]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نضرة وبيان

بواسطة: مجحود شمسان  |  بتاريخ: 2014-05-07 ، الوقت: 20:09:05
  • تقييم المقالة:


وإما أن يقولوا بالقول الثاني ويتأولوا الحديث ـ ولا يسعهم إلا ذلك ـ فيلزمهم الخروج عن قاعدتهم، وهي أنهم لا يؤولون ، والاعتراف بأن القول بعدم التأويل والبقاء على الظاهر إنما يقولونه تعصباً لعقائدهم التي وضعها أسلافهم وإن كانت على خلاف الحق .
 وكذلك رُويَ في حديث أن موسى ـ عليه السلام ـ قال : (( يا رب أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد فأناديك ؟  قال : يا موسى أنا جليس من ذكرني )) (1)
فظاهر هذا الحديث أن الله ليس فوق العرش وإنما هو جليس من ذكره .
وفي حديث آخر:  ((  يا رب أين أجدك ؟ قال : تجدني في قلب كل ذاكر ))(2).
 فظاهر الحديث أن الله ليس على العرش بل في قلب كل ذاكر.
وفي حديث آخر : (( أقرب ما تكون المرأة من ربها وهي في قعر بيتها )) (3). فلو كان سبحانه على العرش كما يزعمون لقال أقرب ما تكون المرأة من ربها وهي على سطح بيتها ولم يقل :في قعر بيتها لأن السطح أقرب إلى السماء والعرش المزعوم من قعر البيت .
وفي حديث آخر : (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) فلو كان على العرش كما يزعمون لكان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو قائم وليس وهو ساجد ؛ فإن القائم أقرب إلى السماء والعرش المزعوم من الساجد .
وفي حديث عن عبادة ابن الصامت عنه (ص ) أنه قال : (( إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله عز وجل معه حيث كان )) .  [ البيهقي في الأسماء والصفات ص:398 ]
 فإذا كان الله مع المرء حيثما كان فكيف تقول الحشوية أنه فوق السماء والأوعال على العرش ؟!! .  
وحديث مسلم (4/ 16 ) : (( اللهمَّ أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء  ))
 قال الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات (ص:400 ): استدل بعض أصحابنا بهذا الحديث على نفي المكان عن الله تعالى فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه ـ أي تحته ـ شيء لم يكن في مكان )) [ هامش دفع شبه التشبيه ص: 124] .
إذاً فهل نحمل الآيات كلها والأحاديث على ظاهرها ؟!!، أم لا بد من التأويل ؛
فإن قلنا : نحمل الآيات على ظاهرها وقع التعارض والتناقض في القرآن الكريم ، وهو لا يجوز لأن الله تعالى قال : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)} [النساء].
إذاً لم يبق إلا القول بالتأويل ليسلم القرآن من التناقض والاختلاف ، وهو الذي يقول به أهل البيت ويعملون به في القرآن والصحيح من السنة .
وفي الحقيقة أن أهل السنة يتأولون أيضاً كما سنبين بعدُ ، وأن دعواهم عدم التأويل غير صحيحة .

[التأويل الصحيح لهذه الآيات عند أهل البيت (ع)]
فأهل البيت ـ عليهم السلام ـ يؤولون الآيات المتشابهة كلها على ما يوافق المحكم من القرآن وعلى ما يوافق تنـزيه الله سبحانه وتعالى عن المكان والزمان ، وعن الشبه بالمخلوقين في معنى من المعاني ، أو صفة من الصفات .
فقول الله سبحانه وتعالى : {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]،
فلا بد أولاً من معرفة معنى كلمة استوى في لغة العرب ، وكذا معنى العرش ، والبحث عن معانيهما في القواميس العربية .
وبعد البحث تبين أن (استوى) تطلق على معانٍ :
 منها : استوى بمعنى اكتمل وتم ، كما قال الله تعالى : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص:14]، أي استقام وتم ، وكما قال : {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح:29]، أي اشتد على سوقه واكتمل .
ومنها : استوى بمعنى استقر على الشيء كما قال الله تعالى في نوح : {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(28)} [المؤمنون]، أي إذا استقررت على الفلك .
      وجاء استوى أيضاً بمعنى استولى على الشيء كما قال الشاعر :
               قد استوى بشر على العراق   من غير سيفٍ أو دم مهراق
             أي استولى عليه وأصبح تحت سيطرته .
 وقال آخر :
 إذا ما غزى  قوماً  أباح حريمهم    وأضحى على ما ملكوه قد استوى
وقال الآخر :
إذا مـا علونا و استـوينا عليهم      جعلنا هم مرعى لنسر وطائر
؛ فهذه معاني الاستواء في اللغة العربية .
  كما أن العرش يطلق على معانٍ ؛
 منها : العرش بمعنى الكرسي كما قال تعالى حاكياً عن سليمان : {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ} [النمل:39]، فالعرش هنا بمعنى الكرسي الذي يُجلس فوقه ، ويسمى عرش المملكة .
ومن معانيه أيضاً الملك والنفوذ والسيطرة ، مثل أن تقول : امتد عرش بني فلان إلى منطقة كذا ومنطقة كذا ، تعني امتد ملكهم وسيطرتهم على هذه المناطق كلها ، وكما قال الشاعر العربي :
رأوا عرشي تثلم جانباه      فلما أن تثلم أفردوني
  يقول : لما رأوا ملكه سقط وانهار أسلموه وتركوه وحيداً.
وقال آخر :
إن يقتلوك فقد ثَلَلْتَ عروشهم       بعتيبة بن الحارث بن شهاب
  لا يريد الشاعر أنه حطّم كراسيهم ، وإنما يريد أنه هَدَّ ملكهم وأباد سلطتهم ودولتهم  بعتيبة ابن الحارث .
فهذه معانٍ معروفة للعرش في لغة العرب .
ولا زلنا نستعمل هذا المعنى في كلامنا ويستعمله جميع الناس ؛ فيقولون : استوى الملك فلان على عرش مملكته في سنة كذا وكذا ، ولا نريد بذلك أنه جلس على الكرسي المعروف أو أنه مَلِكه ، وإنما المعنى استولى على الملك كله ؛ فالعرش هنا بمعنى الملك.
إذاً :فلا يجوز أن نفسر قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]، بمعنى استقر على كرسي ؛ لأنه يلزم من ذلك مخالفة بقية الآيات التي أخبرت : أن الله في السماء والأرض ، ومَعَنَا أينما كنا ، وأنه ليس كمثله شيء .
وأيضاً إذا قلنا : إن الله جالس ومستقر على كرسي وسرير ـ كما قالوا ـ  كان الكرسي والعرش أكبر من الله ، فلم يبق (الله أكبر) بل العرش والكرسي أكبر ؛ لأن المعروف أنه لا يصح أن يكون الجالس فوق كرسي أو سرير إلا ويكون الحامل أكبر من المحمول والظرف أكبر من المظروف .
فامتنع أن يكون الاستواء بمعنى الاستقرار والعرش بمعنى الكرسي أو السرير من جهة العقل ، ومن جهة القرآن والآيات التي تخالف ظاهر هذه الآية .
فما بقي إلا أن نحمل الاستواء على معنى الاستيلاء (1)، والعرش بمعنى الملك ، فيكون معنى الآية : أن الله سبحانه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعني استولى على الملك، أي استولى على السماوات والأرض وما فيها وسيطر عليها ؛ لأنها ملكه تعالى ، فلا يخرج شيء عن إرادته وقدرته (1)،  إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق       من غير سيفٍ  او دم مهراق
إذاً هذا المعنى الذي ذكرناه للآية معنى عربي جاءت به اللغة العربية ، وباستعمالنا إياه سَلِمنا من التناقض بين الآيات وبَقِيْنا على تنـزيه الله تعالى ، و أنه لا يكون في مكان ولا يحويه مكان.   
ويمكن أن نحمل العرش على حقيقته والاستواء على الاستيلاء ، من دون أن ندخل في تشبيه أو تجسيم فنقول : إنه يمكن أن يكون العرش على حقيقته وهو مخلوق عظيم ، ولكن لا على أن الله استقر عليه بل على أن الله خلق مخلوقاً كبيراً عظيماً وسع السموات والأرض فهو أعظم منها وأكبر .
وعبر الله عن استيلائه عليه بالاستواء عليه، وخصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات وأكبرها (1)،
 وأما تسميته عرش الله فليس لحلوله فيه واستقراره عليه، وإنما مثلُ ذلك كمثل قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ((من أسبغ وضوءه ثم مشى إلى بيت من بيوت الله …إلخ)). فسمى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المساجد بيوتاً لله ، والمسجد الحرام يسمى بيت الله ؛ تمييزاً لها وتشريفاً على سائر البقاع ؛ بأن نسبها الله وأضافها إليه ؛ لأن الله جعلها محل عبادته وذكره ، وليس على معنى أن الله حالٌّ فيها تعالى الله عن ذلك ، كما نسب ناقة صالح إليه فقال :{ناقة الله وسقياها} [الشمس13] ولم يرد بذلك انه يركبها أو يستقر عليها ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
فيمكن أن يكون المراد بعرش الرحمن : عرشاً أي مخلوقاً عظيماً ، خلقه الله ليكون قبلة ومطافاً للملائكة ـ عليهم السلام ـ يطوفون به ويتوجهون في عبادتهم إليه ـ كما جعل الله الكعبة قبلة للإنس ـ من دون أن يكون الله مستقراً عليه  تعالى الله عن ذلك  .
وتعيين أحد هذين المعنيين المذكورين للعرش أوغيرهما يُرجَع فيه إلى القرائن من سياق ونحوه بحسب كل آية، فمثلاً الأرجح في آية { ثم استوى على العرش } أن المراد به الملك ، بينما الأرجح في آية { الذين يحملون العرش ومن حوله } وآية {وترا الملائكة حافين من حول العرش }أن المراد به المعنى الحقيقي  .
 فالواجب إذاً أن نحمل العرش وما أشبهه من الألفاظ على معنىً يصح في اللغة ، ويكون القرآن معه سليماً من التناقض والاختلاف(1) .
 [معنى ويحمل عرش ربك فوقهم ..إلخ]
وعلى ما تقدم من المعاني للعرش يُفسَّر قوله تعالى : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)} [الحاقة].
فيحتمل أن يكون عرشاً حقيقياً يحمله الملائكة ، ولكن لا على معنى أن الله سبحانه فوق ذلك العرش وأنه محمول للملائكة ، تعالى عن ذلك .
ويحتمل أن يكون المعنى : ويتحمَّل ملك الله سبحانه وتعالى وأمره ثمانية من الملائكة كما يقال مثلاً : يحمل عرش مملكة كذا ويتحمله ثلاثة أشخاص : الملك  ، ونائبه الأول، ونائبه الثاني ؛ يعني أنهم يقومون بالأعمال وترجع إليهم الأمور في إدارة المملكة .
وعلى هذا المعنى يمكن حمل قوله تعالى : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)} [الحاقة]، فهو معنى جائز في لغة العرب فيكون التحمُّل مجازاً كما أخبر الله سبحانه عن الظالمين وتَحمُّلِهم أوزارهم في قوله تعالى : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} [النحل:25]، فليس المعنى أنهم يحملون أوزارهم ويرفعونها فوق ظهورهم حقيقة، بل المعنى أنهم يتحملونها ويكونون مسؤولين عنها .
فكذلك قول الله تعالى : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)} أي يتحمل ملك الله وأمره وتنفيذ ما أراد من الحساب والعقاب ثمانية ـ افراد ، اوالاف ، اواصناف ـ من الملائكة .
[معنى وكان عرشه على الماء]
ومما استدل به المتسمون بأهل السنة على مسألة العرش قوله تعالى : {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود:7] .
 فقالوا : إنه لا يمكن تفسير هذه الآية إلا بمعنى العرش الحقيقي ، ولا يمكن تفسيرها بالملك.
نقول : بل يمكن تفسير العرش هنا بمعنى الملك ولا مانع منه ، وذلك على معنى أن أول الأشياء في الخلق الماء (1)إذاً فمعنى : {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} أي كان ملكه وسيطرته على الماء ؛ لأنه لم يكن هناك شيء غير الماء ، فلم يكن قد خلق الله أرضاً ولا سماءً ولا حيواناً ولا جماداً ولا جنّاً ولا ملائكة ، وإنما كانت مملكته هي الماء .
كما يقال مثلاً : كان عرش بني فلان على منطقة كذا ثم امتد إلى غيرها من المناطق ، أي كان الملك والسيطرة في البداية على تلك المنطقة فقط .
 [من معاني العرش أيضاً]
ومن الآيات التي يستدل بها المشبهة على إثبات المكان لله عز وجل قول الله تعالى : {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر:75]، وقال : {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [غافر:7].
وقد قلنا سابقاً إننا يجب أن نحمل كل آية على المعنى الذي يناسبها من المعاني التي ورد بها كلام العرب .
فظاهر الآيتين السابقتين أن هنالك عرشاً ، ولكن على الظاهر نفسه ليس فيه ما يفيد أن الله فوق العرش ، أو أن الملائكة يحملونه تعالى ، أو أنهم حافون به فلا دليل لهم في هاتين الآيتين على إثبات المكان لله عز و جل.
 وقد قال بعض العدلية في معنى الآية : إنه يجوز الحمل لها على ظاهرها ، وأن العرش في هذه الآية عرشٌ محسوس جعله الله قبلة للملائكة يطوفون ، حوله كما جعل الكعبة قبلة للإنس .
وليس في هذا إشكال لأنهم لا يقولون إن الله على هذا العرش المحسوس ، وإنما يقال فيه : عرش الله تعالى ؛ لأن الله خلقه ونسبه إليه تعظيماً له ، وليس في ذلك أي تشبيه ، كما أنه يقال للكعبة مثلاً : بيت الله الحرام، والحجاج طائفون حوله فلا يلزم من قولنا : بيت الله ، أن الله تعالى حال فيه ـ تعالى الله عن ذلك ـ وهذا معنى معروف لا يُنكر .
وأما بعض الأئمة : فيحمل الآية على المجاز وأن الله عبر عن تعظيم الملائكة ـ صلوات الله عليهم ـ له أبلغ تعظيم بقوله تعالى: {حافين} حيث كان المخاطبون لا يعرفون التعظيم البالغ إلا للملوك عند الحفوف بها وهي على أسرتها ، فعبر الله عن تعظيم الملائكة له بذلك.
 [معنى (ثم) في قوله : { ثم استوى }]
ويرد سؤال على معنى (ثم) في قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]،(1)
 فيقال : هل معنى (ثم) التعقيب ، وهو أن الله لم يكن مستولياً على العرش ثم استولى عليه ؟
نقول : نعم إن ثم للتعقيب ، ولكن لا على معنى أنه لم يكن مستولياً ثم استولى ؛ بل على معنى أن الله لم يكن قد خلق العرش ، ثم بعد خلقه إياه استولى عليه ؛ لأنه لا يكون الاستيلاء إلا على شيء موجود ، ولا يمكن الاستيلاء على شيء غير موجود ؛ لأن الاستيلاء على المعدوم محال عقلاً .
فالمعنى أن الله بعد أن خلق العرش استولى عليه ، ومعنى استولى عليه ، أنه تعالى أجرى ملكه على حسب إرادته ومشيئته ، لا يخرج شيء منه  عن  سيطرته وتصرفه .  
 [تفسير سدرة المنتهى]
ومما يُشْكل أيضاً على بعض الناس ويُتَوهم منه أن لله مكانا ًـ ما ورد في حديث المعراج أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عرج به إلى السماء حتى وصل إلى سدرة المنتهى .
وما قيل : إن لله حجباً تحجب عباده عنه .
فنقول : إن سدرة المنتهى هو مكان في السماء وهو أعلى منطقة في السماء تصل إليها المخلوقات ولا يستطيعون تجاوزها والخروج عن نطاق السماوات والأرض كما قال الله تعالى : {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُوْنَ إِلَّا بِسُلْطَان} [الرحمن:33].
أي لا يستطيع أحد من الجن والإنس الخروج من أقطار السماوات والأرض إلا بسلطان وقوة وإذن من الله عز وجل .
 وما يقوم به علماء الفضاء من غزوٍ للفضاء ، ما هو في الحقيقة إلا تجول في حدود بسيطة من الفضاء ، وانتقال من كوكب إلى كوكب ، وقد ذكروا أن مراصدهم لا زالت ترصد كواكبَ  ونجوماً بعيدة يُقَدِّرون الوصول إليها بآلاف وملايين السنين الضوئية ؛ فهم لا يستطيعون الوصول إليها ولا حتى مئات الأجيال بعدهم ، وما زال ذلك كله في حدود أقطار السماوات ؛ فكيف بالخروج من أقطار السموات والأرض؛ فسبحان الله العظيم .
إذاً فسدرة المنتهى منطقة في أعلى السماء شرَّف الله تعالى نبيه بالوصول إليها ؛ لأنها مكان عظيم وشريف لا يصل إليها إلا من شَرُف عند الله تعالى وعَلَت درجته .
 
[تفسير الحُجْب]
وأما معنى الحجب التي قد تطلق في حقه تعالى ، فليس على معنى الحجب الحقيقية ، وهي أنها أجسام تحجب عباده عنه ؛ لأنه لو قلنا بذلك لكانت الحجب التي تحجب الله أكبر وأعظم من الله .
كما هو معروف أن الشيء لا يحجبه ويغطيه إلا حجاب أكبر منه وأعظم ، وأن المحجوب أصغر من الحجاب ، والله لا تجوز عليه الحجب الحقيقية المجسَّمة .
فالمعنى أن الله سبحانه وتعالى بصفاته وعظمته وجلالته محجوب عن عقولنا فلا تستطيع عقولنا تصوره ولا الوصول إلى كنهه تعالى .
فالحجب التي بيننا وبين الله هي حجب عقلية وموانع عن تصور الله تعالى أو معرفته بأكثر مما عرَّفنا ودلنا عليه بمخلوقاته ومحكم كتابه ، وهي حجب الجلال والعظمة ،وليس هناك حجاب محسوس .
ومما يؤيد ويؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى : {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)} [ق]،
فيا أيها الدعاة إلى العمل بالظواهر إذا كان الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد فكيف يمكن أن يكون بينه وبين الانسان حجاب حسي  ـ تعالى الله عن ذلك ـ .
فليست الحجب المذكورة إلا حجباً عقلية ومعنوية ، وإلا فستكون متناقضةً مع الآية إذا حملناها على الحجب الحسية ؛ فإن الآية تفيد بظاهرها أن الله لا حُجُبَ بينه وبين عبده محسوسة، بل هو أقرب إليه من عرق الوريد الملتصق بجسمه .
ومما يزيد هذا المعنى للحجاب تأكيداً قوله تعالى : {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا(45)} [الإسراء]، فقال الله : حجاباً مستوراً .
فهل معنى ذلك أن الله تعالى كان يجعل بين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين المشركين ستارة لا يرونه من خلالها ؟!. كلا
بل المعنى اللائق أن الحجاب هنا هو عدم انتفاعهم وقبولهم وتقبلهم للقرآن ، فالحجاب هنا حجاب قلبي وليس حجاباً بصرياً.
وكذلك قول الله سبحانه حاكياً عن الكافرين : {وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت:5]، فالمعنى أن بيننا وبينك مانع لا نستطيع معه أن نَتَّبعك ولا أن نستجيب لكلامك .
فالحجاب الذي بيننا وبين الله هو حجاب معنوي ، وهو أننا لا نستطيع أن نتصوره ونتخيله ونعرف كُنْهَه ؛ لأنه متعالٍ عن الهيئة والكيفية والصورة ؛ لأنها من صفات الأجسام .
ومن ادعى أن هناك حجاباً محسوساً بيننا وبين الله تعالى ، فعليه أولاً أن يخبرنا ويعرفنا بالحجاب الذي كان يحصل بين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين المشركين .
وأيضاً: فإنه لا يمكن البقاء على القول بالحجاب المحسوس إلا مع التزام أن الله جسم ، والالتزام بذلك جهل بالله وتشبيه له بخلقه الضعيف تعالى عن ذلك الخبير اللطيف   .



وإما أن يقولوا بالقول الثاني ويتأولوا الحديث ـ ولا يسعهم إلا ذلك ـ فيلزمهم الخروج عن قاعدتهم، وهي أنهم لا يؤولون ، والاعتراف بأن القول بعدم التأويل والبقاء على الظاهر إنما يقولونه تعصباً لعقائدهم التي وضعها أسلافهم وإن كانت على خلاف الحق .
 وكذلك رُويَ في حديث أن موسى ـ عليه السلام ـ قال : (( يا رب أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد فأناديك ؟  قال : يا موسى أنا جليس من ذكرني )) (1)
فظاهر هذا الحديث أن الله ليس فوق العرش وإنما هو جليس من ذكره .
وفي حديث آخر:  ((  يا رب أين أجدك ؟ قال : تجدني في قلب كل ذاكر ))(2).
 فظاهر الحديث أن الله ليس على العرش بل في قلب كل ذاكر.
وفي حديث آخر : (( أقرب ما تكون المرأة من ربها وهي في قعر بيتها )) (3). فلو كان سبحانه على العرش كما يزعمون لقال أقرب ما تكون المرأة من ربها وهي على سطح بيتها ولم يقل :في قعر بيتها لأن السطح أقرب إلى السماء والعرش المزعوم من قعر البيت .
وفي حديث آخر : (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) فلو كان على العرش كما يزعمون لكان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو قائم وليس وهو ساجد ؛ فإن القائم أقرب إلى السماء والعرش المزعوم من الساجد .
وفي حديث عن عبادة ابن الصامت عنه (ص ) أنه قال : (( إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله عز وجل معه حيث كان )) .  [ البيهقي في الأسماء والصفات ص:398 ]
 فإذا كان الله مع المرء حيثما كان فكيف تقول الحشوية أنه فوق السماء والأوعال على العرش ؟!! .  
وحديث مسلم (4/ 16 ) : (( اللهمَّ أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء  ))
 قال الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات (ص:400 ): استدل بعض أصحابنا بهذا الحديث على نفي المكان عن الله تعالى فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه ـ أي تحته ـ شيء لم يكن في مكان )) [ هامش دفع شبه التشبيه ص: 124] .
إذاً فهل نحمل الآيات كلها والأحاديث على ظاهرها ؟!!، أم لا بد من التأويل ؛
فإن قلنا : نحمل الآيات على ظاهرها وقع التعارض والتناقض في القرآن الكريم ، وهو لا يجوز لأن الله تعالى قال : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)} [النساء].
إذاً لم يبق إلا القول بالتأويل ليسلم القرآن من التناقض والاختلاف ، وهو الذي يقول به أهل البيت ويعملون به في القرآن والصحيح من السنة .
وفي الحقيقة أن أهل السنة يتأولون أيضاً كما سنبين بعدُ ، وأن دعواهم عدم التأويل غير صحيحة .

[التأويل الصحيح لهذه الآيات عند أهل البيت (ع)]
فأهل البيت ـ عليهم السلام ـ يؤولون الآيات المتشابهة كلها على ما يوافق المحكم من القرآن وعلى ما يوافق تنـزيه الله سبحانه وتعالى عن المكان والزمان ، وعن الشبه بالمخلوقين في معنى من المعاني ، أو صفة من الصفات .
فقول الله سبحانه وتعالى : {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]،
فلا بد أولاً من معرفة معنى كلمة استوى في لغة العرب ، وكذا معنى العرش ، والبحث عن معانيهما في القواميس العربية .
وبعد البحث تبين أن (استوى) تطلق على معانٍ :
 منها : استوى بمعنى اكتمل وتم ، كما قال الله تعالى : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص:14]، أي استقام وتم ، وكما قال : {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح:29]، أي اشتد على سوقه واكتمل .
ومنها : استوى بمعنى استقر على الشيء كما قال الله تعالى في نوح : {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(28)} [المؤمنون]، أي إذا استقررت على الفلك .
      وجاء استوى أيضاً بمعنى استولى على الشيء كما قال الشاعر :
               قد استوى بشر على العراق   من غير سيفٍ أو دم مهراق
             أي استولى عليه وأصبح تحت سيطرته .
 وقال آخر :
 إذا ما غزى  قوماً  أباح حريمهم    وأضحى على ما ملكوه قد استوى
وقال الآخر :
إذا مـا علونا و استـوينا عليهم      جعلنا هم مرعى لنسر وطائر
؛ فهذه معاني الاستواء في اللغة العربية .
  كما أن العرش يطلق على معانٍ ؛
 منها : العرش بمعنى الكرسي كما قال تعالى حاكياً عن سليمان : {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ} [النمل:39]، فالعرش هنا بمعنى الكرسي الذي يُجلس فوقه ، ويسمى عرش المملكة .
ومن معانيه أيضاً الملك والنفوذ والسيطرة ، مثل أن تقول : امتد عرش بني فلان إلى منطقة كذا ومنطقة كذا ، تعني امتد ملكهم وسيطرتهم على هذه المناطق كلها ، وكما قال الشاعر العربي :
رأوا عرشي تثلم جانباه      فلما أن تثلم أفردوني
  يقول : لما رأوا ملكه سقط وانهار أسلموه وتركوه وحيداً.
وقال آخر :
إن يقتلوك فقد ثَلَلْتَ عروشهم       بعتيبة بن الحارث بن شهاب
  لا يريد الشاعر أنه حطّم كراسيهم ، وإنما يريد أنه هَدَّ ملكهم وأباد سلطتهم ودولتهم  بعتيبة ابن الحارث .
فهذه معانٍ معروفة للعرش في لغة العرب .
ولا زلنا نستعمل هذا المعنى في كلامنا ويستعمله جميع الناس ؛ فيقولون : استوى الملك فلان على عرش مملكته في سنة كذا وكذا ، ولا نريد بذلك أنه جلس على الكرسي المعروف أو أنه مَلِكه ، وإنما المعنى استولى على الملك كله ؛ فالعرش هنا بمعنى الملك.
إذاً :فلا يجوز أن نفسر قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]، بمعنى استقر على كرسي ؛ لأنه يلزم من ذلك مخالفة بقية الآيات التي أخبرت : أن الله في السماء والأرض ، ومَعَنَا أينما كنا ، وأنه ليس كمثله شيء .
وأيضاً إذا قلنا : إن الله جالس ومستقر على كرسي وسرير ـ كما قالوا ـ  كان الكرسي والعرش أكبر من الله ، فلم يبق (الله أكبر) بل العرش والكرسي أكبر ؛ لأن المعروف أنه لا يصح أن يكون الجالس فوق كرسي أو سرير إلا ويكون الحامل أكبر من المحمول والظرف أكبر من المظروف .
فامتنع أن يكون الاستواء بمعنى الاستقرار والعرش بمعنى الكرسي أو السرير من جهة العقل ، ومن جهة القرآن والآيات التي تخالف ظاهر هذه الآية .
فما بقي إلا أن نحمل الاستواء على معنى الاستيلاء (1)، والعرش بمعنى الملك ، فيكون معنى الآية : أن الله سبحانه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعني استولى على الملك، أي استولى على السماوات والأرض وما فيها وسيطر عليها ؛ لأنها ملكه تعالى ، فلا يخرج شيء عن إرادته وقدرته (1)،  إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق       من غير سيفٍ  او دم مهراق
إذاً هذا المعنى الذي ذكرناه للآية معنى عربي جاءت به اللغة العربية ، وباستعمالنا إياه سَلِمنا من التناقض بين الآيات وبَقِيْنا على تنـزيه الله تعالى ، و أنه لا يكون في مكان ولا يحويه مكان.   
ويمكن أن نحمل العرش على حقيقته والاستواء على الاستيلاء ، من دون أن ندخل في تشبيه أو تجسيم فنقول : إنه يمكن أن يكون العرش على حقيقته وهو مخلوق عظيم ، ولكن لا على أن الله استقر عليه بل على أن الله خلق مخلوقاً كبيراً عظيماً وسع السموات والأرض فهو أعظم منها وأكبر .
وعبر الله عن استيلائه عليه بالاستواء عليه، وخصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات وأكبرها (1)،
 وأما تسميته عرش الله فليس لحلوله فيه واستقراره عليه، وإنما مثلُ ذلك كمثل قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ((من أسبغ وضوءه ثم مشى إلى بيت من بيوت الله …إلخ)). فسمى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المساجد بيوتاً لله ، والمسجد الحرام يسمى بيت الله ؛ تمييزاً لها وتشريفاً على سائر البقاع ؛ بأن نسبها الله وأضافها إليه ؛ لأن الله جعلها محل عبادته وذكره ، وليس على معنى أن الله حالٌّ فيها تعالى الله عن ذلك ، كما نسب ناقة صالح إليه فقال :{ناقة الله وسقياها} [الشمس13] ولم يرد بذلك انه يركبها أو يستقر عليها ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
فيمكن أن يكون المراد بعرش الرحمن : عرشاً أي مخلوقاً عظيماً ، خلقه الله ليكون قبلة ومطافاً للملائكة ـ عليهم السلام ـ يطوفون به ويتوجهون في عبادتهم إليه ـ كما جعل الله الكعبة قبلة للإنس ـ من دون أن يكون الله مستقراً عليه  تعالى الله عن ذلك  .
وتعيين أحد هذين المعنيين المذكورين للعرش أوغيرهما يُرجَع فيه إلى القرائن من سياق ونحوه بحسب كل آية، فمثلاً الأرجح في آية { ثم استوى على العرش } أن المراد به الملك ، بينما الأرجح في آية { الذين يحملون العرش ومن حوله } وآية {وترا الملائكة حافين من حول العرش }أن المراد به المعنى الحقيقي  .
 فالواجب إذاً أن نحمل العرش وما أشبهه من الألفاظ على معنىً يصح في اللغة ، ويكون القرآن معه سليماً من التناقض والاختلاف(1) .
 [معنى ويحمل عرش ربك فوقهم ..إلخ]
وعلى ما تقدم من المعاني للعرش يُفسَّر قوله تعالى : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)} [الحاقة].
فيحتمل أن يكون عرشاً حقيقياً يحمله الملائكة ، ولكن لا على معنى أن الله سبحانه فوق ذلك العرش وأنه محمول للملائكة ، تعالى عن ذلك .
ويحتمل أن يكون المعنى : ويتحمَّل ملك الله سبحانه وتعالى وأمره ثمانية من الملائكة كما يقال مثلاً : يحمل عرش مملكة كذا ويتحمله ثلاثة أشخاص : الملك  ، ونائبه الأول، ونائبه الثاني ؛ يعني أنهم يقومون بالأعمال وترجع إليهم الأمور في إدارة المملكة .
وعلى هذا المعنى يمكن حمل قوله تعالى : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)} [الحاقة]، فهو معنى جائز في لغة العرب فيكون التحمُّل مجازاً كما أخبر الله سبحانه عن الظالمين وتَحمُّلِهم أوزارهم في قوله تعالى : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} [النحل:25]، فليس المعنى أنهم يحملون أوزارهم ويرفعونها فوق ظهورهم حقيقة، بل المعنى أنهم يتحملونها ويكونون مسؤولين عنها .
فكذلك قول الله تعالى : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)} أي يتحمل ملك الله وأمره وتنفيذ ما أراد من الحساب والعقاب ثمانية ـ افراد ، اوالاف ، اواصناف ـ من الملائكة .
[معنى وكان عرشه على الماء]
ومما استدل به المتسمون بأهل السنة على مسألة العرش قوله تعالى : {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود:7] .
 فقالوا : إنه لا يمكن تفسير هذه الآية إلا بمعنى العرش الحقيقي ، ولا يمكن تفسيرها بالملك.
نقول : بل يمكن تفسير العرش هنا بمعنى الملك ولا مانع منه ، وذلك على معنى أن أول الأشياء في الخلق الماء (1)إذاً فمعنى : {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} أي كان ملكه وسيطرته على الماء ؛ لأنه لم يكن هناك شيء غير الماء ، فلم يكن قد خلق الله أرضاً ولا سماءً ولا حيواناً ولا جماداً ولا جنّاً ولا ملائكة ، وإنما كانت مملكته هي الماء .
كما يقال مثلاً : كان عرش بني فلان على منطقة كذا ثم امتد إلى غيرها من المناطق ، أي كان الملك والسيطرة في البداية على تلك المنطقة فقط .
 [من معاني العرش أيضاً]
ومن الآيات التي يستدل بها المشبهة على إثبات المكان لله عز وجل قول الله تعالى : {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر:75]، وقال : {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [غافر:7].
وقد قلنا سابقاً إننا يجب أن نحمل كل آية على المعنى الذي يناسبها من المعاني التي ورد بها كلام العرب .
فظاهر الآيتين السابقتين أن هنالك عرشاً ، ولكن على الظاهر نفسه ليس فيه ما يفيد أن الله فوق العرش ، أو أن الملائكة يحملونه تعالى ، أو أنهم حافون به فلا دليل لهم في هاتين الآيتين على إثبات المكان لله عز و جل.
 وقد قال بعض العدلية في معنى الآية : إنه يجوز الحمل لها على ظاهرها ، وأن العرش في هذه الآية عرشٌ محسوس جعله الله قبلة للملائكة يطوفون ، حوله كما جعل الكعبة قبلة للإنس .
وليس في هذا إشكال لأنهم لا يقولون إن الله على هذا العرش المحسوس ، وإنما يقال فيه : عرش الله تعالى ؛ لأن الله خلقه ونسبه إليه تعظيماً له ، وليس في ذلك أي تشبيه ، كما أنه يقال للكعبة مثلاً : بيت الله الحرام، والحجاج طائفون حوله فلا يلزم من قولنا : بيت الله ، أن الله تعالى حال فيه ـ تعالى الله عن ذلك ـ وهذا معنى معروف لا يُنكر .
وأما بعض الأئمة : فيحمل الآية على المجاز وأن الله عبر عن تعظيم الملائكة ـ صلوات الله عليهم ـ له أبلغ تعظيم بقوله تعالى: {حافين} حيث كان المخاطبون لا يعرفون التعظيم البالغ إلا للملوك عند الحفوف بها وهي على أسرتها ، فعبر الله عن تعظيم الملائكة له بذلك.
 [معنى (ثم) في قوله : { ثم استوى }]
ويرد سؤال على معنى (ثم) في قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]،(1)
 فيقال : هل معنى (ثم) التعقيب ، وهو أن الله لم يكن مستولياً على العرش ثم استولى عليه ؟
نقول : نعم إن ثم للتعقيب ، ولكن لا على معنى أنه لم يكن مستولياً ثم استولى ؛ بل على معنى أن الله لم يكن قد خلق العرش ، ثم بعد خلقه إياه استولى عليه ؛ لأنه لا يكون الاستيلاء إلا على شيء موجود ، ولا يمكن الاستيلاء على شيء غير موجود ؛ لأن الاستيلاء على المعدوم محال عقلاً .
فالمعنى أن الله بعد أن خلق العرش استولى عليه ، ومعنى استولى عليه ، أنه تعالى أجرى ملكه على حسب إرادته ومشيئته ، لا يخرج شيء منه  عن  سيطرته وتصرفه .  
 [تفسير سدرة المنتهى]
ومما يُشْكل أيضاً على بعض الناس ويُتَوهم منه أن لله مكانا ًـ ما ورد في حديث المعراج أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عرج به إلى السماء حتى وصل إلى سدرة المنتهى .
وما قيل : إن لله حجباً تحجب عباده عنه .
فنقول : إن سدرة المنتهى هو مكان في السماء وهو أعلى منطقة في السماء تصل إليها المخلوقات ولا يستطيعون تجاوزها والخروج عن نطاق السماوات والأرض كما قال الله تعالى : {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُوْنَ إِلَّا بِسُلْطَان} [الرحمن:33].
أي لا يستطيع أحد من الجن والإنس الخروج من أقطار السماوات والأرض إلا بسلطان وقوة وإذن من الله عز وجل .
 وما يقوم به علماء الفضاء من غزوٍ للفضاء ، ما هو في الحقيقة إلا تجول في حدود بسيطة من الفضاء ، وانتقال من كوكب إلى كوكب ، وقد ذكروا أن مراصدهم لا زالت ترصد كواكبَ  ونجوماً بعيدة يُقَدِّرون الوصول إليها بآلاف وملايين السنين الضوئية ؛ فهم لا يستطيعون الوصول إليها ولا حتى مئات الأجيال بعدهم ، وما زال ذلك كله في حدود أقطار السماوات ؛ فكيف بالخروج من أقطار السموات والأرض؛ فسبحان الله العظيم .
إذاً فسدرة المنتهى منطقة في أعلى السماء شرَّف الله تعالى نبيه بالوصول إليها ؛ لأنها مكان عظيم وشريف لا يصل إليها إلا من شَرُف عند الله تعالى وعَلَت درجته .
 
[تفسير الحُجْب]
وأما معنى الحجب التي قد تطلق في حقه تعالى ، فليس على معنى الحجب الحقيقية ، وهي أنها أجسام تحجب عباده عنه ؛ لأنه لو قلنا بذلك لكانت الحجب التي تحجب الله أكبر وأعظم من الله .
كما هو معروف أن الشيء لا يحجبه ويغطيه إلا حجاب أكبر منه وأعظم ، وأن المحجوب أصغر من الحجاب ، والله لا تجوز عليه الحجب الحقيقية المجسَّمة .
فالمعنى أن الله سبحانه وتعالى بصفاته وعظمته وجلالته محجوب عن عقولنا فلا تستطيع عقولنا تصوره ولا الوصول إلى كنهه تعالى .
فالحجب التي بيننا وبين الله هي حجب عقلية وموانع عن تصور الله تعالى أو معرفته بأكثر مما عرَّفنا ودلنا عليه بمخلوقاته ومحكم كتابه ، وهي حجب الجلال والعظمة ،وليس هناك حجاب محسوس .
ومما يؤيد ويؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى : {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)} [ق]،
فيا أيها الدعاة إلى العمل بالظواهر إذا كان الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد فكيف يمكن أن يكون بينه وبين الانسان حجاب حسي  ـ تعالى الله عن ذلك ـ .
فليست الحجب المذكورة إلا حجباً عقلية ومعنوية ، وإلا فستكون متناقضةً مع الآية إذا حملناها على الحجب الحسية ؛ فإن الآية تفيد بظاهرها أن الله لا حُجُبَ بينه وبين عبده محسوسة، بل هو أقرب إليه من عرق الوريد الملتصق بجسمه .
ومما يزيد هذا المعنى للحجاب تأكيداً قوله تعالى : {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا(45)} [الإسراء]، فقال الله : حجاباً مستوراً .
فهل معنى ذلك أن الله تعالى كان يجعل بين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين المشركين ستارة لا يرونه من خلالها ؟!. كلا
بل المعنى اللائق أن الحجاب هنا هو عدم انتفاعهم وقبولهم وتقبلهم للقرآن ، فالحجاب هنا حجاب قلبي وليس حجاباً بصرياً.
وكذلك قول الله سبحانه حاكياً عن الكافرين : {وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت:5]، فالمعنى أن بيننا وبينك مانع لا نستطيع معه أن نَتَّبعك ولا أن نستجيب لكلامك .
فالحجاب الذي بيننا وبين الله هو حجاب معنوي ، وهو أننا لا نستطيع أن نتصوره ونتخيله ونعرف كُنْهَه ؛ لأنه متعالٍ عن الهيئة والكيفية والصورة ؛ لأنها من صفات الأجسام .
ومن ادعى أن هناك حجاباً محسوساً بيننا وبين الله تعالى ، فعليه أولاً أن يخبرنا ويعرفنا بالحجاب الذي كان يحصل بين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين المشركين .
وأيضاً: فإنه لا يمكن البقاء على القول بالحجاب المحسوس إلا مع التزام أن الله جسم ، والالتزام بذلك جهل بالله وتشبيه له بخلقه الضعيف تعالى عن ذلك الخبير اللطيف   .


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق