]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التاريخ مُتْعَبٌ !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-05-05 ، الوقت: 16:22:27
  • تقييم المقالة:

 

  بينما نحنُ جلوسٌ ، في مقهى ، نتذاكرُ ، ونتدارسُ أحداثاً غابرةً ، ووقائع ماضيةً ، ونُمَجِّدُ رجالاً ، ونلْعنُ آخرين ، ونصيبُ ، ونخطئ ... إذْ طلع  علينا رجُلٌ طاعنٌ في السِّنِّ ، لم ندْرِ من أي كُوَّةٍ في الأثير خرجَ ، واقترب من مجلسنا ، وحيَّانا تحيَةً لم نَرُدَّها بسرعةٍ ، بسبب قوة المفاجأة ، وغرابة هيئته وسُحْنتِه ، فأدْركَ ذلك بفِراستِه ، وابتسمَ ابتسامةً أنارت مُحيَّاه ، وبثَّت في رَوْعِنا بعض السكينة والأمان ، ثم حيَّانا مُجدَّداً ، فرَددْنا عليه التحيةَ بخُفوتٍ ، واتخذ مكاناً بيننا ، ونحن ننظر إليه بعيون مُحَمْلقة ، وشفاهٍ مُطْبقةٍ ، وقال :

ـ يا أبناء الزمن : أنا مُعلِّمٌ من مُعلِّمي الزمن ، كثيرون منكم قرؤوا عندي ، وتتلمذوا على يدي ، وأخذوا الدروس ، ولكن قليلين الذين استفادوا واعتبروا ...

تعجَّبنا من قوله ، ونظر بعضُنا إلى بعض في حيرة واندهاشٍ ، ولم ينبسْ أحدُنا ببنت شفةٍ ، فواصلَ كلامَهُ :

ـ سمعتكم تتحدثون عن ذكرياتٍ هي في سجلاَّتي ، وعن آثارٍ هي في متاحفي ، وعن أفرادٍ طويتُهم تحت جناحيَّ ...

فازْدادَ عجبُنا ، وسألهُ أشجعُنا :

ـ من تكون أيها الشيخُ ؟!

فقال بنبرة قوية :

ـ أنا صحيفة الدُّهور ، ومرآةُ العصور ، واللَّوْحُ الذي يحفظُ أعمالَ البشر .. أنا الشَّاهِدُ ، والمُشاهِدُ ، والمُشاهَدُ ، والشَّهيدُ ، والمشهودُ .. والقاضي في النهاية !!

كأنَّ ساحراً ، أو ملَكاً ، أو مجنوناً ، يُخاطبُنا ، ظللنا ننظر إليه أكثر ، ونُصْغي إليه بمشاعرَ متباينةٍ ، وأفكارٍ مُضْطربةٍ ، فسأله أشجعُنا :

ـ كيف أيها الشيخُ ؟!

ـ أنا الذي أحمل فوق ظهري أعمالَ آبائكم وأجدادكم .. وأعمالَ آبائهم وأجدادهم .. وأعمالَ الأولين إلى عهد آدم ...

أنا الذي شهد كل الأيام والليالي ، ورأى جميع الأمم والملوك ، وسمع الأخبار والقصص ، وعرف الحوادث والأسرار ، وحضر الحروب والمعارك ، وسَجَّلَ لحظات الانتصار والهزيمة ، ووقف على العمائر والخرائب ، ولم يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحْصاها ، ولم يغِبْ عنه صعودُ دُولٍ واضمحلالُ أخرى ، ومجْدُ حضاراتٍ وسقوطُ غيْرِها ، وحياةُ شعوبٍ وحُكام ، ومُصلحين ومفسدين ، ودُعاةٍ إلى الخير أو إلى الشرِّ ، وعباقرة ومجانين ، وقَضاؤُهم جميعاً ...

وجَمْنا في حضرة الشيخ ، وبدوْنا كأنَّ على رؤوسنا الطير ، أو كأننا اندمجْنا في أسطورةٍ من أساطير الأولين ، وانبريْتُ بسؤالٍ أطلقته بعد تردُّدٍ :

ـ يبدو ، من خلال صوْتِكَ ، أيها الشيخُ ، أنك تشكو من التَّعبِ والضَّجر ؟

رنا نحوي بعينين نافذتين ، تشُعُّ منهما آثارُ الأجيال ، وحكمةُ الدُّهور ، وقالَ :

ـ بل أشكو من جسامةِ الاختبار وضآلة الاعتبار ..

ومن كثرة الحوادث ونُـدْرَةِ الحكمةِ ..

ومن غباءِ أكثر أبناء كل زمنٍ متأخر ، وغفلتهم عن أخطاءِ أبناء الأزمنة ، الذين سبقوهم بالإيمان والكفْرِ ، والحياة والموت ...

ثم أرسل تنهيدةً عميقةً ، وأضاف :

ـ لقد أخذْتُ أعاني من بعض الآلام ؛ وهي ليست آلام الكِبَرِ وأرْذلِ العمر ؛ ولكنها آلامُ البشر ، وأسْقامُهم ، ومِحنُهم ، ومآسيهم ؛ وهي ناجمةٌ عن شرورهم ، وقسوتهم ، ومظالمهم ... إنَّ كثيراً من الصفحات التي أحتفظُ بها مُلئت بمِدادٍ من الدموع والدماءِ .. وعديداً من المعالم التي أختزِنُها قامت على الجماجم والعظام .. وفي ذاكرتي تتردَّدُ ـ كالنواقيس ـ آلافُ الصَّرْخات والآهات والأنَّاتِ .. فآهٍ ، يا تلامذتي ، ثم آهٍ !!

سأله واحدٌ منَّا :

ـ ألا توجدُ عندك صفحاتٌ مشرقةُ ، وذكرياتٌ جميلةٌ ؟!

فأجاب ، وقد افْترَّ ثغْرُهُ عن ابتسامة حزينةٍ ، وقال :

ـ يوجد ، ولكنها مثل نجومٍ ضائعةٍ في ظلمة الكون ، والأملُ مُنْعقدٌ على من يهتدي بها ؟!

ثم سكت تماماً ، وأطرق رأسهُ نحو أقدامنا ، وأطرقنا رؤوسَنا بدوْرنا ، وحين رفعْناها لم نَلْقَ للشيخ أَثـراً ..

كان قد عاد من حيث أتى ... !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق