]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

القناعة كنز لا يفنى

بواسطة: مصعب الأحمد  |  بتاريخ: 2014-05-03 ، الوقت: 07:14:36
  • تقييم المقالة:

القناعة كنز لا يفنى
رأيته وقد كبرت سنه وتجعد جلده وتبدلت ملامحه ، وقد قارب الخمسين من عمره إلا أن الناظر إليه يرى انه فوق ذلك الحد ، لما لاقى من مصاعب الحياة وآلامها ، ساخط على الأيام والناس ، عدوه الأغنياء وأصحاب الطبقة البرجوازية ـ فهو يرى كل نعمة لم ينلها كأنها حق قد سلبه إياه هؤلاء ، نشأ فقيرا من المال والجاه، صارع الدنيا وهو يحاول أن يملك فيها شيئا مهما قل أو كثر ، تعلم حتى أتم دراسته الجامعية ، شخص تلازمه قلة ذات اليد التي كانت تقض مضجعه وتبدد أحلامه وطموحاته ، لديه نفس تشرف لبلوغ المعالي ودرك أعلى المناصب ولديه من القدرات ما ربما يبلغه فوق ما بلغ أقرانه ، فهي نفس لا ترضى بالقليل ولا تقنع باليسير شأنها كشأن كل النفوس البشرية ، وساعده القدر ليشتري حصة في جمعية ثم يقسط ثمنها على سنوات مريرة عانى خلالها من ويلات القلة والتقنين حتى انقضت تلك الأيام العجاف ، ووجد وظيفته التي تدر عليه ما يسد الرمق ويسكت غائلة الجوع ولكنه لا يسد غائلة الشهوات ، وهو ينظر في أبناء جنسه وأصدقاءه يرى البعض منهم يتقلب في النعمة فيتألم ويتحسر ويمضي ليله وهو يحلم ويندب حظه ؟ ويمضي الليل وتتكاثر الأحلام ، وتمر الأيام دون تقدم إلا في العمر ، فيشتري ورقة اليانصيب تلو الأخرى كلما مر بالطريق ويخصص جزءا من راتبه لذلك الغرض ، فهو ينفق لأجلها حتى صار ينفق لينفق ويزيل حسرته طمعا ورغبة ، ثم تمضي الأيام دون ما نتيجة تذكر وتبدد الأحلام .
حدثني فقال : لقد قضيت جزءا من حياتي وانأ أحلم بالمال والثروة اللذان يجلبان الجاه والمكانة ، أحلم بالمصنع الكبير، والبيت الفاره ، والعربة الفاخرة ، والمال الوفير ، والفراش الوثير ، والخدم والحشم ، طرقت معظم الأبواب التي تتخيلها ، طرقت باب العلم فحصلت على الليسانس ، وطرقت باب العمل فتعددت المهن وتقلبت فيها تقلب الكرة في السيل وانتقلت من مهنة لأخرى ، فمن سائق عربة لحمال وبائع بسطة ، ثم موظف خدمة ، ومندوب مبيعات ، وبائع ملابس وحقائب ، لصانع إكسسوارات ، لمحاسب في شركة ، وعملت في بعض المهن لكني لم اصبر عليها فعملت دهانا وجزارا وبلاطا وميكانيكيا ، وغير ذلك ولو حدثتك لطال الحديث ولكني اقتصر فاروي لك قصتي مع رحلة الكنز .
كان يوما مشئوما ذلك اليوم الذي ضمني بصديقي على القهوة، فتنادبنا الحظوظ وتبادلنا الشكاية ،فعرض علي فكرة البحث عن الكنوز والدفائن وانه وبلحظات يمكن أن يتبدل حالنا من الفقر والعدم للغنى والمجد ، وان ما علينا الا البحث والجد وللمجتهد نصيب ، والقناعة بما نحن عليه هي سبب التخاذل وما نحن فيه ، والرضى بما نحن فيه آفة الطموح ، ولذة البحث تعدل لذة الظفر ، وما وصل من وصل إلا بالعمل ، وروى لي قصصا عديدة لأناس جدوا فوجدوا ضالتهم وبلغوا غايتهم دون تراكم أو جمع أو تكديس ، وإنما هي ليلة وضحاها نقلتهم من النقيض إلى النقيض ، فاخترقت تلك الكلمات حاجز الصمت وكأني وجدت الضالة والمبتغى ،وعدت الى بيتي مفكرا متأملا ،ومضت تلك الليلة علي وأنا أحلم بالكنز والمال والذهب والفضة ، وكيف سنجده ونخرجه ونبيعه ، وقسمت الحصص ، واشتريت وبعت وحققت ما ابتغي وأحلم في عالم الوهم الذي ارجوه أن يصير حقيقة ، ومضى الليل وجاء الصباح فاتصلت به لا علمه قبولي ورغبتي ، فتبسم وقال علمت انك ستتصل لكني لم اقدر انك ستفعل بهذه السرعة فنفسك التواقة هي ما نحتاجها في عملنا ولو صدق لقال : نفسك التي لا تشبع وطمعك الذي لا ينتهي وحرصك الذي لا ينفد، فقلت له ومن أين نبدأ فقال لي : من بئر صندل !! وتعجبت فأزال عجبي بقوله : انه بئر عثماني والعثمانيون كما الرومانيون كانوا يخفون كنوزهم وخباياهم في الآبار والبئر هو المدخل ولعلهم دفنوها وتركوها والدلائل والعلامات تشير لوجود الدفين ،والإشارات علم قائم بذاته له أصول وفروع وضوابط ورسوم ، وهندسة وقياسات ، ومصطلحات وواضعون ، وهو علم مؤصل فهناك الحافر والنافر و لكل كنز دلالاته وعلاماته التي يعرف بها ويستدل بها عليه ، فالرومانيون لهم إشاراتهم والعثمانيون لهم أيضا ولليهود غير ما للنصارى والمسلمين ، وبدأت رحلة البحث فتعرفت على العاملين في هذا المجال المهووسون فيه ولهم قواعدهم وآدابهم فهم يعتمدون على التخفي والحيطة والحذر والليل صديقهم في مجتمع حظر فيه البحث عن الدفائن والخبايا ، وعلمت ان لكل منهم نظرياته وتجاربه التي ورثها فهذا أخذ المهنة عن أبيه وراثة ، وذالك عن قريبه وآخر عن معلمه ، وآخر عن صديقه ، وغيره عن الكتب والدراسات ، وآخر عن أهل الاتصال بالعالم السفلي وملوك الجان الى غير ذلك ؟ الا انه تجمعهم غاية واحدة الطموح والأمل والفقر، وحضرت نقاشاتهم وسجالاتهم وتضارب آرائهم ونظرياتهم ، وسمعت عن تجاربهم التي تثير الدهشة والغرابة ولا تخلوا من المبالغة والتشويق ، ولكني رأيت الكثرة الكاثرة منهم يختصمون على حساب الشاي في المقهى ، حالة الفقر بادية عليهم يلبسون الملابس الرثة ، معدمون في الغالب، ولكنه الأمل والطموح ورحلة المليون ميل تبدأ بخطوة .
وتنقلت بين الدلائل والإشارات حتى أتقنت فن الإشارات وعثرت على الكثير منها ولكنها لم تكن طريقي الى شيء من الذهب والمال بل الخيبة والحسرة ، فاقترح صديقي ان نستعين بأهل الاختصاص من علماء الروح والاتصال بالجان فهم أصحاب خبرة ودراية ويعلمون ما لا نعلم ، وكانت رحلة أخرى فتعرفنا على العديد من أهل هذا الشأن ، ظنا منا انه يمكنهم أن يدلونا على المراد ويبلغونا المأمول ، ولكن كل ذلك يحتاج إلى مقابل اذ يجب علينا أن نملئ الأيدي ونبيض الفأل ونستنزل العطف ورأينا من الدجل والكذب ما يفوق الوصف ويتعجب منه إبليس غرابة ، وتناولنا الاشربة والأطعمة ولبسنا الحجب ، وذبحنا النذور ، وقرأنا التراتيل ، ولكني رأيت أن أكثر المتعاملين أيضا في هذا المجال دجالون محترفون في فن الخداع والكذب محتالون بمرتبة الشرف ، وغالبيتهم من الفقراء، وتراهم لو كانوا صادقين لم لم يغنوا أنفسهم ، وهم الذين يستدينون أجرة المنزل وثمن الطعام ويعيشون حياة الفقر المدقع ؟ فأين هم من ذلك ؟ ومرت الأيام وأنفقنا الكثير من الأموال والجهد والوقت ، وعطلنا أعمالنا وتركنا عوائلنا ، حتى جاء الفرج فيما كنا نحسب وسمعنا عن ذالك الاختراع اللعين وهو جهاز يحدد مكان الذهب بدقة متناهية ولو كان بعمق الأرض ، فرأيتنا وقد همنا فرحا لانا وجدنا ضالتنا وهو ما كنا نرجوه ونؤمله ،وكم كان وجوده ضروريا وكم كان وفر علينا من الوقت والجهد ونحن الذين حفرنا ما يعجز عنه خلد عاش تحت الارض مئات السنين أو حفارة آلية لا تكل ولا تمل ، وبعنا الذهب الذي هو حيلنا وبعض أثاث المنزل واقترضنا من الناس ولم نوف لهم ، وتشاجرنا مع الزوجات ومنيناهم بالغد المشرق والأمل المعقود وأننا سنسكنهم القصور والخدور ، وعملنا أشهرا طويلة حتى حصلنا على الجهاز بمعجرة حقيقية ، وتعاملنا معه كما يتعامل حامل ما يبلغه حتفه وهلكته ، لصعوبة التنقل به والبحث أيضا وما تركنا دليلة أو أرضا نتوهم وجود الكنز فيها الا وبحثنا وكان الجهاز يشير فنطير فرحا ونمتلئ سرورا ، ونسرع إلى المناكيش لنحفر ونحفر، فلا نجد شيئا !فنعلم أن أحد الجن سرقه منا !! فنخيب ونتألم ونقسم أننا لن نبحث بعد اليوم ونرجع وقد تبنا ونترك العمل أياما لتأتي دلالة أخرى فيتحرك الشوق القديم وتنفلت الطموحات والرغبات فترانا وكأننا لم نكن حديثي عهد بتوبة وإنابة .
نعم يا أستاذي ثلاثون عاما وأنا أتقلب في البحث ولم أجد فلسا واحدا وأنفقت من المال ما لو جمعته لكان لي بيت وعربة فاخرة وربما دكان أيضا ، وها أنا اليوم أمامك أصارع التعب والمرض والأسى والحزن على ساعات طويلة وأيام وليال قضيناها ونحن ننقب الأرض دون نتيجة تذكر فهل نحن معيونون ، نعم لقد قرأنا كل ما يحصننا من العين والسحر والمس وغير ذلك ، أم هل نحن مخطئون ؟ ونحن ندرك انه على الإنسان ان يكون طموحا وليس كل طموح يبلغ الغاية ، لقد بحثت بحثا لو سخرته للعلم والتقى لكنت اليوم أعلم الناس واتقاهم .
فقلت له : وما النتيجة التي وصلت إليها بعد كل ذلك ولعلك تعلمت مما مضى دروسا ؟
فقال نعم بكل تأكيد : وخلاصة ما وصلت إليه أن القناعة كنز لا يفنى ..
نظر الأخوة الحضور في المجلس نظرة فيها الشفقة والرحمة على حال هذا المتحدث واطرقوا الرؤوس أسفا له وربما عليه .
فشربنا الشاي ، ثم قلت له : بما انك قد افتتحت الحديث فأنت تعلم إني جاد عادة ، وتعرف البيت الفلاني في الحارة الفلانية ، حدثني صاحبه عن وجود فيل وثلاثة أسهم منقوشة على بلاطة بيضاء في قبو المنزل وهو بيت يتوهم أن فيه دفين عثماني أو ربما روماني .
فقال لي : نعم هو كما تقول وهذا عادة ما يكون رومانيا لان الفيل ....وراح يشرح لي عن هذه الرموز وتشرفت نفسه لأدله عليه وعرض أن يقوم هو بعملية البحث والتنقيب،وأنه صاحب الخبرة والمعرفة ، وانه لا يريد الا حصة قليلة من الدفين يستر بها غلته ، والفيل يعني الحجم الكبير ولعل هذا الكنز يفوق التصور وانه بزنة الطن وبما أكثر ، وان القليل بالنسبة لكنز الفيل كثير . وحكى لي عن التصريف ومعرفته للتجار الذين يشترون وكيف يتم البيع والشراء ونبهني على الكتمان بقوله" استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان " وانا والحضور نسمع بشغف لحديثه وقدرته على الإقناع بمهارة قل نظيرها التي لو سخرها في تعليم الناس لجاد وأفاد .
ثم أعقب فقال : ماذا تقول يا أستاذ : لم أسمع ردك ؟! هل تكلم صاحب البيت؟ ، وهل نذهب للنظر ؟
فقلت له : هل حقا وصلت لتلك النتيجة وقد صدق من قال : القناعة كنز لا يفنى !!! ..
فضحك الجميع بمن فيهم صاحبنا ضحكة هستيرية وانفض المجلس .

الكاتب مصعب الأحمد بن أحمد


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق