]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

مراحل تطور النظام العربي -4-

بواسطة: Hosni Al-khatib  |  بتاريخ: 2014-04-21 ، الوقت: 15:46:13
  • تقييم المقالة:

مراحل تطور النظام العربي -4-

مرحلة (1977-1982)

أولا: المحيط الدولي

بعد الإنسحاب الأمريكي من فيتنام ركزت الولايات المتحدة الأمريكية على إعادة التوازن إلى القمة الدولية، حيث بدأ هنري كيسنجر تنفيذ سياسة تقوم على دعامتين أساسيتين هما: 1-إضعاف الخصم السوفياتي وتشتيت جهوده السياسية والعسكرية،عن طريق إقتراب أمريكا من الصين بحذر. 2-إعادة ثقة أعضاء حلف الأطلسي والدول الصديقة لأمريكا بالزعامة الأمريكية، كما لم تكن قضية الشرق الأوسط تحتل مكانة ذات أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية بل إحتلت مكانة أهم قليلا في السياسة السوفياتية، ولكن عقب حرب 1967 برزت حركة أمريكية دأبت لتحقيق ثلاث أغراض رئيسية هي: 1-إنهاك السياسة الخارجية المصرية وراء سراب السعي لإنسحاب إسرائيل من الأراضي التي إحتلتها عام 1967.  2-القضاء على الوجود السوفياتي في مصر وإضعاف علاقة القاهرة بموسكو. 3-منع توحيد السياسات العربية حول هدف محدد أيا كان، بكافة الوسائل المتاحة لها ،بمعنى آخر هدفت السياسة الأمريكية إلى تحقيق إختراق كامل لمصر للقضاء على القيم الوطنية والقومية والإنجازات الإجتماعية، وبذلك تحرم مصر من الوصول إلى نقطة الثقة بالقدرات الذاتية حتى تظل دائما في حاجة أمريكا، ولم تختص أمريكا مصر بهذا الإهتمام فقط ولكنها حركت سياساتها في إتجاهات متعددة في النظام العربي، حيث إختار الإعلام الأمريكي شخصيات عربية لها أهمية في مواقعها وأبرزها عربيا ودوليا وأحاطها بهالات من العبقرية والذكاء والتحضر، ففي قطاع النفط والإعتدال السياسي وقع الإختيار على شخصيات كبرى من الجزيرة العربية،كما تم إختراق الساحة الفلسطنية بالإعلاميين الأمريكان وغيرهم من الغربيين لإبراز قيمة الإعتدال والإستجابة للمزاج الغربي في تسوية القضايا العربية ،حتى أنه جاءت مرحلة عانت فيها المنظمة من عدم المصداقية والتناقض وهذا كله كان له أعمق الأثر في مسار الأحداث في المنطقة والرأي العام العربي، وبخاصة في دول المواجهة.

كما عملت الولايات المتحدة على تحطيم الطاقة المعنوية التي إنبعثت من النفط بعد حرب أكتوبر، فإستغلت حداثة عهد العرب بالسوق العالمية ومناورات أسواق العملة، فسخرت رفع سعر النفط لتشغيل آبار هامشية في بحر الشمال وأمريكا وكندا،وربطت النفط بعملتها حتى تتحكم في إيداعاته وموازنات الدول الأوروبية وإحتياطات الدول المنتجة،كما ركزت على هدف نقل السيطرة على النفط من المنتجين إلى المستهلكين، وإستخدمت إمكاناتها في توجيه عائدات النفط وبخاصة في مجال المعونات العربية، حتى تستطيع توجيه العائد الإجتماعي والسياسي لمصلحتها، بالإضافة إلى هذا إستخدمت أمريكا وسيلتين لخلق نوع من التوتر في شبه الجزيرة العربية هما: 1-تكرار تسريب تقارير ملفقة عن وجود خلافات داخل نظم الحكم في دول النفط. 2-تركيز الدبلوماسية والإعلام الأمريكي على أخطار التهديد الداخلي والخارجي على منطقة الخليج وهذا جعل منطقة الخليج تتمنى إختفاء القضية الفلسطنية أو حلها وتسويتها بإعتدال.

كما وقد جاء تولي ريغان للرئاسة الأمريكية دليلا على تصاعد قوة المحافظين في أمريكا ،حيث وعد بإستعادة ثقة الشعب الأمريكي في مؤسساته التي إنتابها الضعف وعدم المصداقية في عهد نيكسون، فأقدم على إتخاذ إجراءات رئيسية في الإقتصاد والسياسة الخارجية والتسلح، ورفع حدة التوتر مع السوفيات، وكسر شوكة التمرد الأوروبي على القيادة الأمريكية للمعسكر الغربي،و قادة حملة إعلامية كبرى لتغيير صورة حرب فيتنام،كما دخل في معارك غير متكافئة مع دول صغرى مثل نيكاراغوا ولبنان،ولكن هذا التدخل أثبت فشله حدود القوة للدولة العظمى، ولكن كل هذه الإجراءات أكسبت ريغان شعبية كبيرة في أمريكا وأكسبت أمريكا قوة مضافة لردع الدول الصغرى، أما بالنسبة للصراع العربي-الإسرائيلي فقد إستمرت أمريكا بإتباع النهج الذي وضعه كيسنجر ولكن مع حذر وتردد شديدين، بالإضافة إلى مواصلة سياسة دعم إسرائيل وتأكيد تفوقها العسكري والسياسي والإقتصادي وذلك من خلال إتفاقات التعاون الإستراتيجي مثل إتفاقية إنشاء منطقة تجارة حرة، لفتح سوق واسعة للمنتجات الإسرائلية في أمريكا.

أما الإتحاد السوفياتي فقد كانت هذه الحقبة إمتحانا لقدراته وسياساته، فلم يستطع أن يحقق إنجازا ملموسا في نطاق تنافسه مع القطب الأمريكي في المنطقة العربية،فقد كان النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط يعتمد على مقومين رئيسيين هما:   1-المد القومي المناهض للإستعمار الغربي والولايات المتحدة بالذات. 2-العلاقات مع مصر،وبهذين المقومين إرتبط دخول السوفيات إلى المنطقة وإرتبطت بضعفهما وإنحسارهما عودة الولايات المتحدة إلى المنطقة على حساب السوفيات، ويلاحظ هنا أن السوفيات كانوا على عكس الأمريكان، فلم يبذلوا الجهد الذي يتناسب مع أهمية المنطقة العربية لا في دخولهم حيث تم دعوتهم للدخول ولا في خروجهم منها، حيث لم يستطعوا مواجهة الولايات المتحدة ومنعها من دخول المنطقة وذلك لضعفهم، وعلى الرغم من الموقف السلبي للسوفيات تجاه مشاريع وخطط الولايات المتحدة في المنطقة، حيث إتسم هذا الموقف بالركون إلى قناعات حتمية وأيديولوجية، فلم يحاول الإتحاد السوفياتي أن يسيء لمركزه في مصر على الرغم من طرد الخبراء السوفيات في عام 1972، بل إستمر في تزويد مصر بالسلاح ولكن عندما حاول الرئيس المصري أن يوازن بين سياستي التسوية السياسية مع الولايات المتحدة والإستعداد العسكري مع الإتحاد السوفياتي، بدأ السوفيات بتحذير الرئيس المصري من أخطار السلام الأمريكي، ورفض مسايرته في هذا الطريق، وتطور هذا الخلاف المستند إلى عدم الثقة بين القادة السوفيت والقادة المصريين، فقد تصور القادة السوفيات أن الرئيس المصري ينوي تعبئة الإمكانات السياسية المصرية في أفريقيا والوطن العربي بهدف مطارد السوفييت والإساءة لمنجزاتهم،بينما تصور الرئيس المصري أن الإتحاد السوفياتي يحاصر مصر في إفريقيا عن طريق زيادة نفوذه في ليبيا وأوغندا ومحاولة قلب نظام الحكم في السودان وعن طريق التمركز في قواعد ثابتة في إثيوبيا والقرن الإفريقي،كما قد كان لتشجيع السوفيات لسورية ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطنية على إتخاذ مواقف ضد مصر، وبخاصة بعد الإتفاقية الثانية لفك الإشتباك، تأكيد لإنطباع القيادة المصرية بأن الإتحاد السوفياتي يعمل لمحاصرة مصر عربيا وإقليميا وفي مناطق تعتبر ضمن صميم الأمن الوطني المصري وهي المناطق المتصلة بمنابع النيل وبالعمق الأفريقي لمصر.

وقد تزامنت معاهدة الصلح المصرية الإسرائلية وأصداؤها في المنطقة مع تراجع وضعف كبير للتأثير السوفياتي على المحيط الدولي، بإستثناء شهور قليلة خلال حكم أندروبوف، ومنذ تولي غورباتشوف للحكم عام 1985 إتسم السلوك السوفياتي بالحذر، وإتخذ وضع الدفاع في بولندا وأفغانستان والشرق الأوسط ،كما عمل على إعادة تقويم سياسته الخارجية في ظل النكسات المتعاقبة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي وعن جدوى الإستثمارات في دول العالم الثالث.

وبالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي تأكد خلال السنوات الأخيرة عمق المأزق السوفياتي فيه، حيث نجحت الولايات المتحدة في إبراز اللافعالية السوفياتية في مواجهة إنهيار قيم النظام العربي وتعقد الخلافات العربية وتصاعد تيار التبعية العربية للهيمنة الأمريكية، وكان واضحا أن الولايات المتحدة مستفيدة بدرجة أكبر بعد كل عمل عسكري إسرائيلي على دولة عربية فالعلاقات الأمريكية –العراقية تحسنت بعد تدمير المفاعل النووي العراقي، وتدعمت العلاقات الأمريكية التونسية بعد غارة إسرائيل على تونس، وتوالت محاولات منظمة التحرير الفلسطنية للتقارب مع الولايات المتحدة بالرغم من كل ما أصاب المنظمة من تدمير وإغتيال وإنعزال على يد إسرائيل والولايات المتحدة، أما الإتحاد السوفياتي فبالرغم من ثباته وثبات كتلته في أوروبا لمدة طويلة إلا أنه إستمر فاقدا لمعظم النفوذ الذي يستحقه في الشرق الأوسط.

أما دول أوروبا الغربية فقد جاءت حرب أكتوبر وإرتفاع أسعار النفط، لتضعف من مكانتها الدولية وهي المكانة التي كانت دول السوق الأوروبية تسعى لتعزيزها، وذلك بسبب تحول الولايات المتحدة من موقف السلبية الداعم للإحتلال الإسرائيلي إلى موقف الإيجابية الهادف إلى تصفية مصادر القوة العربية الناشئة،وهذا كله وضع أوروبا الغربية في موقع مواجهة مع أمريكا لم تكن بعد قد إستعدت لها، لأنها كانت أكبر المتضررين من إرتفاع أسعار النفط (أي أكثر من الولايات المتحدة) ولذلك إضطرت أوروبا تحت ضغط الولايات المتحدة إلى تقييد آفاق الحوار العربي الأوروبي وكان شرط أمريكا لإستمرار الحوار هو عدم التوصل إلى إتفاقيات بين المجموعتين حول النفط وحول أزمة الشرق الأوسط وبخاصة موضوع فلسطين أما البلدان العربية النفطية فلم تكن متحمسة أساسا للحوار وكانت غير مستعدة لأن تواجه الضغط الأمريكي على أوروبا بحوافز عربية لأوروبا ،سواءا على صعيد النفط أو إستثمار الودائع، وبذلك لم تعطي أمريكا أو العرب لأوروبا الفرصة لكي تطور موقفها من القضايا العربية إلى موقف عملي، وخاصة عندما شعرت هذه الدول منذ البداية أن البلدان العربية صاحبة النفوذ سواء أكانت نفطية أم أقطار مواجهة مع إسرائيل، مشغولة كليا بالمجهود الأمريكي الهائل في المنطقة، كما شعرت أن أمريكا جادة في عزل النفط عن السياسة العربية وتخفيف التوتر في المنطقة، وإتضح لها أيضا أن المال العربي يتجه لخدمة المصالح الأمريكية ليس فقط في الوطن العربي بل أيضا في أفريقية والعالم الثالث على حساب المصالح الأوروبية، كما وجدت أن الأقطار العربية النفطية ترحب بالعلاقات التجارية على المستوى الثنائي وتفضلها على المشاريع الجماعية التي كانت أساس الحوار العربي الأوروبي، ودليل ذلك عندما تخلت دول مجلس التعاون الخليجي على الحوار العربي الأوروبي ودخلت في منتصف الثمانينات في حوار خليجي أوروبي منفصل تماما عن الحوار العربي الأوروبي .    

ثانيا: النظام العربي

في مقدمة خصوصيات النظام العربي هو الخلط بين الإمكانات وبين الإرادة التي تستخدم هذه الإمكانات، وهو الخلط الناتج عن الدور الذي يلعبه الرأي العام العربي عبر الحدود السياسية لدول النظام وهو الدور المرتبط بالشرعية القومية للنظم السياسية الحاكمة، وهذا يفسر لنا الكثير من تفاعلات النظام التي أدت في جملتها إلى الإنحراف عن الخط القومي في نهاية الحقبة، فحين دخل النظامان السوري والمصري الحرب وحققا الإنتصارات الأولى، لم يحاول أي منهما أن يعلن عن أهدافه المحدودة من هذه الحرب ولذلك عندما حدثت الإنتكاسات على الجبهتين في الأيام الأخيرة للحرب، لم يتأثر الرأي العام العربي بها ولكنه تأثر عندما إكتشف قبول النظامين الدخول في إتفاقات لفك الإشتباك على الجبهتين، وهنا تعرض التضامن العربي الذي سبق الحرب إلى صدمة، وبدأت الخلافات تظهر على سطح العلاقات العربية، فإتخذت كل من ليبيا والعراق مواقف تستند إلى الشرعية القومية وإتهمتا النظامين المصري والسوري بالخروج عنها وحصل هذا كله لأن النظامين لم يحددا أهداف حربهما، وهذا أدى إلى إنقسام جبهة المتحاربين ، كما أن الأقطار العربية النفطية إستجابت لنداء المتحاربين وخضعت للمشروعية القومية ولكنها أيضا لم تعلن أهداف خطواتها في مجال النفط بالشكل الذي يسمح لها بالتراجع في الوقت المناسب وبالشكل المقبول، وهذا ماحصل فعلا حيث تسرب الظن إلى الرأي العام العربي أن الغرض من الفعل النفطي لم يكن التأثير على مسار الحرب بقدر ماكان إستغلالا للحرب لرفع السعر، وعلى الرغم من ذلك فإن النفط العربي بما أثبته من فاعلية وما أصابه من إرادة سياسية، قوى الأمل بأنه يمكن أن يحقق للأمة العربية ما لم يحققه بالشكل الواجب الفعل العسكري، بل وتحول هذا الأمل مع الوقت إلى توقعات بالغت في قدرة النفط، وفي قوة الإرادة السياسية العربية وبذلك تحمل النفط مسؤليتين كبيرتين هما: 1-مسؤلية تجاه العالم الخارجي لفرض ضغوط على إسرائيل للإنسحاب من الأراضي التي إحتلتها. 2-مسئولية تجاه الوطن العربي والتي تتفرع إلى ثلاث إتجاهات: أ-إعادة تسليح وتدعيم قوة الأطراف المحاربة. ب-التنمية العربية الشاملة. ج-تدعيم التضامن العربي في إطار قومي مستقل أي ربط النفط بالمشروعية القومية.

ولكن لم ينجح النفط في تحمل هذه المسئوليات لأسباب متعددة منها: 1-هجمة الولايات المتحدة الدبلوماسية ضد المنطقة وضد النفط بوجه خاص. 2-الإنخفاض التدريجي للدول الغربية في الإعتماد على النفط العربي. 3-زيادة إعتماد بلدان النفط العربية على الدول الغربية. 4-عدم وجود سيطرة من البلدان المنتجة للنفط على شبكة التوزيع، مما أضعف نفوذ هذه البلدان على الأسواق. 5-تحقيق الوكالة الدولية للطاقة التي سعى كيسنجر لإنشائها نجاحا باهرا. 5-ظروف الكساد في العالم الصناعي.

وبسبب أن النفط العربي إرتبط في أذهان السياسيين الغربية بلحظة قومية معينة، فعرفوا أنه مجرد ظاهرة مرتبطة بحدث أو ظرف،وأنه ليس متغيرا أساسيا طويل الأمد في التفاعلات الدولية، وكان هذا صحيح فقد عاد النفط العربي مجرد نفط أي سلعة بلا مضمون أو وزن سياسي، وبذلك فقد النفط العربي نفوذه السياسي الدولي في وقت مبكر ولكنه تمكن من أن يفرض على المنطقة سلوكيات سياسية وأنماط إجتماعية خاصة به وبطبيعته كمورد قابل للنضوب،وفرض الشعور ببشاعة الفقر وعمل على تكبيل الحريات وضرب الديمقراطية وتدعيم التيارات المتطرفة، وبذلك أضعف الفكرة القومية في النظام العربي ولم ينجح في وضع فكرة محلها تضم أهداف وتطلعات هذه الأمة.

ولكن مع كل الآثار التي أحدثها النفط في المجالات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية في الوطن العربي، إلا أنه لم يتمكن من توجيه توازنات القوة في النظام بالشكل الذي يتناسب مع الآثار التي أحدثها، بحيث أنه هدم قواعد السلوك السياسي العربي ولم ينسج شبكة لقواعد جديدة تلم البعثرة وتحدد الأهداف الجديدة. ولذلك وتحت تأثير التغيرات السلوكية التي أحدثها النفط بولغ في تقدير قوة السعودية سواء قوتها داخل النظام أو قوتها الدولية،كما بولغ أيضا في بدايات تحالف مصري إيراني سعودي وبولغ في تصوير إحتمالات ممارسة السعودية للنفوذ في أمريكا و في قوتها داخل العالم الإسلامي، وإتضح فيما بعد أن كلا من السعودية ومصر قد تعرضتا لحملة تفخيم وتعظيم للقدرات، قادتها أجهزة إعلام غربية وشاركت فيها الدبلوماسية الأمريكية وهذا أدى إلى نشأة هوة عميقة بين القدرات والنفوذ الفعلي، وهو الأمر الذي إكتشفته مبكرا القيادات في البلدين ولكن بعد ما تمت البعثرة في النظام العربي، فإتجهت مصر للإنعزال والعمل الفردي، أما السعودية فتقوقعت داخل محيطها الإقليمي في الجزيرة العربية، وعندما إكتشفت سورية هذه الحقيقة إنطلقت تمارس نفوذا على دائرتها الإقلمية وفي لحظة معينة شعرت معظم الأطراف بالعجز وبضرورة تحميل الدول العظمى مسئولية حل مشكلات النظام العربي وحماية أعضائه، وتسهيل إختراق القمة الدولية لجميع تفاعلات النظام وهذا يعني التسليم بما صرح به أحد المسئولين الأمريكان من أن (العرب لا يملكون النفط إنما يقعدون فوقه).

وبما أنّ مصر تعتبر نقطة الإرتكاز الطبيعية للعالم العربي والجسر الموصل بين إفريقيا الشمالية وأسيا وأنها تمتلك لتقاليد القيادة اللازمة، بفضل تعداد شعبها وقدراته، ظهرت أهداف الولايات المتحدة في مصر في الفترة التي عرفت بالفترة النفطية، فقيام إسرائيل في الأساس كان عملا من شأنه تدمير هذا الجسر حين سدت المنافذ البرية بين مصر وسائر عرب الشرق، ولكن عندما جاء المد القومي،أعاد بناء الجسر على أسس أقوى من أسس الإتصال البري، فجرت عدة محاولات لتدمير هذه الأسس الجديدة بحرب 1956 وبالحصار الإقتصادي وبالحلف الإسلامي وبالدعوة البورقبية للتعايش مع إسرائيل وبحرب 1967 وبجهود متواصة لجر مصر للتفاوض المباشر مع إسرائيل،ومن ثم تغيرت القيادة المصرية وتفجر النفط وهذا أدى لتبعثر النظام العربي.

ولكن مصر إتخذت عدة إجرءات وسياسات من شأنها أن تؤدي إلى فقدان تقاليد القيادة منها وأهمها: 1- ضرب الفكر القومي في مصر ومطاردته. 2-قامت السلطة بتشجيع القيادات الإسلامية المتطرفة لمحاربة التيارات القومية واليسارية بين الشباب. 3-فرضت تعتيما شاملا على كل الإنجازات القومية في السياسة المصرية. 4-تشجيع السلطة على القيام بحملات إعلامية وسياسية مضادة للفكر القومي وشن هجوم عليه من عناصر إنعزالية،وذلك بالتركيز على خسائر مصر بسبب مواقفها وسياساتها العربية.5- صورت حروب مصر مع إسرائيل على أنها حروب فرضتها هذه المواقف والسياسات وأنها أغفلت مصالح مصر لمصلحة الفلسطينيين، وقد كانت هذه الحملة ضمن إطار أوسع تستغل المشكلة الإقتصادية المتفاقمة وتنشر صورة بديعة عن مزايا ترضية الولايات المتحدة والسير في ركابها، وقد ساعدت على فعالية هذه الحملة الحوافز المادية والمهنية التي أغرقت بها الولايات المتحدة وأقطار النفط على المجتمع الثقافي في مصر، والتضخم الذي ضيق الخناق على الكثيرين، وتدفق السلع الإستهلاكية، وتعدد مزايا ومنافع الإرتباط بالسلطة وبالطبقة الجديدة التي إنبعثت عنها أو إلتفت حولها، فإنحدرت القدرات الشعبية المصرية موضوعيا وذاتيا، إذ إنها في ظل إنفجار الثروة في الأقطارالنفطية برزت شدة حاجتها إلى العمل وإبتعادها عن ممارسة العمل السياسي أو على الأقل القبول المؤقت بالواقع العربي أملا في أن تبرز متغيرات جديدة تبدل الواقع.

أما القيادة السياسية المصرية وقد قررت أن تبتعد عن موقع القيادة العربية وتترك الساحة دون بديل قادر على القيادة، فقد وجدت نفسها متمتعة بغطاء إعلامي وسياسي غربي عوضها عن فقدانها القيادة العربية، إذ تعمدت الدبلوماسية الأمريكية  تضخيم صورة الرئيس المصري كقيادة على مستوى مختلف عن القيادات العربية الأخرى، وركزت على الجانب الحضاري في الثقافة المصرية في مقابل التركيز على الجانب المتخلف في الثقافة العربية ، وقد وجدت هذه الصيغة وهذا التضخيم قبولا متزايدا لدى الرئيس المصري، لأسباب تتعلق بمقومات الشخصية والنفسية وبتاريخ قبل وأثناء الثورة المصرية، كما أنه سمح لعدد من المقربين إلية بفتح قنوات ضغط مباشرة بعيدا عن مراقبة المؤسسات والتيارات الأخرى في المجتمع، وكان هدف هذه العناصر تشجيع ميل الرئيس للإنعزال الشخصي عن بقية أجهزة صنع القرار والإنعزال بمصر عن زخم التفاعلات العربية.

ولكن إنفجر فقر مصر في صورة ثورة شعبية عمت كل المدن الكبرى في مصر ،وكان ذلك نتيجة للعناصر التالية: 1-سوء الوضع الإقتصادي. 2-الحملة الإعلامية الكاذبة عن الرخاء المنتظر بعد الحرب. 3-التضخم الناتج عن الإرتفاع في الأسعار، وإنفاق سياح النفط والطبقة الجديدة في مصر. 4-البلبلة التي كان يعيش فيها الفكر السياسي والإجتماعي. 5-إنعزال الرئيس المصري. 6-تضخم المديونية المصرية. 7-تركيز الإعلام المصري على المعاملة غير اللائقة التي عومل بها المفاوضون المصريون في بلدان النفط.8- الشروط المجحفة المرتبطة بالقروض والمعونات.9-سلوك الرئيس الشخصي والعائلي وإنغماسه في الإعلام الغربي وإنعزاله عن المجتمع المصري، وكان كل ذلك هو المفجر الذي ألهب خيال القيادة المصرية للإسراع في تأصيل كل هذه العناصر السلبية في شكل قواعد وفلسفة متكاملة للنظام، معتبرة أن إنفجار هذه الثورة الشعبية يعود إلى إتخاذ النظام خطوات جزئية وخجولة وأن الحل يكمن في مبادرات أكبر ضمن الإطار نفسه.    

ثالثا: الصلح المصري -الإسرائيلي

إن المدخلات التي دفعت الرئيس المصري إلى إتخاذ قرار زيارة القدس وإلقاء خطاب في الكنيست الإسرائيلي،هي إدراكه وتفهمه للظروف الدولية التي أحاطت بمصر والوطن العربي، مرورا بأوضاع النظام العربي وأحوال مصر الداخلية وإنتهاءاً بالمكونات الشخصية للرئيس المصري، حيث كان طموحه منذ الصغر أن يكون مشهورا،ولم يكن يسعى للبطولة في حد ذاتها بل كانت تمثل له وسيلة لتحقيق الشهرة،وكان هذا الطموح الظاهر للرئيس المصري هو ما سمح لأجهزة الإعلام الغربية بأن تصبح متغيرا سياسيا في عملية صنع القرار المصري، لأنها خلقت للرئيس المصري صورة تتماشى مع طموحاته، ودفعته إلى الإقدام على إتخاذ القرارات والسياسات التي تنسجم مع هذه الصورة، ولا شك أن إختياره لتعدد الأحزاب ولبعض مظاهر الليبرلية كان لإرضاء الإعلام الغربي ولم يكن صادرا عن إقتناع أو تبدل في المبادئ السياسية التي كان يعتنقها، بدليل أنه لم يسمح بالتعددية في عملية صنع القرار السياسي بل إحتكرها إحتكارا كاملا ولم يترك للمؤسسات الحكومية أو الشعبية سوى المشاركة المظهرية أوالمشاركة ما بعد الحدث،كذلك إتسم السلوك الذاتي للرئيس منذ شبابه بالتطرف والمبالغة ووحدة المزاج وتبدل المواقف، فقد إنشغل في فترة شبابه بأعمال العنف السياسي وتعددت خلالها مواقفه وتحالفاته المتناقضة، وعلى الصعيد العربي- الإسرائيلي عرف عنه تصلب مواقفه، فقد صرح في مرات متتالية أنه يستبعد قيام صلح في الأجل القصير وكان آخر هذه المرات قبل زيارته للقدس بأشهر قليلة، كما إعتمد في معظم الأوقات على التحليلات الغربية للأوضاع السياسية الدولية، وتأثرت معظم قراراته السياسية بتقلبات مزاجه الحار وبميله المستمر لمفاجأة من حوله بقرار أو آخر،ومن خلال هذه الشخصية تشكل إدراك الرئيس المصري للبيئة المحيطة به، فبدأ الإتحاد السوفياتي في صورة مختلفة تماما عن الصورة التي قدمها الرئيس المصري للشعب سابقا، وفي أعوام قليلة جعل منه العدو الأول لمصر مقدما بهذا التقلب المفاجيء في الموقف تضحيات كبرى تحملها الإقتصاد المصري، والعكس فعله مع أمريكا إذ تصور أن حل مشكلتي مصر الداخلية والخارجية يوجد في واشنطن وأنه لكي يصل إلى هذا الحل يتعين على مصر أن تتخذ موقف المواجهة الحادة مع الإتحاد السوفياتي وأن تتزعم حمل مطاردته وإزالة نفوذه في المنطقة العربية وأفريقيا، وأن تنبذ مصر طريق المواجهة مع إسرائيل وتخطو خطوات نحو التقرب إلى مجموعات الضغط الصهيونية في أمريكا، وأن تقف معارضة للنظم العربية غير المعتدلة في الوطن العربي، وأن تقترب أكثر من النظم التقليدية والمحافظة، وأنه يتعين على مصر أيضا أن تجتث تراث ثورة 23 تموز و بخاصة في قطاعاته القومية والإجتماعية، وأن تشكك في قدرة القطاع العام على تحمل مسئولية الإقتصاد المصري، وأن يكتسي النظام المصري السياسي بمسحة ديمقراطية تتماشى مع موجات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، وأن تفتح أبواب مصر على مصراعيها لإستقبال الغرب نفوذا وثقافة وشخصيات ومناهج فكر وإعلام وتنشئة إجتماعية وسياسية،كما تسرب إلى إدراك الرئيس المصري أن حرب 1973 كانت أقصى مايستطيع العرب أن يقدموه في ساحات المعارك مع إسرئيل، وأنها آخر حروب هذا الجيل، بخاصة عندما إكتشف في عام 1977 حجم الهوة بين مصر وإسرائيل في مجال السلاح وفشله في سياسة تنويع مصادر السلاح، كما أدرك أن المال النفطي غير مستعد لأن ينقذ مصر من محنتها الإقتصادية وأن شروطه تشتد تعسفا،وأنه لكي تحصل مصر على حاجاتها من العون العربي يجب أن تصبح قاعدة أساسية للنفوذ الأمريكي في المنطقة العربية،كما أن مصر لا يمكن أن تكون شريكا لسورية في مواجهة جبهة النفط والمال، لأن هذه الشراكة تفترض إنتهاج سياسة معادية لأمريكا،كما شعر الرئيس المصري أن سورية بعد أحداث لبنان صارت تتمتع فعليا بحق الإعتراض في السياسية العربية وأن دورها العربي سوف يسبب إرتباكا لأي محاولة لتجميع الصف العربي وراء سياسة مصرية أمريكية،و في الوقت نفسه تصور أن منظمة التحرير الفلسطنية لن تقف إلى جانبه بسبب علاقاتها مع سورية وبسبب إختلافها مع الخط السياسي المصري، كما أدرك أن الأردن إختار أسلوبا في السياسة العربية يضمن له حصة في المال النفطي وأمناً مع الأقطار العربية الصاعدة في النفوذ كسورية والعراق، وفي ظل هذا الإدراك لتفاعلات النظام العربي، كان من الطبيعي أن يجد نظام الشاه في إيران حيزا متسعا في تفكير الرئيس المصري، إذ كانت القرارات والسياسات المصرية تخدم أهداف الشاه في ضرب الحركة القومية العربية والثورة الإشتراكية والنفوذ السوفياتي وفي إختراق النظام العربي بالوصول إلى تحالف مع قاعدته الأساسية في مصر.

كما قد دعم السلوك العربي خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت زيارة القدس، المقومات المختلفة لإدراك الرئيس المصري للبيئة الدولية والعربية، فالعلاقات الأمريكية السوفياتية كانت في تحسن مستمر ولم تعد أمريكا تمانع في أن يلعب السوفيات دورا في تسوية مشكلة الشرق الأوسط، وذلك يعني أن السوفيات سوف يدعمون النفوذ السوري على مصالح النظام المصري في تحقيق إنسحاب سريع من سيناء، كذلك شعر الرئيس المصري أن سورية عادت تضع العراقيل أمام إنعقاد مؤتمر جنيف بالإصرار أحيانا على تشكيل وفد موحد، وهذا يدل على عدم توافر الثقة في نية النظام المصري للوصول إلى تسوية شاملة عن طريق جنيف.

أما عن إدراك الرئيس المصري للموقف الداخلي في مصر، فقد لعب دورا حاسما في قرار الزيارة، فلقد عرف السادات أن حرب أكتوبر أكسبت نظامه شرعية جديدة، ولكنها لم تكن كاملة لأنه كان عليه أن يواجه عقب الحرب مباشرة أزمة إقتصادية عنيفة، وكانت وسيلته في المواجهة هي إنفتاحا إستهلاكيا وحملة إعلامية شاركت فيها أجهزة الإعلام الأمريكية فأدت هذه المواجهة إلى رفع توقعات الغالبية العظمى من الشعب المصري إلى حدود غير مألوفة، كما أدت عوامل دولية أخرى إلى تضخم نقدي وإرتفاع في تكاليف المعيشة وإختلال في التوازنات الإجتماعية،وهذا كله أدى في يناير عام 1977 إلى إنفجار الشارع المصري إنفجاراً عنيفا،وتصور الرئيس المصري في ذلك الوقت أن قوى سياسية إنتهزت المسحة الديمقراطية وسوء الأحوال الإقتصادية وعودة المشكلة المصرية الإسرائلية إلى الجمود، لتحرض فئات معينة من الشعب للقيام بإنتفاضة ضد النظام وأنه هو المستهدف الرئيسي منها، وبالسرعة اللازمة ألقى المسئولية على الحكومة والمعارضة وبدأ بإتخاذ إجراءات كفيلة بالحد من الحريات المسموح بها للإحزاب، وتولى بنفسه مهمة التوجيه الإعلامي وإزالة آثار هذه الإنتفاضة عن صورته الدولية، ولكنه لإزالة هذه الآثار إحتاج إلى فعل كبير يجدد فيه أمل الشعب المصري في نهاية قريبة للمعاناة الإقتصادية، ويعيد نفسه إلى صدارة القادة السياسيين ورجال الدولة المشهورين، وبما أنه كان متأثرا في هذا الوقت برؤية الشاه السياسية لتطور العلاقات بين القطبين وإحتمالات تطور النظام العربي، وبإنطباعات الشاه عن إتصلاته مع بعض القادة الإسرائيليين، وبعدائه لمنظمة التحرير الفلسطنية،وفي هذا الوقت بالذات كانت المغرب ورومانيا تسعيان بعلم وتشجيع مصر للإتصال بإسرائيل، لبحث مدى إستعدادها لبدء إتصالات مباشرة أو شبه مباشرة مع مصر، وكذلك بدأت في نفس التوقيت أمريكا ببعث إشارات للقاهرة، بأن الإتفاقية الثنائية لفك الإشتباك في سيناء تعتبر أقصى حد تسمح جميع متغيرات الصراع بأن تصل إليه جهود التسوية،وأنه لا أمل في تحريك هذا الحد إلا بعمل كبير على صعيد التسوية تقوم به مصر ويكون منسجما مع صورة الرئيس المصري لدى الرأي العام الأمريكي،كزعيم قادر على تغيير الواقع،و لهذا ففي تاريخ 20/11/1977 وصل الرئيس السادات إلى مطار بن غوريون وسط أكبر إستقبال إعلامي عرفه الإعلام الأمريكي خاصة والغربي عامة، وبعدها وفي 17/09/1978 وقعت كل من مصر وإسرائيل وأمريكا على إتفاقية كامب ديفيد، وفي 26/03/1979 تم التوقيع في واشنطن على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فكانت هذه علامة جديدة تضاف إلى علامات سابقة على طريق الهجمة الشرسة على الأمة العربية      


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق