفرٍ حدودي يُذكِّرُ ضؤهُ بنهايةِ حدودِ دولتينِ مُتقاطعتين،ولا يصحُّ عندي تعميم  بورخس لكلِّ الأجسادِ وأرواحِها إلا إذا وصلا معاً حالة رنينٍ فيزيائي سأصلُ إليها فيما بعد،فلغتيهما غالباً مختلفة .. أحياناً تأبى الروحُ إلا أنْ تُملي على بيتِ الجسدِ شروطَ تشكّلِها فيهِ ليبدوَ فعلاً كما تُريد..كمرآةٍ عاكسةٍ لها...وأحياناً يُجيدُ الجسدُ انتحالَ أدوارهِ بنفسهِ خروجاً على نصوصِها المكتوبةِ ليبدو أمامها كممثلٍ ارتجالي لا يسندهُ نصٌّ مُسبق يتكأ عليهِ ..إذا تكلمَ الجسدُ بلغتهِ الطينيةِ البدائيةِ ضحِكتْ الروحُ من غبائهِ وطيشهِ وإذا تكلمت الروحُ أغلقتْ أبوابُ الجسدِ ونوافذهِ وأحكمتْ سلاسلها ليُصبحَ الدخولُ إليهِ خروجاً من جنتِها، إلا إذا أظهرتْ عفاريتهُ النائمةِ انشقاقها وكسرتْ عصا الطاعةِ بكسر سلاسلها ولو مرة ،عندها تغرقُ كل فصاحةِ الروحِ في أُميةِ الجسدِ ويُمحى كلُّ بياضِها بسوادهِ، يشذ عن ذلكَ كلِه اتفاقُ النقيضينِ النادر رنينياً في حالةٍ أشبهُ بالخرافةِ إذا ذابت المسافةُ بين الروح والجسدِ لتذوبَ الشعرةُ والنقطةُ تماماً بعدَ ترويضٍ عرفاني يفعلُ فعلَ السحر حينما يتنازلُ الجسدُ عن خواصهِ الطينيةِ أولاً حتى توشكُ البرازخ الملغومة بينهما أن تتحطمَ فتذوبَ ذراتيهما معاً ذوبانَ تماهي الآني في الأزلي ..الناقص بالكامل حاضناً ومحضوناً ليتشربَ الجسدُ نهرَ روحه الخالدة .. يتشرب بكلِّ صحرائهِ العطِشةِ من كلِّ ينابيعِها العذبةِ فتتسامى ذراتيهُما معاً حاملة ً خصائصَ واحدةً ،نفهمُ من هنا نظرَ اللهِ إلى القلوبِ دونَ الصورِ والأجسام .

بعيداً عن تلكَ الحالةِ المثاليةِ يُجهدُ الآخرونَ أنفسَهم في اجتراحِ إسقاطِ  إحداثياتِهم على جغرافيةِ الجسدِ بشروطِ طولٍ وعَرضٍ وارتفاعٍ مُجحفةٍ،يُمررونَ على كلِّ تفاصيلهِ أشعة سونارهم لتلعبَ دوراً حاسماً في كتابةِ تقارير سريعة تطبعُ قبلَ ارتدادِ الطرف شهادةً حاسمة ً في الحبِّ و البغضِ والقبولِ والرفضِ والغضبِ والرضا..كتابة تعجزُ في اختراقِ طين الجسدِ لتنفذ إلى مغاراتِ الروحِ المُضمرةِ ليبقى الفضاءُ شاسعاً بينَ سماءِ الروحِ وأرض الجسد..بينَ بياضِ باطنهِ الباردِ المُضيء وسوادِ ظاهرِهِ المُلتهبِ المُظلمِ رغمَ آلافِ الأعوامِ التي تفصل بينهما بأحلامِها وكوابيسِها ووردِها وشوكِها وتفاحِها وحنظلِها .لكنهم صدّقوا كذبتهم الشائعةِ بأنَّ في الجسدِ جوابُ كُلِّ الأسئلة..نسوا أنهُ يظلُّ مُضرجاً بزوالهِ..مُلطخاً بضآلتهِ.. مُدنَساً بأوضارهِ إزاء الروحِ وخلودها..مطروداً غيرَ مُدونٍ في سجلِّ خلودها.    

نارُ الجسدِ..كأي نارٍ أخرى لا تتركُ ظلاً  ساخناً وراءها لأنَّ ما منْ وهجٍ ناريّ إلا ويعكسُ ظلهُ الباردِ حسب ،إذا سقطَ..سقطَ بكُلّيتهِ بنارهِ وبروقهِ ورعودهِ،ولا ينفع أنْ يأخذ ظلُّ نارهِ هذا الدور مطلقاً فظله صحوٌ مُشمس ولا يلتقِطُ الجسدُ قِطافهُ في يومٍ صحوٍ مُشمسٍ كهذا أبداً .

أما رمادهُ..فتواضع نارهِ تلك في حضرةِ بردهِ القاتل!رمادهُ..شيخوخة لهاثِ نارهِ تلك قدرِ سنواتِ لهاثِها،والألمُ صِنوهما معاً - ناراً ورماداً – يُرافقهما منذ النشأةِ حتى المصير.

حواسُ الجسدِ مجساتُه،أدناها اللمس،شرطهُ الملاصقة،والشمّ أوسع منهُ امتداداً دونَ تحديد الاتجاه لأنَّ تحديدَها بالبصر أدقُ فانْ أحسرتهُ الحدود فالسمع تُرجُمان الأصواتِ،وزمامُ الكُلّ في العقل.

لهُ سطوةٌ ألهَبتْ الفتى الجميل (نرجس) لِفرطِ جمالِ وجههِ المعكوس فوقَ الماءِ حتى كادَ أن يموتَ حُباً لِصورتهِ،جمرةُ السطوةِ هذهِ أذابتْ ثلجَ اتزانهِ بسعيرها فخلعَ أردية العقلِ لابساً أردية َ بشرتهِ البيضاءَ الشفافةِ ونزلَ ماءَ (أناهُ) المُذابةِ يسبحُ فيها ويشربُ دونَ أن يرتوي حتى استحالَ إلى زهرةِ نرجسٍ خالدةٍ كي لا يُفارق جمالَ صورته! وفي كلِّ مكانٍ ثمة من يشربُ من آبارِ مياهِ نرجسِ الجوفيةِ دونَ أن يرويهم ماؤهُ الممجوجِ ليعودوا إليه مرة بعد مرة. 

يُخطئُ الآخرونَ مرةً أخرى حينما يُنصِّبونَ الجسدَ إلهاً يُعبَد..الهَ الظُلمةِ والضياءِ يذبحونَ القرابينَ باسمهِ وبينَ يديه،و يلهجونَ بحمدهِ..ويذكرونهُ آناءِ الليلِ وأطرافَ النهارِ في موائدِ الحُبِّ والخمور..منهُ تنطلِقُ القوافلُ كُلَّ يومٍ ثمَّ تستديرُ مهما  ابتعدتْ راجعة ً إليه كمحطةٍ أخيرة تُفرِغ ُ حمولتَها عندَ بابهِ بعدَ أنْ تطوفَ حولهُ ما شاء لا ما شاؤا! ويُخطِئونَ أيضاً حينما يُجيدونَ فنَّ مُقايضتهِ..مُقايضةِ أمطارهِ لِعطشِهم ،طهارتهِ لِرجسهم ويلعبونَ معهُ لُعبة النارِ والرمادِ الأزليةِ، لُعبة الأصلِ وظلهِ، لكنَّ الجسدَ إذا كُسِرَ طينهُ اللازب في لُعبتهم تلك استحالَ إلى كائناتٍ مُتشظيةٍ كزُجاجٍ مُهشّمٍ تظلّ  كُلّ شظيةٍ كمرآةٍ مُصغرةٍ لا تشبه إحداها الأخرى ولا يُمكِنُ مهما اجتمعتْ أن تُرجِعَ للصورةِ صفائها إلا كصورٍ مُتنافرةٍ،وكأنَّ شغفَ اللهاثِ وراءهُ لا يُضمدهُ إلا انقضاضٌ يُبيحُ لِمخالبِ العيونِ أن تقتحمَ ظلامهُ السري لتنهَشَ من لحمِ اشاعيتهِ وِتسرُقَ اكتضاضَ اللذةِ فوقَ خرائطهِ وتحفرَ أسمائها في سجلِّ ذاكرتهِ الصخريةِ الوعرةِ التي لا تنسى كذاكرةِ جُرحٍ مُتبَّلٍ بالملح،ولأنَّ كُلَّ شيءٍ فيهِ مُطلسم يحاولُ المارقونَ عليهِ لحظة الكتابةِ هذهِ ..لحظة الخطيئةِ أن يتعلموا قراءته أيضاً ليمحوا أميتهم بممحاةِ بلاغتهِ وفي ثملِهم صحوه وفي هذيانهِ صحوهم وفي فَرحهِ حزنٌ للروح .

 كما تُضيءُ الأيقونة قدر امتلائها بالزيتِ..جودةُ اضائتها من جودتهِ وعدمها من عدمهِ.. إلا أنَّ العيونَ القاصرة لا يجذبها الزيتُ بل ضوءُ الأيقونةِ نفسها ليظلّ الجسدُ منذ اشتعالهِ الناري الأولِ وحتى انطفائهِ الرمادي الأخير موطنَ اتهامٍ خطيرٍ ما دامتْ شرارةٌ توقدُ اضطرامَ سعيره وأعظمُ جحيمهِ من مُستصغر شررهِ ومهما خلعَ الجسدُ ومهما تزيا إن لم تسترهُ الروحُ من لبوسِ حكمتِها يضلُّ عارياً أبدا. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2011-11-25
    لراقي محمد حداد.
    بارك الله بتلك الكلمات , فلها روحية خاصة ومعنى متعمقا.
    اعجبتني طريقة توضيحك لمعنى الجسد , وتصنيف اللبعض لها بطرقهم الخاصة قلت هنا :
    يُخطئُ الآخرونَ مرةً أخرى حينما يُنصِّبونَ الجسدَ إلهاً يُعبَد..الهَ الظُلمةِ والضياءِ يذبحونَ القرابينَ باسمهِ وبينَ يديه،و يلهجونَ بحمدهِ..ويذكرونهُ آناءِ الليلِ وأطرافَ النهارِ في موائدِ الحُبِّ والخمور..منهُ تنطلِقُ القوافلُ كُلَّ يومٍ ثمَّ تستديرُ مهما ابتعدتْ راجعة ً إليه كمحطةٍ أخيرة تُفرِغ ُ حمولتَها عندَ بابهِ بعدَ أنْ تطوفَ حولهُ ما شاء لا ما شاؤا! ويُخطِئونَ أيضاً حينما يُجيدونَ فنَّ مُقايضتهِ..مُقايضةِ أمطارهِ لِعطشِهم ،طهارتهِ لِرجسهم ويلعبونَ معهُ لُعبة النارِ والرمادِ الأزليةِ، لُعبة الأصلِ وظلهِ،.

    تلك اشارة الى نوعين من الناس.
    والاصل في المرء مناان يعدل بين الاثنين فلا عبادة جسد والمتعة هي هي رداءه وكل ما يتبعه.
    ولا هي روحانية فوق المجال المحدد لها من قبل الخالق.
    فهي من روحة تعالى رغم ذلك ان من يتعمق بالروح اظن وبرأيي ارقى من ان يتعمق بالجسد.
    فالروح في النهاية لا تآفل اما الجسد خاو من روح آفل لا حدود لضياعه ووجله كل لحظات ثمالته.
    قول آخر ساد في ذاكرتي من مقالتك :

    وفي كلِّ مكانٍ ثمة من يشربُ من آبارِ مياهِ نرجسِ الجوفيةِ دونَ أن يرويهم ماؤهُ الممجوجِ ليعودوا إليه مرة بعد مرة.

    نعم الكثير نا او البعض والبعض اكثر!
    مقالتك تحتاج لوقت طويل ولكل سطر توقف نابع من فكر متقد.
    جُزيتم الخير الكثير على ما كان هنا.
    وسأعود ثانية وثالثة لقراءتها.
    سلمتم من كل سوء.
    طيف امرأه
    • محمد الحداد | 2011-11-25
      أختي الكريمة ..الشكر كلُّ الشكر لاحساسكِ العالي وانسانيتك الراقية ,الشكر لروعةِ ذوقكِ وصفاء تذوقكِ ,ولكلِّ مَنْ يقرأ ويتذوق ..يعي ويعقل ..سُعدتُ بحضرتكِ وباعجابكِ وبما كتبتِ ..دمتي في حفظ اللهِ

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق