]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

يا بني لا تقصص رؤياك

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-24 ، الوقت: 22:51:55
  • تقييم المقالة:

يا بنيَّ لا تقصص رؤياك

 

محمد الحداد

(1)

 

سأقصص رؤيايَّ عليكم

هذا سرٌ من الأسرار لن أفشيه.. ظلَّ حبيسَ الصدر لعشرين عاماً لم أبح به من قبل إلا لصديقٍ أوحد بقدر ما يشرب الخيط من البحر ..حقيقة لا تمنعنكم غرابتها من التصديق بها؟ .. رحلة عجيبة .. سياحة ليلية تتكرر معي بين فترة وأخرى في سنحةٍ ضيقةٍ بين النوم واليقظة ،حينما تغور الأصوات و يدخل الليل بيني وبين أغطيتي.. تثقلُ عينايَّ وتنطفئ الأرض كلها من حولي ،تنامُ أشياءٌ وتصحو أشياء وقبلَ أن أغوصَ في ظلمة نومي بقليل ينهضُ فيَّ شيء ما ،يولدُ هكذا مبتدءاً دوامته ببطء من أخمص قدميَّ صعوداً إلى رأسي إذا عبرَ ساقي ماتتْ القدم وإذا عبرَ فخذي ماتتْ الساق وإذا نهضتُ عادَ من حيث بدأ، هكذا أظل أصارع سطوته كل ليلة حتى يسلمني التعب أخيراً إليه فإذا وصلَ صدري انتهى حينها كل شيء لتبدأ مراسيم الرحلة : أصعدُ إلى السماء يطوقني ضبابٌ كالهلام يحيلني إلى شيء بلا وزن لستُ نائماً تماماً لأني أعي ما بغرفتي ولستُ يقظاً تماماً لأني أعي ما يحدثُ فوق في وقتٍ واحد !رؤيا ما هي برؤيا ولا حتى أضغاث أحلام ، تطوى المسافات الشاسعة أمامي بسرعة متناهية تارة و ببطء تارة أخرى تختارني الأماكن دون إرادة مني، أحياناً أدخل مواقع لا يمكن أن تصل إليها الأقدام أجتاز مدناً و شوارع ومساكن أعرف بعضها وأجهل منها الكثير أجيبُ حينما أُسأل ولا يحق لي أن أسأل أي شيء !  صورٌ تأتي بكثافة متناهية دفعة واحدة دون زمن يذكر وبلا تداخل يُربك الرؤية عني فأعيها جميعاً، أحياناً أشعرُ أنها تنحني دون أن تغيبْ لتفسحَ المجال لصورٍ أخرى و أحياناً كأنها تتجمد أو تتهيكل لتسمحَ بمرور صور أخرى أولى بالمشاهدة قبل أن تستأنف مرورها أمامي..شيءٌ لا يمكن مقارنته الا وصفكَ صوراً ثلاثية الأبعاد لأعمى من العصور الوسطى ..أحياناً ترجعني إلى لحظات الخطو الأولى من  ماضي طفولة بعيدة ولذة الاكتشاف الأول أو تأخذني إلى جمال الصبا و الافتتان بمحض لحظةٍ مارقة و أحياناً توثقني بأحداثٍ آنية في أماكن مختلفة لا يُفسد لذتها إلا مواربة الأبواب والحيطان أحياناً أمام حرمة ما ورائها، لم أكن أجرأ أبداً أن أبوحَ بأي شيء وأذكر كيف كانت حُمى مسابقات (اللوتو والتوتو) في توقع نتائج مباريات الكرة تشغل الكثيرين زمن الحصار بجوائز تصل لمبالغ مغرية، كنت أقرأ النتائج كلها من فوق دون أدنى خطأ لكني كنت أكتم الأمر حتى عن صديقي الأوحد خوفاً من العواقب فبعد نهاية كل رحلة يؤخذ مني عهد الا أُحدِّث أحداً بما رأيتُ أو سمعتُ فأقول: سمعتُ وأطعتُ ، الفارق شاسع و لكلِّ زمنٍ رؤيا.. يابنيَّ لا تقصُص رؤياك ! 

 (2)

 

مرتْ سنوات تآلفتُ فيها مع وضعٍ أصبح جزءً من تفاصيل حياتي لكني فكرتُ فيما بعد..إذا اقتضتْ حكمة الله ليوسف النبي بإخفاء رؤيا واحدة متكررة لدفع غوائل حسد إخوته من وهج أنوار نبوة موعودة ليقضي الله أمرا كان مفعولا فما وجه الحكمة في إخفاء رؤياي؟ مَنْ المعني بالمنع ؟  لمَ لا أصنع رؤياي بنفسي؟ طالما استثمر يوسف رؤياه الوحيدة ورؤى غيره في دعوته فلِمَ لا أفعل؟ جسارة قراري حولتْ جزء من خسارتي إلى ربح،و بعد محاولات وتمارين لن أخلعَ عنها مهما أسهبتُ وشاحَ الغرابة ركبتُ أخيراً أول مغامرة حرة قدتها بنفسي منفكاً من أسر سياحة ليلية  أقادُ فيها رغماً عني ؟

 خرجتُ مني لأوغلَ فيَّ أكثر، تركتُ أخيراً خوفي وصمت جدران غرفتي وبرد سريري طائراً صوب فناء حوراء فردوسية غائبة حاضرة تورطتُ بعشقها قبل أن أراها.... قاصرة الطرفِ مقصورة في خيمتها العالية أدخل خدرها كل ليلة إن شاءتْ أو أبقى على بابِ خيمتها أنتظر حتى تشاء لعلها ستفهم معنى أن أراها في رؤيايَ أكثر من يقظتي أو تدرك كيف أكون خلفها كلما نظرتْ أمامها وأمامها كلما التفتتْ ورائها لعلها ستدرك ذلك بعد الأوان. 

جنونٌ يقودُ إلى جنونٍ آخر ،مغامرة أخرى دفعتني إليها كلمات جميلة كنت أرددها أحياناً أثناء تلك الرحلات الليلية لا يمكن لي أن أصوغها في يقظتي ، قلت لنفسي لأجربَ اقتناصها طالما تطامن وعيي ولا وعيي في منطقة البين بين هذه  بشكلٍ لا يدفع أحدهما خارج دائرة الآخر لكن كيف يتسنى لي بطقسٍ غائم كهذا أن أقطفَ غلة من كلماتٍ غير مضمونة الحصاد مخبؤة في سماءٍ افتراضية ٍمغيبة ؟ محاولة تطلبتْ مني انتقاء قلم مُعطر بعطر أثير أفرغتُ بعضاً منه فوق ورقة كبيرة بحجم ما يُصب فوق بياضها من جنونٍ وافر يملأ رأسي وواصلتُ شمهُ قبل أن يجف لأنتزعَ وعيي مما يخالطه ارتديتُ بكفي الأيمن قفازاً أحدثتُ فيه ثقباً أدخلتُ قلمي من خلاله وثبتّه بقطعة لاستيكية كي لا يقع مني أثناء الكتابة واضطجعتُ منكباً على الورقة انتظرُ بدء الرحلة ،حسناً هي ظلفة ضيقة إذن أطلُّ من خلالها على فسحةٍ من جنون علها تتسعُ لرؤيا حقٍ أصنعها بنفسي بدلَ أن تُملى علي لأقصها بعدُ على من أشاء دونما خوفٍ من رقيب ،ابتدأ بعد ذلك النزيف ..داهمتني أسرابٌ من الصور والكلمات والأصوات تزاحمتْ معاً في وقتٍ واحدٍ لكني غالبتها جميعاً لصالح الكلمات ساعدتني بالكاد رائحة الحبر في التشبث بيقظتي لاحقتُها بأصابع مرتجفة وسجلتها فوق الورقة بخطوط مرتبكة متشابكة وأنا أتساءل حتى اليوم بذهول كيف انساقتْ أصابعي لتفاصيل هذا الجنون؟ ؟! و من أين انهمرتْ كل تلك الكلمات ؟!

صباحاً حينما انقشع ضبابُ الليلِ عانيتُ كثيراً من فك شفرة ما حصدتهُ أصابعي من جثث كلماتي المسفوحة فوق بعضها بلا اتساق على بياض الورقة المعطر،نجحتْ الفكرة إذن فهذهِ كلماتي الأثيرة صنعتها أخيراً ولو في منامي رغم اعترافي أنَّ تجربة كهذهِ لم أكررها إلا لمرات تعدُّ على الأصابع لكن ثمة رغبة جامحة تغريني للاستمرار بذلك طالما خرجتُ منها بجنونٍ مُثمر وسأعترفُ أنَّ جرأة السؤال دفعتني لولوج غمار هذه التجربة لأول مرة أعزلا من تجارب مماثلة ربما حدثتْ لغيري قبلَ أن أقرأ عن طقوس غريبة في استثمار بعض قدرات العقل الباطن في الكتابةِ أثناء النوم ! هاأنذا دون أن أفشي سراً قصصت رؤياي عليكم .   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2011-11-25
    لك حرف يحلق بنا حيث نلك الاكوان الخاصة.
    اكوان لها فضاء اخص لا يشمل اي امرء لا يدركه فقط من يعلم كنهه.
    ابداع تلك الرؤيا فلها وجيب وامر اخر توقفت ولم ادرك ما يليق به.
    بحق حرف باهر يمد ولا يتوقف هند حد.
    سلمتم من كل سوء.
    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق