]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سماسرة

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2014-04-21 ، الوقت: 16:38:13
  • تقييم المقالة:

سماسرة

 

        ضعنا وضاع كثير من الأشياء، ضاعت المعاني، وضاعت الأسماء، كنّا بوضوح نرى كلّ الأشياء، كان الوضوح سمة كلّ شيء، لكن أطفئت الأنوار فجأة، وساد الظّلام، وعمّ الصّمت، ولم نعد نرى حتّى أصابع أيدينا، لا نرى في العتمة إلّا العتمة، وتتضاعف من حولنا الظّلمة، وتزداد المسافات بيننا وبين الفجر، وتتراكم حولنا العتمة، ليلنا طال على الليالي الطّوال، ولم يعد هناك فرق بين أن نقفل عيوننا وأن نفتحها، صارت حركات الجفن مجرّد إجراء ينقلنا من فصل إلى آخر من فصول الظّلمة.

 

       عندما خفت الضّوء، بدأنا نتحسس موقعه، وتكوّمنا جميعا على مقربة منه، وعبثاً حاولنا التّوجّه نحوه، تحسسنا عينيه المفتوحتين، لمسنا برودته، يداه باردتان ،ورجلاه متجمدتان، تحسّسناه ولكن لا حراك فيه، لا فائدة منه ترجى، حاولنا بثّ الحياة فيه بلا جدوى، صرنا ننام ونفيق وهو يتسمّر في نفس المكان، لا يزيح جنبه ولا يبرح مكانه، مسجّى بثيابه القديمة، بدأت تفوح منه رائحة الموت، ما جدوى وجوده بيننا؟ آن لنا أن نحمله بصمت، ونواريه التّراب، ونعلن أنّه مات، ونتقبّل العزاء، فالميّت هو من يصبح وجوده وغيابه سيّان، وليس من يختفي عن الأنظار ويهجر المكان.

 

      طرقت الأبواب، وقرعت الأجراس، وتوافد المعزّون، بثيابهم السّوداء، يولولون ويذكرون محاسنه، لا تصدّق عويلهم، ولا نواحهم، ولا بكاءهم، فكلّهم غرسوا خنجرهم في جنبه، بحيث لم ينجو مكان في جسده من طعناتهم، إنّهم ممثلون بارعون يؤدّون أدواراً في مسرحيّة، لكن حذار أن تصدّق تلك المسرحيّة.

 

       سيتحدّثون عن مآثره، ويدبّجون خطباً عصماء، ويكتبون كلمات كثيرة؛ لأنّهم يحبّون الكلمات الكبيرة، سيحشدون الكثيرين، ويَبكون ويُبكون، وسيصفّق لهم الكثيرون، سيتاجرون بجسده ويبيعون ويشترون، فإياك أن تصدّقهم، هم قتلوه، ولو خيّروا في الظّلام بين عودته وعدم عودته لاختاروا موته ألف مرّة، كلّهم سيصعدون على جسده ليزدادوا ارتفاعاً عن الأرض، سيجفّفون دموعهم، وستعلو نبرة صوتهم، وسيصرخون، سيتظاهرون بالغضب والحزن والأسى، لا تصدّقهم، فحال خروجهم سيحتفلون بموته، وسيحتسون كأساً نخب روحه الطّاهرة.

 

      زمن الزّيف، وتزييف المشاعر والأحاسيس، والمتاجرة بكلّ شيء، وزمن التّمثيل ولعب الأدوار بإتقان ودقّة، وزمن المتاجرة بكلّ شيء، إنّهم سماسرة المبادئ وتجّار القيم فلا تصدّقهم.                                                         

 

                                                                                 عزيزة محمود خلايلة

                                                                                  مشرفة اللغة العربية

 

                                                                                مكتب التربية والتعليم

                                              Email : azizah_m2012@yahoo.com                          

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق