]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ترميم الثقافة الوطنية(2-3)

بواسطة: سري سمور  |  بتاريخ: 2014-05-07 ، الوقت: 18:57:28
  • تقييم المقالة:

  ترميم الثقافة الوطنية(2-3) -الجزء الثاني- بقلم:سري سمّور

 

(3)تراجع أو انعدام الثقة  

من مساوئ ثقافتنا الوطنية التعويل على حكومات أو جيوش العرب «المظفرة»  لنجدتنا أو نصرتنا أو الوقوف معنا، وهي نابعة من قصور في فهم واستيعاب دروس التاريخ منذ ثورة 1936ودور العرب المركزي في إجهاضها، وما حصل في حرب 1948، وصولا إلى انتظار جمال عبد الناصر وبقية العرب لتحرير فلسطين، ورمي اليهود في البحر(تجوّع يا سمك)...فلما وقعت هزيمة حزيران/يونيو 1967م النكراء وكشفت سوءة النظم العربية؛ وأنها لا تتقن سوى الكلام الكبير الفارغ من المضمون، بل هي تساوم من تحت الطاولة ومن وراء الكواليس كي تبقى في الحكم مقابل تثبيت إسرائيل، وصحا الناس على حقيقة أن ما بقي من فلسطين قد احتلته إسرائيل المزعومة(الضفة والقطاع)، أصاب كثيرا من الناس في الداخل حالة من الهزيمة النفسية؛ ومردها الاعتماد على غيرهم لا على ذاتهم لتحرير الأرض...على كل أنا أكتب كتابا صغيرا  يتناول هذه المسألة وآمل أن يرى النور قريبا سواء ورقيا أو إلكترونيا.

انتظرنا عشرين سنة حتى قامت  انتفاضة  الحجارة، وذلك حتى خرج جيل جديد، يختلف عن جيل النكبتين، وقد غيّرت الانتفاضة الأولى تلك كثيرا في وعي وثقافة الجمهور وبسرعة كبيرة إيجابيا، وأربكت الاحتلال ومن خلفه ومن يؤازره، وصارت قيمة الفرد بحجم نضاله وجهاده وتضحياته، وليس بما في جيبه من مال، أو بحجم وعدد عائلته أو عشيرته، ولا حتى بما يحمله من شهادات دراسية، وأصبح ينظر لمظاهر الانحلال الأخلاقي بازدراء يلامس النظرة للعمالة مع الاحتلال...وكانت الانتفاضة تتطور حتى جاءت كارثة دخول القوات العراقية إلى الكويت، وما تبع ذلك من إحباط بسبب تدمير القوة العسكرية العراقية...مرة أخرى نرتكب خطأ جسيما، فقد كان من الأوجب والأحوط والأصوب الاستمرار في الانتفاضة وتطويرها، وعدم الانتظار إلى ما

 

 

ستؤول إليه أزمة الخليج، وتاليا لهزيمة العراق، كان مؤتمر مدريد، والمفاوضات في واشنطن وصولا إلى أوسلو...وفي تلك الفترة حينما كانت الانتفاضة الشعبية تلفظ أنفاسها، ويزداد الجدل والخلاف السياسي الداخلي، طفت على السطح ظاهرة الاستهلاك وباتت ثقافة الخلاص الفردي هي السائدة وطبعا تغير معيار النظرة إلى الأمور وإلى الشخوص؛ وقد تنبه كثير ممن دفعوا من أعمارهم سنين وراء القضبان أو فقدوا ابنا أو أخا بأن هناك من كانوا «صاحيين على حالهم» و لم ينخرطوا  في انتفاضة أو سياسة أصبحوا  الآن  أصحاب أموال ومصالح تجارية.. وأيضا هناك بعض ممن كانوا يشاركون في النضال ظهرت عليهم نَعمة ربما لا تتناسب مع وضع عائلاتهم ولا جهدهم؛ فألقي في وعي الناس إن قيمة المرء بما يملك من مال، وليس بما قدم من دماء أو سنوات في الأسر، وأنهم وقعوا ضحية خدعة ، ولا يوجد شرفاء، وأن الخير مقطوع؛ وبعد أن كان المرء يفخر بأن الشهيد قريبه من الدرجة الثالثة، أو أن هذا الشهيد شرب معه يوما فنجانا من القهوة أو بادله المزاح، صار الفخر يتعلق بمساحة البيت أو نوع السيارة والرصيد في البنك ففقد الناس الثقة بالنضال أو المقاومة لاسيما أن حصادها المرئي لم يكن يتناسب مع زرعها.

 

(4)أوسلو ومفاهيم جديدة

 

تزامنا مع أوسلو وتأسيس السلطة، طرأت تغيرات كثيرة على نمط وطريقة  حياة الناس فقد تقلص عدد العمال في الداخل وأصبح الفلسطيني لأول مرة يدير شؤونه الداخلية بنفسه وكثير من المناضلين حصلوا على وظائف مدنية أو عسكرية وفرص تعليم عالي بعد تأسيس السلطة ومن الطبيعي أن عددا منهم سينظر إلى ما حصل عليه أنه أقل مما يستحقه  فعلا، والمعنى أن المناضل أو القائد انشغل بشأنه الوظيفي الذاتي عن  مسيرة التحرير، وما يترتب على ذلك من منافسات واصطفافات؛ وقد يقال بأن هذا خاص بحركة فتح تحديدا...حسنا، ففتح وقتها كانت التنظيم الأوسع انتشارا، وبعد أن قامت السلطة صار من ليس له علاقة بفتح يزعم أنه من مناضليها...وعلى كل حال فإن العلاقة بين فتح وحماس قد توترت، وصار هناك خلاف حقيقي وجوهري حول قضايا عدة وكل رأي له أنصاره؛ فهل الأولوية للمقاومة أم بناء المؤسسات، وهل علينا تجريب التفاوض أم لا...إلخ وكل هذا الجدل والخلاف انعكس على الجمهور الذي تشتت، وقرر بكتلته الحرجة الانهماك في معيشته والتكاثر بالأموال والأولاد...وازدادت لدينا ظاهرة حب

 

 

 

الوجاهة، وصار من لزوم حفلات الأعراس المديح الكاذب لشخص بالتعبير البلدي«بسواش كريك لاصة» وصار الانتماء للتنظيم(أي تنظيم) ضعيفا ومحكوما غالبا بالمصلحة الشخصية!

أما طبقة رجال الأعمال والقطاع الخاص الاحتكاري  فقد تملكها الجشع والطمع والاستغلال وقد توسع وازداد عدد من باتوا في دائرتها؛ وإجمالا هم لم يقدموا شيئا يذكر لدعم القضية الوطنية ومع ذلك مطلوب أن يمتدحهم الجميع لدورهم المهم في دعم الاقتصاد الوطني، وقد ساهمت العديد من وسائل الإعلام وما تزال في هذا النفاق لهذا القطاع، وإن كنت لست ضد إبداء المحاسن، ولكن لا يجوز التغاضي عن المساوئ!

 وفي ظل هذا  المشهد من الطبيعي أن ملاحظة مظاهر الحسد والتنافس  بين الناس بعد أن سادت مظاهر مثالية من الإيثار والإخلاص  إبان انتفاضة الحجارة...والمحصلة  تراجع الاهتمام بموضوع الاحتلال والاستيطان والأسرى.

 

(5)انتفاضة الأقصى

 

 جاءت انتفاضة الأقصى في توقيت مناسب لجميع الفصائل التي كانت تعيش أزمة و انفلاش العناصر والأتباع، وللجمهور الذي انشغل أفراده بذاتهم عن الشأن الوطني العام، وجاء فشل كامب ديفيد2 ومحاولة شارون تدنيس المسجد الأقصى، أشبه بصعقة كهربائية نبهت الجميع إلى حقيقة الاحتلال الذي تناسوه مرارا، أو اختلفوا على طريقة مواجهته، وانحرفت البوصلة وتغيرت بل انقلبت  الأولويات سنينا عديدة...ولكن انتفاضة الأقصى ولو أظهرت نماذج مقاومة وتضحية رائعة إلا أن المشاركة فيها محدودة، وأيضا أظهرت عنصر المال عاملا مؤثرا وحاسما في مجريات الأحداث، وتمظهرت ثقافة الاستزلام في غير موقف، كما أن مظاهر الأنانية والفوضى قد طفت عند توزيع مساعدات عينية أو نـقدية، بل شهدت  أسرة الشهيد أو الأسير خلافات ونزاعات على توزيع المبلغ المالي، مثل منحة الشهيد أو الاستشهادي المقدمة من العراق قبل احتلاله، وذلك بين أرملة الشهيد وأبيه وأمه وإخوته...إلخ وهذا مثال من أمثلة عن تحوّل تفكير الناس عن تحرير الأرض والتخلص من الاحتلال، إلى توظيف التضحية لجني ربح مادي!

 

 

(6)الانقسام وثقافته  

بعد ضعف وتراجع انتفاضة الأقصى كنا على موعد مع الانقسام، وبغض النظر عن أسباب الانقسام، إلا أن لهذا المصطلح ثـقافته الخاصة، فقد سادت أجواء من المناكفة والشيطنة داخل الساحة الفلسطينية، وتقريبا تحوّل الاحتلال الصهيوني إلى عدو ثانوي أو إلى العدو الثاني، في ظل أجواء عرفناها، وتراجع الاهتمام كثيرا بالهمّ الوطني العام، والتبرير الدائم كان الانقسام وآثاره، وقد ساد الإحباط شرائح كبيرة من مجتمعنا.

وفي سنيّ الانقسام انشغلنا بأمور لا تفيد مسيرة التحرر؛ مثل دخول موسوعة غينيس بأكبر سدر كنافة وأكبر رغيف مسخن، وصار دخول الموسوعة هدفا بحد ذاته، ونحن الذين أدخلنا كلمة انتفاضة إلى قواميس اللغات العالمية الحية دون أن نطلب ذلك أو نسعى إليه بل فرضه الواقع الموضوعي والميداني.

 وكذلك الانشغال بمباريات البارشا أو الكلاسيكو، والاهتمام المفرط حد الهوس ببرنامج عرب أيدول، وما يحمله الانشغال بهكذا أمور من إيحاء بالبحث عن انتصارات وهمية نحاول أن نلبسها أثواب الوطنية...طبعا هي طاقات ولا بد أن تفرغ، وللأسف أفرغناها في الاتجاه الخطأ، أو في اتجاه لا يسهم البتة في تحرير الأرض والإنسان!

ولا بد لي من التنويه أن الانشغال بسفاسف الأمور لم يقتصر على جمهور العامة، بل تعداه إلى بعض الخاصة؛ وأعني أسرى في سجون الاحتلال شاركوا في التصويت ضمن مسابقة برنامج سوبر ستار مثلا...ولم تعد السجون قلاعا للتثقيف والتوجيه مثلما كانت في الماضي...فإذا كان هذا حال من يقدم ضريبة من عمره فكيف بمن لا شأن له بالسياسة ولا النضال؟!

 

(7)توزيع المناصب..ونسيان الاحتلال!  

حينما ينشغل الفصيلان الأكبر في العدد والعدة ببعضهما، وحينما تنشغل الفصائل الأخرى بمحاولة الاستفادة وتوظيف هذا الخلاف لصالحها، وحينما ترى قطاعا خاصا لا يدفع شيئا يذكر لحشد مسيرة سلمية دعما للأسرى، ولو بتوفير مواصلات، وبعض زجاجات مياه الشرب مثلا، وترى

 

 

هذا القطاع ينفق بسخاء دعما لبرامج غنائية بدعوى دعم المسيرة الفنية الوطنية، وعندما ترى طوابير الخريجين تلتحق تباعا بأرقام وبيانات البطالة، وإذا رأيت جيوش الموظفين أيديهم على قلوبهم دبر كل شهر مخافة ألا يتسلموا رواتبهم، وترى كثيرا من هؤلاء قد ارتبطوا بقروض من البنوك لسنين قادمة، إما لأمر مهم وإما لكماليات صارت ضروريات لدينا...وإذا رأيت ثم رأيت فعليك ألا تعوّل كثيرا على وجود تفاعل مع قضية القدس، التي تهوّد ويراد للمسجد الأقصى تقسيما زمانيا ومكانيا...وعليه لا تنتظر تفاعلا مع الأسرى المضربين عن الطعام، فجوعهم هم فقط من يشعرون بآلامه، إضافة إلى ذويهم، وقلة من أصدقائهم...بل الكارثة حينما تسمع عبارات من قبيل:«محداش قلهم صيرو مناضلين وأبطال، واللي بدو يناضل وينسجن بدو يتحمل!!»...أمي دائما تقول عمن لا يشعر ولا يحس ولا يكترث بأهله:«هذا مثل الجخدم،فخذو هذا مش من هذا!» والجخدم بالدارجة الفلسطينية هو حشرة الجندب...وعلى ذكر الأسرى فإن المصالحة وأجواءها النسبية لم تزد من حجم التفاعل معهم لأن كثيرا من الناس انشغلوا بمن سيتسلم الحقائب الوزارية في المرحلة القادمة، ومن سيترشح للانتخابات، وما موقع فلان، وأين سيذهب علان...صارت القضية الشاغلة للجمهور هي المناصب والمكاسب...وإذا سألتهم عن الأقصى قالوا لك:للبيت رب يحميه!

إن ثشوّها كبيرا ودمارا عميقا أصاب ثقافتنا الوطنية بمحتواها السياسي والاجتماعي وتفرعاتها القيمية والأخلاقية يتطلب عملا جادا دؤوبا لترميمها ...يتبع.

 

 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الأربعاء  8 رجب 1435هـ ،7/5/2014م

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق