]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المقاصد العليا للثقافة الاسلامية

بواسطة: Hsbelrasool Wald Bdr  |  بتاريخ: 2014-05-11 ، الوقت: 14:45:09
  • تقييم المقالة:

 

بسم الله الرحمن الرحيم
المقاصد العليا للثقافة الإسلامية
استقراء من المصادر الأصلية للعقيدة الإسلامية (القرآن والسنة)؛ نود أن نبين هنا المقاصد العليا للثقافة الإسلامية ، والتي هي المعايير الحق للحياة الإسلامية فإذا أوفى بها المجتمع يكون نموذجا للمجتمع الإسلامي المنشود ، وإلا فعلينا أن نجتهد في استكمال هذه المطلوبات بالسير قدما في تحقيقها متسلحين بالعلم مثابرين على العمل حتى يمن الله علينا بنصره ومدده
يقول الحق سبحانه وتعالى:
يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) سورة محمد آية7،
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) العنكبوت69

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)  النور55،
وبتغليب النظرة الكلية نجد أن النصوص الإسلامية قد تعاملت مع ثلاث مفردات رئيسية هي
الله
والكون
والإنسان،
فعلى الإنسان أن يعبد الله، ويزكي نفسه، ويعمر الكون
ومن ذلك يمكن أن نجمل المقاصد العليا للإسلام في هذه المطالب الأربع
توحيد الله وإفراده وحده بالعبادة
إتباع الرسل والوفاء بما يجب لهم من الحقوق
تزكية الإنسان بحسبانه خليفة الله في الأرض
إعمار الكون بالإحسان لإسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة
أولا : توحيد الله وإفراده وحده سبحانه بالعبودية
وهذه هي الميزة الأساسية العليا للثقافة الإسلامية ، فما من أمة اليوم من أمم الأرض إلا وهي على غير سنن الهدى في عبادة الله سبحانه ومعرفته ، فنجد منهم من يعبد النار ومنهم من يعبد البقر ، ومنهم من يخل بالتوحيد فيشرك مع الله غيره كمن يقول المسيح ابن الله أو عزير بن الله ، ومنهم من ينكر وجود الله ويزعم أن الطبيعة أوجدت نفسها بنفسها عن طريق المصادفة ، أو أن أصل الإنسان قرد ،وغير ذلك من سنن الضلال التي تتردى فيها الأمم الأخرى ، فلذلك لا بد للعالم الإسلامي أن ينهض من كبوته ويبلغ العالمين رسالة التوحيد ، ولكي يبلغها لا بد له من فهمها أولا وتمثلها في الحياة ، فالتوحيد يلزمنا أن لا نخضع لغير الله ، وأن نجعل حركة حياتنا موصولة بطاعته ، وأن نجعل أحوالنا كلها متوجهة إليه في السراء والضراء من صبر وشكر وخوف ورجاء وطاعة ومحبة وان نوالي لأجله ونخاصم لأجله ، وبالجملة فإننا يمكن أن نميز بين ثلاث إستجابات مهمة لتطبيق التوحيد في حياتنا هي:
الإيمان بالغيبيات من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره
والعمل بالقطعيات من صلاة وزكاة وصيام وحج ، وتجنب المحرمات وإقامة الحدود وغيرها
والتزام بالعقليات ومكارم الأخلاق من إقامة العدل وبذل النصح وإشاعة الشورى وطلب العلم والرزق من مظانهما والتعامل بالبر والتراحم والتناصر والتكافل والتيسير والإحسان والتزام كل معروف والانتهاء عن كل منكر ، طاعة لله وتقربا إليه وإخلاصا له سبحانه وتعالى في النوايا والأقوال والأفعال
ولقد قسم بعض علماء الإسلام التوحيد إلى خمس أقسام لزيادة الإلتزام والتفهيم حتى يوفي المؤمن بكمال التوحيد والتجريد ولا يغيب عنه تمام الكل إن هو أوفى بالبعض، ولنذكر هذه الأقسام بإختصار:
توحيد الربوبية
وهو التوحيد الذي تقر به جميع الملل، فحتى الكافرين يقرون بأن الله هو الذي خلقهم ورزقهم وهو الذي يميتهم (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله)، العنكبوت 61،
(ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)، لقمان 25،وسورة الزمر آية 38
ولم يشذ عن هذه القاعدة أحد غير الملحدين الذين أنكروا الشعور الفطري، والبرهان العقلي، ودلالة خلق الكون على حتمية وجود الخالق سبحانه وتعالى، مكون الأكوان من لا يشغله شأن عن شأن
توحيد الألوهية
وهو الذي بعثت به الأنبياء، في الإخبار عن الله، وضرورة إفراده وحده بالتقديس والعبادة والدعاء والسؤال والخوف والرجاء واللجوء والإضطرار، ومن هذا التوحيد يميز بين المؤمن والمشرك.
توحيد الأسماء والصفات
ويعني وصف الحق سبحانه وتعالى بكل كمال وتنزيهه عن كل نقص، فله سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العليا، ويجب له كل كمال، ويستحيل في حقه كل نقص، والفتنة التي حدثت بين الطوائف المسلمة خرج معظمها من هذا الباب، فجعل بعضهم يكفر بعضا متهمين لهم بالتجسيم أو التعطيل، والواجب أن يكون في هذا الأمر متسع ويعذر بعضهم بعضا طالما كل فرقة كانت تقصد من فهمها التنزيه لذات الحق سبحانه وتعالى.
(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) الأعراف 180، (فله الأسماء الحسنى) الإسراء 110، (له الأسماء الحسنى) سورة طه آية8، وسورة الحشر 24،
(ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير) الشورى 11
توحيد التشريع 
ويعني تلقي التشريع والحكم من الله ورسوله، من تحريم وتحليل وأمر ونهي، ثم يجوز للأمة المسلمة الإجتهاد والقياس إنطلاقا من قواعد الوحي والسنة بما لا يتصادم معهما، وما لا يخالف ما علم من الدين بالضرورة. (وأحل الله البيع وحرم الربا) البقرة 275، (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله) البقرة 173، (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام) المائدة 3
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة 44
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء 65
توحيد الولاء والبراء
ويعني أن يوالي المسلم جماعة المسلمين، ويبرأ من موالاة الكافرين، الذين يعتدون على المسلمين في دينهم أو أرضهم أو عرضهم، مثلما هو حادث الآن من دولتي أمريكا وإسرائيل. (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله) الممتحنة 4، (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) المجادلة 22
وبالجملة فالتوحيد وفق هذا التقسيم لم يكن مصطلحا عليه في الصدر الأول من الإسلام، ولكن قام بالإجتهاد في توضيحه علماء الإسلام ليتقصى المسلم إكمال شروط التوحيد والإتيان به في كل وجوهه
ثانيا : إتباع الرسل والوفاء لهم بحقوقهم
الأنبياء هم بشر مثلنا ولكن الله اصطفاهم بكلامه ورسالاته فهم يبلغون عنه فواجب لهم السمع والطاعة والمحبة والتكريم والاقتداء بسيرتهم الطاهرة ومسيرتهم الظافرة، وقد خص الله نبينا وسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم من بينهم بالرسالة الخاتمة الناسخة للرسالات فهو سيد الأنبياء والمرسلين ، قرن الله اسمه باسمه في شهادة التوحيد ، فلا يدخل الجنة إلا من يشهد له بالرسالة ويقر له بالنبوة ، وصلى الله عليه وملائكته وأمر المؤمنين بذلك ، وأوجب طاعته والتحاكم إليه والرضاء بحكمه والتسليم به ومحبته وأهل بيته وتوقيره ونصرته وإتباع سنته وسنة خلفاءه الراشدين المهديين من بعده إلى يوم الدين، وجملة القول فإن الرسل هم قادة البشرية فيجب أن لا نتخذ قادة لنا سواهم من أمثال ماركس أو لينين ، أو فرويد أو داروين، أو سقراط أو إفلاطون، فإن هؤلاء ليست لهم ميزة وربما خلطوا قليلا من الحق بكثير من الضلال ، بينما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اختارهم الله من بين خلقه واصطفاهم على العالمين وحفظهم وعصمهم عن الخطأ والذلل ، وأنزل عليهم الوحي ليبلغوا نور الله إلى الناس أجمعين ، وذكر القرآن منهم خمسة وعشرين نبيا رسولا ، وفضل بعضهم على بعض فأولي العزم منهم أربعة هم سادتنا إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات ربي وسلامه عليه وعليهم أجمعين
ثالثا : تزكية النفس
الإنسان هو خلقا من خلق الله ، خلقه ليرحمه بمحض فضله ، وجعله قابلا للخير والشر ليكرمه بشرف الاختيار (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الإسراء70،
وصور الله الإنسان في أحسن تقويم، فإن آمن وعمل الصالحات ترقى في مراتب هذا الإحسان التي لا نهاية لها ، وإن كفر وعمل المنكرات أرتد إلى أسفل سافلين ، ولقد اهتمت الثقافات الأخرى بالإنسان وأصبحت تنادي بحقوقه وتسعى لرفاهيته ؛ ولكنها ثقافات تخلط الحق بالباطل والهدى بالضلال ، فأصبح من حق هذا الإنسان أن ينتحر ، وان يجهض وهو حمل في أحشاء أمه ، وأن يتزوج الرجل الرجل ، أو المرأة المرأة لبئس ما يحكمون ، فأي حقوق هذه التي تضيع أول ما تضيع صاحب الحق نفسه، أو تغير فطرته السليمة وذوقه القويم وتحيله إلى مسخ مشوه مما يعرف اليوم بالجندرة وإتفاقية سيداو ، وغير ذلك من الأباطيل والضلالات
إن التزكية للإنسان في الثقافة الإسلامية هي تزكية شاملة ، في تكامل واتزان ، فهي تأمر بالنظافة الشخصية والتزام سنن الفطرة التي نصت عليها الشريعة الاسلامية، والوفاء للجسم بما يقيم أوده من مأكل ومشرب ومسكن، والعمل على ترويض الجسم بممارسة فنون الرياضة (علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل) ، كما تأمر الشريعة بتنمية العقول وتأهيلها بطلب العلم وإدمان التفكر والنظر (أقرأ باسم ربك الذي خلق) ، كما تأمر بترقية الروح على مراقي ومراتب الإحسان , وذلك بلزوم الطاعات والعبادات من صلاة وزكاة وصيام وقيام وتلاوة وتوبة واستغفار وإنفاق وبر وصلة، وبذلك تتخلص النفس من الأمراض الذميمة كالغل والحسد والقسوة والأنانية والكبر والبخل والجبن والخوف والسخرية والنميمة وغير ذلك من الأمراض الفتاكة التي تفتك بالنفوس والمجتمعات، فالإنسان وفق برنامج التزكية المتكاملة يستطيع أن يكون قويا مبنى ومعنى ويمكنه أن يطلع بمهمته في السعي فيما ينفعه في معاشه في الدنيا أو في معاده إلى الآخرة. وللتزكية برنامج يسعى إليه أولو الفلاح الراغبين في التقدم والنجاح (قد أفلح من تزكى) الأعلى 14، (قد أفلح من زكاها) الشمس 9، وبرنامج التزكية يبدأ بالتوبة النصوح وفق شروطها من الإقلاع عن المعاصي والندم على ما فات وتشديد العزم على عدم الرجوع إلى ما كان منها، ورد الحقوق المغصوبة إلى أصحابها، إذا كانت عليه حقوق أو طلب إعفائها منهم، أو التصدق بها ووهب الأجر لأصحابها في حالة عدم التمكن من إرجاعها لهم. والخطوة الثانية من برنامج التزكية هي التقرب إلى الله بالوفاء بالفرائض الأساسية، والمرحلة الثالثة هي إنتقاء جملة من النوافل والمداومة عليها حتى يبلغ بها المسلم درجة الحب ثم يظل يترقى في مدارج الإحسان التي لا نهاية لها. الحديث : وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه. رواه البخاري
رابعا: إعمار الكون
خلق الله الكون ليدل عليه وليكون برهانا على وجوده وبديع صنعه وحكمته، ولتهتدي بالتفكر فيه الفطر السليمة إلى خالقها وباريها فتشهد له بالتوحيد ولرسله بالصدق في التبليغ ، كذلك جعل الله الكون مسخرا للإنسان ليفيد منه في معاشه وليكون مطية له إلى معاده، والإنسان المسلم يكون متسقا مع الكون في تسبيحه باطنا وفي جماله ظاهرا ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أحد جبل نحبه ويحبنا) ، ومن هذا التناغم أمرت العقيدة الإسلامية بإعمار الكون وعدم إفساده حتى يبلغ أجله المأجول ، ولقد اهتمت الثقافات الأخرى بعمارة الكون ولكنها كانت عمارة غير متزنة أضرت أكثر مما أبرت ، فجعلت أناسا يموتون من التخمة وآخرين يموتون من الجوع (وبئر معطلة وقصر مشيد) الحج 45، وهناك عالم أول له السيادة وهناك عالم ثالث تضرب عليه الذلة والعبودية ، بينما نجد عمارة الكون وفق الثقافة الإسلامية لها محددات فهي تقوم على المعاني كما تقوم على المباني ، فأولا يجب أن يعمر الكون بالتوحيد وتصديق الرسل وإقامة العدل ثم يعمر ثانيا بالعلم والعمل واستكشاف كنوزه ومعرفة أسراره واستخدامها فيما يعود بالنفع على الكون نفسه والإنسان ، وفق أولويات وموازنات تراعي تقديم الأهم على المهم، والإهتداء في ذلك بالوحي أوالعقل أو التجربة في درء مفسدة أو جلب مصلحة. ولكننا الآن وللأسف نجد أن المسلمين اليوم متأخرين في فقه العمران وذلك لأنهم غلبت عليهم الرؤية الجزئية ، وغاب عنهم النظر الكلي فمعظمهم الآن يحسب أن الدين فقط صلاة وصيام ، ويخرجون غالب نشاط الإنسان من دائرة الدين ، والدين مشتمل ومعني بكامل وكل نشاط الإنسان. والإنسان مأمور بإعمار الكون وجعله وسيلة للخير والإصلاح، ولا يصح له الهروب منه فلا رهبانية في الإسلام (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، الأعراف ، 32ويجب على المؤمن أن يكون سباقا إلى إعمار الكون، وتمهيده واستصلاحه، والحديث يقول: (الأرض لمن فلحها)، والمسلم مأمور بالتفكر ومأمور بالسعي (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)، الجمعة آية10، (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)، سورة الملك آية15،
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها. رواه البخاري
كتب ذلك: حسب الرسول الطيب الشيخ، غفر الله له ولوالديه

00249129950207  هاتف

بريد الكتروني hsbelrsol@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق