]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

انسكلوبيديا الدم

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-24 ، الوقت: 23:00:28
  • تقييم المقالة:

انسكلوبيديا الدم

 

محمد الحدادالعراق

المسافة بين الوجودِ وعدمهِ ألفُ صمت! بين الصمتِ و شفة الحلم ألفُ قناع ..بين القناعِ والقناع ألفُ وترٍ مبتور وألفُ بديل !

في مدنِ الموت المستدير دوماً صورتان: صورة.. من نسغ الدم ..من الجذور .. جذور الإنسانِ و النخيلِ والأرزّ والزيتونِ ، ترضعُ منهُ حشراتُ الأرضِ المُتطفلة نبضاً نبضاً وتعومُ وسط كينونةٍ مفتراة لا حياة فيها ،و صورة.. فيها أجسادٌ لا تسقط هنا وهناك الا منتصبة ..شامخة صوبَ سماء قدسيتها وسطَ عالمٍ تعرى من كلِّ شيء ،أجسادٌ لا تنتظر سيفاً مخذولا ربما يصدأ في ثكناتهِ ،أو عِشقاً يجهلُ خارطة القلبِ كما يجهلُ خارطة الزمانِ والمكانِ ،يحدثُ كل ذلك وأكثر جنباً إلى جنب .   

في مدنِ الموتِ المستدير أبداً ،الطغاة يتشابهون .. يتناسلون ،وكلما ازدادَ ظلمهم بانَ ضَعفهم ، ظلمٌ لولاهُ ربما ما نجحتْ ثورة ! و أحياناً لا يوقظ الضمير الميتِ مثل الألم ..مثل الدم ،ألسنا مَن وَرِثنا دَمَ الماضي وجَحْفلهُ المُجرّا؟أليسَ مجدُ الأممِ لا يبتنى إلا على دماءِ الشهداء؟ نحن أكبر أمةٍ استثمرتْ مشاريعَ استشهادها ،أجيالٌ من الشهداءِ تورثُ سرَّ شهادتها لأجيالٍ لاحقة وكما الدم يورثُ سرّهُ ،للحكام أيضا أسرارٌ يتوارثونها.. شفراتٌ فيها انسكلوبيديا كاملة لأسرارِ الصراع من أجلِ البقاء.. الدم مقابل البقاء هذه الشفرة لا زالتْ تُمرر ..تتدحرج من أبينا قابيل إلى اليوم وثمة مَنْ يبحثُ عنها ويشتريها بأغلى الأثمان ،يُقالُ أنَّ (هتلر) كان لا ينامُ إلا وكتابُ الأمير لميكافيلي تحت وسادتهِ ، أهمُّ الكتب المقدسة عند الطغاة شرعَنَ فيهِ ميكافيلي مبدأ الغاية تبررُ الوسيلة منذ القرن السادس عشر و حتى الساعة، يُقالُ أيضاً أنَّ صداماً كان لا ينامُ إلا وكتابُ سيرة حياة ستالين تحتَ وسادتهِ ، كلُّ الطغاة بحاجةٍ دائماً لكتبٍ على شاكلة :كيف تُصبحُ قاتلا في ست ساعات ؟

الصراعُ باقٍ والأيامُ دول ..وبمنظور القبْليةِ والبَعْديةِ :الأمسُ هو اليوم قياساً للغد والغدُ هو اليوم قياساً للأمس! ،ماضينا هو حاضرنا لو جلسنا نستذكرهُ في المستقبل ،والمستقبلُ هو ذاتُ حاضرنا لو جلسنا نتوقعهُ في ماضينا ! و(العالمُ يدور .. يتغير ،شيءٌ واحدٌ لا يتغير طوال السنوات،ذلك هو النضال الأبدي بين الخيرِ والشر) هذا الثابت الوحيد الذي يستثنيهِ ت أس اليوت من هذا الدوران  العجيب.لكن أسمعتم بشعوبٍ تتذكرُ مستقبلها !ترويه كحدث مضى و كان؟أجل في الصورة أيضاً شعوبٌ تُعيدُ كتابة شرق أوسط جديد بخط أيديها كما تتمنى وتريد ،في ذاتِ الصورةِ أيضاً طغاة يتجلى ضَعفهم في قوتهِم !تماماً كوصف البطل أوديب لا يتورعون عن انتعالِ تاريخهم سبيلا لبقاءٍ أطول وانْ كانَ بقاءَ ذلٍ ليس مهماً لو انقلبتْ ظهور المِجنِ بحَملها بعد رحيلهم.

صالح و القذافي بعينينِ مُحْوَلَتين ينظرُ كلٌّ منهما بعينٍ الى ساحةِ معركتهِ وبعينٍ أخرى الى ساحةِ معركة صاحبهِ فسقوط أي منهما يعني تمام سقوط الآخر لتكتملَ الصورة ،كم ممتع هذا الرحيل!تأملوا صفاتِ أسمائهم مسبوقة بالرحيل ! رحيل(زين) و(مبارك) و(صالح) ولا يشذ قليلا إلا إسفينهم الأقدم رحيل( معمر)! ودعواتٌ بمزيدٍ من الراحلين تلهَجُ بها شفاهٌ أثلجتها رطوبة الانتظار المستباح سلفاً بالنشوة والفزع معاً.

في مقالةٍ سابقة وعدتُ أن أبينَ أنَّ الأبالسة ليسوا مجانين ،لا مجال للأغبياء في عالم السياسةِ الماكر و حتى يُسْرَ أنْ يكونَ المرءُ عاقلا بعد فواتِ الأوان تبدو عصية بل مستحيلة على الطغاة ، لا يوهمنكم ما ترونمن قادةٍ مُهرّجين و أراجوزاتٍ مضحكين فهي صورٌ مُضللة لا تختبئ ورائها الا  زمرُ شياطين ، إذا أسقطتَ أقنعتهم (وقد أُسقطتْ )إذا جَردتَهم من بزّاتهم الاستعراضية ،من نياشينهم الوهمية ،إذا كشفتَ عورتهم (وقد كُشفتْ) ستكتشف ألفَ مفتاحٍ ومفتاح ..للفقر والجهل والظلم والفتن وال..

ابتداء من (أنا أفهم) و(أنا أتفهم)الراحلتين فهِمَ (مُعمرُ ليبيا) جيداً وأفهمَ العالم أنهُ لا يفهم :( أنا لا أفهم ماذا أصابكم ،نفحة من الحسدِ وصابتكم ! ) استلمَ من سابقيهِ المخلوعين أطواقَ نجاةٍ مُفترضة وأتقن فن إعادة وإنتاج الحدثِ لصالحه حتى حين فمررَ منذ الساعاتِ الأولى شفرة الموت خارج امتدادها القبلي نحو آكلي لحوم البشر خارج الحدود: دقتْ ساعة العمل دقتْ ساعة الزحف دقتْ ساعة الانتصار لا تراجع إلى أمام ثورة ثورة

فهِمَ أن أيَّ تنازلٍ سيرفعُ من سقفِ مطالب لن تنتهي إلا بإسقاطه ،استدراجُ القرار الأممي لضربِ بلادهِ ،هذا الخيار الكارثي لشعبهِ بحدِّ ذاتهِ كان مطلباً ابليسياً لزعيمٍ يُتقن قراءة أوراقه الأخيرة بمكرٍ ودهاء كسباً للوقت لا أكثر ،هو يدركُ أنَّ نهايتهُ واحدة فلِمَ لا يتحول إلى شهيدٍ أو بطلٍ قومي؟ و ستمررُ شفراتهُ تِباعاً لِمَنْ خلفه كخارطةِ طريقٍ لا غنى عنها .وحتى (صالحُ اليمن) مستفيداً من ذاتِ الانسكلوبيديا تدرجتْ مواقفهُ من الصدمةِ إلى امتصاصها بالقمع ومزيدٍ من الدماء، ومن كذبة الحرصِ على نقلِ سلطاتهِ إلى أيادٍ أمينة إلى الإصرار على ولايتهِ حتى انتهائها في 2013حينما اكتشفَ أخيراً (وسط مواقف أمريكية ودولية باردة بالقياسِ الى نظيرهِ القذافي) قوة موهومة فصرخ في المتظاهرين بدمٍ بارد: فاتكم القطار، فاتكم القطار!

  ابتداءً من المفتتح التونسي وانتهاءً بما لن ينتهي ستبقى ولادة ترنيمة (الشعب يريد إسقاط النظام) لغزاً غامضا إلى الأبد،تلك التعويذة العجيبة التي سُجلتْ براءة اختراعها باسم شباب الياسمين قبلَ أن تُصبحَ نشيداً ترددهُ الشعوب المضطهدة ،تعويذة ربطتنا طويلا إلى شاشاتِ التلفزةِ حتى خشينا (من فرط الأمل) أنْ نغادرَهُ لئلا يفوتنا مشهد سقوط نظام ما خلال الفواصل الإعلانية !

يبدو أن الأرضدارتْدورتها وكرّتْ مِسبحة الحكامِ ولن تستثني منهم أحداً في مخاضٍ عسيرٍ بدأتْ فيهِ الشعوبُ تخلعُ عنها جلوداً متهرئة من طولِ ما لَصِقتْ بها، مخاضٌ سيفضي حتماً إلى قدَرٍ كوني أكبر تلوحُ بوادرهُ في الأفق القريب .  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق