]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أربعاء الجحيم

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-24 ، الوقت: 23:07:02
  • تقييم المقالة:
 أربعاء الجحيم

محمد الحداد (لا يوجد فضاءٌ أوسع من الألمِ وأوسعُ الأشياءِ عالمٌ يقطرُ دماً )بابلو نيرودا.

كلما أدخلتُها مُدُنَ القراءةِ والكتابةِ أو أخرجتُها بلا استئذان كانتْ نفسي توقفني طويلاً منذُ عقدينِ وحتى اليوم للسؤال:إلامَ أفضى بحثكَ أيها الموغلُ في الضياعِ حدَّ التلاشي؟ فأجيبُها كتلميذٍ يبحثُ عن تبرير:أُفتشُ في أرضِ الميعاد عن التلمودِ والألواح،عن الهيكلِ المزعومِ في وطن الأشباح أُصارعُ لوحدي جيشاً بربرياً يطعنني بأثرٍ رجعي ولا أراه. فتجيبني مُشفقةً :أخشى أن تنخرَ روحكَ قُرباناً وتهرقَ القلبَ على أعتابِ هذا الوطنِ فيسكت بعدها كُلَّ صهيل! فأعود لأرميَ شفقتها وخشيتها وراءي لأدخلَ جنة الكلمات ،أبحثُ عن لباسٍ يستُرُ عورةَ الأسئلةِ ،عن رئةٍ جديدةٍ أتنفسُ منها هواءً لا تُلوثهُ نظريةِ المؤامرة!  

مشغولٌ ومهمومٌ بكلِّ سيناريوهات القيامات الأرضيةِ الموقوتةِ التي خطتها أيادي (الحكماء) وضفرتها خيوطاً تمتدّ إلى الوراءِ مسافة 114عام ،منذ البروتوكولات العتيقة 1895 ثم مؤتمر بازل 1897والى اليوم حتى لو أبصرتَ أصابع الأقربين تمسكُ بها كالأراجوزات، منذ (المياه تجري صوبَ الشرق) ل(لسلي فري) 1933 والدم على الأبواب،الآن فقط أدركنا أنّ النار تجري صوبَ الشرق وأنّ الدماءَ عبرَتْ أبوابنا حتى ولجتْ داخلَ كلَّ بيوتنا.

بعدَ 114عام كانَ أربعاء الجحيم 19-8-2009ورقة ً مُظلمة ً أخرى  في سيناريو تلكَ القيامات الأرضيةِ ،وحلقة ً سوداء في سلسلةٍ طويلةٍ يُمسكُ بها (الحكماء).

لقطة أولى:غُرابٌ آخرَ غَردَ مُنتشياً فوقَ وليمةِ أجسادٍ مشويةٍ بالنارِ والدخان لم يُفزِعْ تغريدَهُ إلا صمتنا الكئيب .

الزمان: صباحٌ دامسٌ كقِطعِ الليلِ المُظلم ،أربعاءٌ طلعَ ليلهُ نهاراً بعدَ شروقِ الشمس تالياً مرثيةِ الليلِ المُستمر وبعدَ أنْ أقرأنا وصايا الموتِ الأخيرة .. بدأ اللحنُ الحزين وأكفانا مؤنة العويل لأربعاءاتٍ مُستنسخةٍ آتية!

المكان:عاصمةُ الموت ..لا جدران لا سقوف لا حجر على حجر .

لحظةٌ كدهر..رغمَ أنَّ البقاءَ كانَ جنوناً يلدغ ،إلا أنَّ أحداً لم  يُجهّز خرائطَ لهربهِ، فلحظة أن وثبَ الموتُ كزائرِ ليلٍ ثقيلٍ يتلمظ ،كانَ الرحيلُ قد بدأَ إلى قيامةٍ أرضيةٍ تخلخلَتْ  فيها  كلَّ إيقاعات الحياةِ  وتزلزلَ هدوءَها الرتيب لصالحِ فوضى الموتِ الاعتباطية بمداراتٍ مُلولبةٍ ابتلعت كلَ شيء .

أعلمُ أنَّ للموتِ ألفُ اقنيمٍ واقنيم لكني لم أكن أعلمُ أنها ترضعُ كلها من نسغٍ واحدٍ لا يشبع،( سنترالهُ) المركزي عاصمة الموت..بغداد .

يُقالُ أنَّ الألمَ يخلقُ الكلمات ،لكني في يوم أربعاء الجحيم أيقنتُ أنَّهُ يخنقُ الكلمات ،وليسَ ثمة مفرٍ أبداً.. فهل تعلمونَ أحداً شاطرَ الموتَ قبلنا واستأذنهُ في طقسٍ جنائزيّ كئيبٍ أن يلعبَ معهُ الشطرنج كذلكَ البطلِ الأسطوري الأوحد دونما خسائرَ قاتلة؟ فإلى متى ياربّ نذرعُ أكفاننا المصبوغةِ بلونِ الدمِ والسُخامِ ونحفرُ بأيدينا على طولِ الوطنِ وعَرضهِ أضرحة ً بالمجّانِ ونرسمُ حروفنا البائسة َ فوقَ شواهدِها ؟

هل الموتُ هويتهُ عراقيةٌ صِرفٌ وكلُ بلادِ اللهِ (بدون) ؟ هل مسقطُ رأسُ الموتِ كانَ أولَ ما كان  في أرضِ السواد؟ بها ولِدَ ودونَ اسمهُ في كلِّ مسلاتِ غيابنا؟

قد تُمطر السماءُ غداً صدأ ً أحمراً من فرطِ شظايانا التي طالتْ وجهَ السماءِ وربما  ُتنبتُ الأرضُ حديداً مُعفراً بمُزَعِنا نحصدُ بذورَها حفنةً من خرابٍ ليضلَّ يتناسلُ فينا للقادمِ الآتي .

وعلى تخومِ مقابرِ أربعاءِ الجحيم نصيخُ بالكادِ على محضِ أنّاةٍ خافتةٍ تُرغي كخوارٍ حائرٍ طالبةً الصفحَ على كفنٍ أبيض عن حياةٍ لم تقترفها مختومةً بختمِ الدهشة.

لقطة ثانية:  ثمة مَنْ يكنسُ الآن بقايا رمادِ الفاجعة ،يجمعها للزمنِ إما ليُقنعَ الأفواهَ الجائعةِ المُتطلعةِ أنهُ قادرٌ أن يصنعَ منها غداً حساءً للجميعِ ،أو ليؤثِثَ أمامَ الناسِ كرسي الغدِ الوثير(مُعوِّلاً على النسيانِ ومؤرخاً لهُ ) وهو يُصرّ على نشيدِهِ القديم .

كمْ أربعاءً سنحصي بعدُ ونحنُ نُسميه مرة الأربعاء الأسود ومرةً أربعاءُ الدمِ ومرةً أربعاءُ الجحيم؟ مَنْ سينزعُ أمامنا قميصَ الصمتِ البالي ويمتطي صهوةَ أسرارِنا ليُعلنها على الملأ غير مُبالٍ بصوتهِ لو جرحَ زُجاجَ زمهريرنا الأبيض؟ مَنْ سيواري سَوءة صمتهِ ليروي لنا أسطورة الرحيلِ التي وسَمَتْ بها أصابع أربعاء الجحيم جباهَ أشلائنا مُقتحماً كلَّ الأسوارِ بجرأةِ أقوى الفاتحين؟مَنْ سيضعُ الحقيقة على المحكِّ ويقول:ها هيَ ذي إما أنْ تكونَ شرفي أو وصمة عاري لنرفعَ لهُ قبعاتنا و(عكلنا) بدلَ أنْ نمنحها للغُرباءِ ليرووها عنا بفحيحِ حناجرهم الكاذبة؟فقد سئِمنا وعوداً تتساقطُ كحباتِ مسبحةٍ داهمتها أصابعُ الموتِ فانفرطتْ عنوةً ،سئمنا وعوداً كخيباتٍ تتقاطرُ باثرنا لا تكاد تصِلُنا حتى تضيعَ في بحرِ أيدينا كقطراتِ مطرٍ عابرةٍ تُثملها الريحٌ  ويبتلعها النسيان،وحرامٌ أن يُكبحَ جماحُ كلّ هذهِ الأسئلةِ فيموتُ نبضٌ ويحيا صمتْ!

يوم الأربعاء 19-8-2009أجتُثتْ ألفُ زنبقةٍ وانتصبتْ مكانها ألفُ صُفصافة .

 لقطة أخيرة(قريبةٌ جداً):بعدَ الكارثةِ بدقائق سقطتْ ريشةٌ مذبوحةٌ لطائرٍ مجهول الهويةِ قُيدَتْ جريمتهُ كالعادةِ ضِدَّ مجهول!    

محمد الحداد                                                 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2011-11-25
    مشغولٌ ومهمومٌ بكلِّ سيناريوهات القيامات الأرضيةِ الموقوتةِ التي خطتها أيادي (الحكماء) وضفرتها خيوطاً تمتدّ إلى الوراءِ مسافة 114عام ،منذ البروتوكولات العتيقة 1895 ثم مؤتمر بازل 1897والى اليوم حتى لو أبصرتَ أصابع الأقربين تمسكُ بها كالأراجوزات، منذ (المياه تجري صوبَ الشرق) ل(لسلي فري) 1933 والدم على الأبواب،الآن فقط أدركنا أنّ النار تجري صوبَ الشرق وأنّ الدماءَ عبرَتْ أبوابنا حتى ولجتْ داخلَ كلَّ بيوتنا.
    راقية جدا لها تعابير مذبوحة في نفس عالية الهممة.
    بارك الله بكم اي محمد وسلمتم من كل سوء.

    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق