]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الروح القبلية

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2014-05-01 ، الوقت: 18:21:05
  • تقييم المقالة:

الروح القبلية :

إذا كانت حجة  المستدمر للعالم ولنفسه بأن سبب استدماره للشعوب هو تمدينها ونقلها من روح القبيلة إلى روح المدنية وبالتالي فرسالته حضارية حتى يتخلص من تأنيب الضمير أمام شعوبه , إلا انه في الحقيقة قد أبقى على الروح القبلية مستعرة في الشعوب الخاضعة لسلطته الاستدمارية وان حاول مع ذلك إظهار بعض التصنع المدني في الشكل المظهري للمجتمع دون المساس بالروح القبلية المتقدة والتي زادها اتقادا , باعتبار أن المدنية موقظة للشعب من الخضوع للاستدمار ونافثة فيه الهمة للانتفاض عكس الروح القبلية التي تدخل المجتمع في دوامة اهتلاكية , والروح القبلية هذه هي طبيعتها وفطرتها وصبغتها يستحيل التخلص منها أو تغيرها الا بعمل متواصل عبر الأجيال ,أما دون ذلك فهي الغلاّبة , ولقد تفطن الرسول لهذه الروح القبلية المتجذرة في العرب بطبعتها الأعرابية والتي من المستحيل تحويلها الى روح مدنية في جيل واحد لذلك كان الحل الوحيد هو توجيه الروح القبلية من الاهتلاك الداخلي للمجتمع العربي إلى التصادم الخارجي والذي حمل فقها مصطلح الغزو {ويجب هنا أن نفرق بين مصطلح الغزو ومصطلح الجهاد فمصطلح الغزو وهو تحويل الطاقة المضطربة من الداخل الى الخارج لتفادي الاهتلاك الداخلي أما الجهاد فهو استفراغ الطاقة في الايجابية الحياتية وهو عملية تكاملية بين شقي الوسط الخارجي والداخلي للإنسانية في عملية انتقالية بينهما مستمرة ( الانتقال من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر) }, والتصادم الخارجي كان حل مؤقت وليس بحل دائم لأن الحل الدائم يتطلب الاستمرارية المتناقلة عبر الأجيال المتوارثة لكن العملية التحويلية للروح من القبلية الى لمدنية أو من الظاهرة الأعرابية إلى العربية توقفت بعد سيطرة الظاهرة الأعرابية على الفكر الإسلامي , حيث تمكنت بعد التقوقع في حياة الرسول والخلافة الراشدة إلى التموقع الريادي والسيطرة على الفكر الإسلامي فزادت خطورتها وعظم شرها بتصبغها بالصبغة الدينية ,فأصبح كل من حارب الروح القبلية يتهم بالزندقة والإلحاد والكفر وكل من ناد بالمدنية اتهم بالمروق والطاغوتية... 

واستلمت الأنظمة العربية مقاليد الحكم من المستدمر وواصلت مسيرته وطبقت حرفيا سيرته في إذكاء روح القبيلة وعدم التمكين للمدنية حتى يبقى المجتمع خادم أسير خانع خاضع , وأمام الانفتاح الإعلامي وتحول العالم إلى قرية صغيرة لم  يعد بمقدور الأنظمة العربية محاربة المدنية ولا منع قيام مجتمع مدني , لذلك عمدت إلى احتواء المجتمع وقيام مجتمع مدني شكلي , لا موضوعي , مجتمع مدني يحتوي على غرار المجتمعات المدنية المتحضرة على جمعيات ونقابات ومنظمات وأحزاب تدافع على الحرية والتعددية وعلى المساواة و الحقوق وتتعداها إلى الدفاع حتى على البيئة والحيوانات ...

لكنها منظمات ونقابات وأحزاب ببغائية تردد ما تقوله السلطة , لم توجد لممارسة الرقابة الشعبية بشقيها القبلية والبعدية على قرارات السلطة بل وجدت لأجل ترديد اسطوانة ما يقوله النظام ومباركته والإشادة بقراراته الحكيمة والصائبة والراشدة 

عمدت الأنظمة العربية إلى تأسيس إدارة غير رسمية لكنها مهيكلة وذات ميزانية , يشرف عليها النظام بصفة مباشرة ويوجهها الاتجاه الذي يكرس استمراريته هذه الإدارة غير الرسمية هي : المجتمع المدني

لقد افرغ المجتمع المدني من محتواه الموضوعي وحور عن هدفه ليتحول إلى لجنة مساندة وموافقة ومؤيدة في إطار استخدام النظام لروح القبيلة الاستخدام  الأمثل لها وتوجيهها التوجيه الملائم لخدمة مصالحه الضيقة على حساب المجتمع

حيث جعل النظام -شأنه شأن المستدمر من قبل – كل شخص يرى فيه محاولة جادة للقضاء على روح القبيلة في المجتمع إلى عنصر يشكل تهديد لوجوده فيعمل بالطرق الخفية والملتوية لوضع الصعاب والعراقيل في وجهه لأجل إلهائه أو تيئيسه أو تهوينه أو تخوينه أو تشتيته لأجل عدم بلورة فكرته ونقلها من عالم المثل إلى الواقع الحي كما فعل المستدمر الفرنسي مع مالك بن نبي وبعده النظام العربي

لقد عرف مالك بن نبي أن سر تخلف المجتمع هو تمكن الروح القبلية منه وان كشفت عن نفسها في مجتمع فقد لا تكشف عن نفسها في مجتمع آخر كالمرض قد يظهر في شخص وقد لا يظهر في شخص آخر وهو مسيطر عليه كليا وعلم أن الروح القبلية هي التي تفقد المجتمع مناعة  الفعالية للفكرة الدينية وأن الترياق لتحويل الروح من الحالة القبلية إلى الحالة المدنية يكون بتفعيل الفكرة الدينية اجتماعيا , فعمل المستدمر وبعده النظام العربي على جعل مالك بن نبي يعيش غربة ذاتية دفعته إلى حافة الوسوسة والتفكير في الانتحار ...

وان نجح بن نبي من الإفلات من الضغط الهائل والرهيب  للغربة الذاتية فان الوسط الاجتماعي لم ينجح ليكون مهيئا لإعادة تفعيل الفكرة الدينية اجتماعيا وتم الاكتفاء بالخطوة الأولى التي قامت بها جمعية العلماء المسلمين وهي حركة إصلاح المجتمع دينيا ولم يتعداها للخطوة الثانية وهي العمل على تفعيل الفكرة الدينية , وليت الأمر توقف في الخطوة الأولى , فقد علمتنا السنن الاجتماعية أن المجتمع الذي لا يتقدم هو في الحقيقة يتأخر , وقد تقهقر المجتمع على الخطوة الأولى وكأنه لم يخطوا أبدا بفضل سياسة النظام والمتمثلة في إفراغ الإصلاح الديني والتربوي من محتواه .

لنصبح أمام مجتمع مدني مظهري, شكلي , ورقي وهذا التحدي هو تحدي النخب التي آن الأوان لتقوم بدورها الريادي ,لقد أوجد النظام قطيعة بين المجتمع ونخبه و تم خلق غربة اصطناعية مفروضة على المجتمع من جهة وعلى النخبة من جهة وكل واحد من الطرفين يحمل الطرف الآخر المسؤولية , فالمجتمع يحمل النخبة المسؤولية المادية على هذه الغربة الاصطناعية والنخبة تحمل المجتمع المسؤولية المعنوية والنظام يتفرج على اتهامات المتبادلة بينهما ويؤيدهما معا ويزيد في الشقة التي بينهما

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق