]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مراحل تطور النظام العربي -3-

بواسطة: Hosni Al-khatib  |  بتاريخ: 2014-04-21 ، الوقت: 15:44:09
  • تقييم المقالة:

 مراحل تطور النظام العربي -3-

مرحلة الإنحسار القومي (1970-1977)

لقد شهدت هذه المرحلة في أغلبها تحولات مهمة في النظام الدولي، أهمها بداية الوفاق على مستوى القمة، وبروز القوة الإقتصادية الأوروبية واليابنية ،وظهورالأزمة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة بسبب حربها على فيتنام، وفضيحة ووترغيت، وأزمة الديمقراطية والتخلف التكنولوجي النسبي في الإتحاد السوفياتي، ومحاولات إدخال الصين طرفا في القمة الدولية،وحل السيولة الدولية الناتجة عن تداخل وتفاعل هذه التحولات،بالإضافة إلى أنّ الشعور الذي ساد في دول العالم النامي في هذه الفترة أن التوافق بين القطبين إذا تحقق فسيكون على حساب مصالحها وأهدافها.

فقد كان للإتحاد السوفياتي مصلحة كبرى في أن تكون له علاقات قوية مع أكبر عدد ممكن من الأقطار العربية وقد سلك في تحقيق ذلك طرقا عدة، فمع مصر عمل على تأييد ودعم خطتها للتنمية والدفاع عنها ضد الإعتداء الخارجي، ولكن بعد هزيمة 1967 بدأت القيادة المصرية تشعر بتصلب متزايد من السوفيات خصوصا في عمليات شراء السلاح ،وقد بلغ هذا التصلب أوجه مع تغيرالنظام المصري عام 1970.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فكانت قد وضعت لنفسها ثلاث أهداف رئيسية بدأ السعي لتحقيقها قبل حرب 1967 وهي: 1-ترويض العناصر الثورية في النظام العربي ومن ثم تطويع النظام بأسره. 2-إضعاف النفوذ السوفياتي في المنطقة العربية. 3-ضمان تدفق النفط بكميات وبأسعار تناسب الظروف الأمريكبة .

ولقد إكتسب النظام العربي خلال هذه المرحلة أرصدة إيجابية كبيرة نتيجة إحساس العالم بأهميته الإقتصادية، فأصبح الأمريكان والسوفيات والأوروبين يتنافسون على لعب دور سياسي في المنطقة، للسيطرة على منابع النفط والحصول على أسواق لأسلحتها.

-نمط الإمكانات

بشكل عام زادت الإمكانات الإقتصادية الكلية للمنطقة العربية في هذه المرحلة زيادة ضخمة، بفضل إرتفاع أسعار النفط والتي قفزت قفزة واسعة بعد حرب أكتوبر،و يلاحظ أن الزيادة جاءت في إمكانات الدول النفطية فقط ،ولكن النظام العربي كسب رصيدا هائلا في تفاعلاته الخارجية مع النظم الدولية الأخرى بسبب الطفرة الهائلة في الإمكانات الإقتصادية للدول النفطية العربية لأن هذه البلدان هي جزء منه، ولأنها ترتبت على حرب شنت بإسم النظام ككل على عدوه التقليدي، فالزيادة هنا جاءت نتيجة عمل قومي، ولكن هذه الزيادة خلقت هوة كبيرة بين أقطار الوطن العربي، حيث أصبحت الدول النفطية أكثر ثروة وثراء بينما بقيت الأقطار الأخرى على فقرها وعوزها،كما أن هذه الزيادة الهائلة في الإمكانات الإقتصادية للنظام العربي تسببت مباشرة في إحداث تحول جذري في النظام لأنها ألقت بعبء التنمية القومية وعبء مواجهة النظام الدولي بإسم النظام العربي، على البلدان النفطية التي لم تبد حماسة في السابق لهذه المهمة وبعضها قاوم الفكرة القومية وحاول هدمها لأنها طغت على غيرها من الإمكانت الكلية.

أما من ناحية إمكانات الأطراف الرئيسية في النظام فقد إستمرت القيادة المصرية خلال جزء من هذه المرحلة في إستخدام رصيدها السياسي، وكان هذا العامل الأساسي الذي حافظ على إستمراريتها في الحكم وساعدها على إعادة البناء العسكري ولكن هذا الإستنزاف المستمر أضعف كثيرا من الدور المصري في النظام العربي، وإستمر التدهور الإقتصادي لمصر نتيجة التعبئة العسكرية التي كانت في أوجها حتى حرب 1973 ، ووقف التوسع في المشاريع الصناعية وسوء أحوال المرافق الأساسية،ولكن هذه الإمكانات العسكرية تدهورت عقب حرب 1973 بسبب إسقاط خيار الحرب والتركيز على سياسة إسترداد الأراضي المحتلة بالطرق السلمية بالإضافة إلى إبراز ضخامة نفقات الحرب وآثارها المدمرة على الإقتصاد المصري .

في سورية فقد زادت الإمكانات العسكرية فيها بشكل ملموس، على الرغم من بعض التأثير السلبي الناتج عن الدور السوري في لبنان، كما تناقصت الإمكانات السياسية بسبب خلاف البعثين في العراق وسورية ،والصدام مع الفلسطنيين، وعدم الثقة المتبادلة بين القاهرة ودمشق، وتصاعد حدة المشكلات الداخلية في سورية.

أما العراق فقد زادت إمكاناته الإقتصادية والعسكرية زيادة ملحوظة، على الرغم من وجود المشكلة الكردية، وإستمرت الزيادة التدريجية في الإمكانات الإقتصادية في أقطار الجزيرة العربية حتى نهاية 1973 ،حيث تضخمت هذه الزيادة في طفرة واحدة ،كما إزدات إمكانتها العسكرية وبخاصة في مجالات الأسلحة المتقدمة،أما أقطار المغرب العربي فقد إزدادت إمكاناتها الإقتصادية والعسكرية بشكل عام وخاصة في ليبيا والجزائر .

ولقد أكتسب النظام العربي طاقة مضافة إليه حين أصبحت منظمة التحرير الفلسطنية طرفا فاعلا ومؤثرا في تفاعلات النظام الداخلية وتفاعلاته مع المحيط الدولي، وإكتسب النظام العربي إضافة أخرى حين تغيرت القيادة الليبية التي نقلت النظام العربي نقلة كبيرة، لأنها أدخلت المغرب العربي لأول مرة إلى بؤرة تفاعلات القلب العربي، وإكتسب إضافة ثالثة حين شعرت الكويت بأن إنسحاب مصر التدريجي من مجالات النفوذ والتأثير في منطقة الجزيرة والخليج العربي، سيجعل الكويت في موقف إستراتيجي دقيق بين السعودي وإيران والعراق،ولكن القيادة الكويتية وجدت البديل في ضرورة تأكيد قدرتها على التأثير الإيجابي في التفاعلات العربية،كما إكتسب نظام الطاقة العربي سياسة كبيرة، نتيجة للإرتفاع المفاجيء والتضخم في أسعار النفط، حيث زادت الودائع المالية العربية في السوق الرأسمالية العالمية وزادت القدرة الشرائية العربية ،كما إكتسب النظام طاقة عسكرية هي الأكبر في جميع مراحل تطوره ولكن كل ذلك لم يجعل النظام يحقق درجة مناسبة من درجات الفاعلية السياسية في تعامله مع دول العالم الأخرى ،لأن الطاقات التي توافرت للنظام ككل لم تجد القيادة التي تستطيع تشغيلها أو الإطار الفكري الذي ينظمها، وهذا كان من شأنه أن يشتت تفاعلات أي نظام ويضعف من إرادات أعضائه في مواجهات الإرادات الخارجية.

-نمط السياسات

مما يدعو للإنتباه في هذه الفترة أن حرب 1967 لم تنشب آثارها السلبية في النظام العربي إلا بعد مرور وقت غير قصير،وتعتبر هذه الحقيقة رصيدا يحسب للنظام العربي الذي إستطاع أن يصمد في مواجهة هذه الضربة القاتلة، وإن إشاعة الإضطراب والفوضى داخل النظام العربي إحتاجت إلى ما هو أكثر من هذه الحروب، وهو تفتيت الإرادة الكلية للنظام وضرب القناعات الأساسية للرأي العام العربي ونقل التناقضات الفرعية إلى قمة النظام .

فمصر سارعت إلى إمتصاص آثار الهزيمة، وذلك عن طريق الدعوة لإجتماع قمة الخرطوم وذلك للمحافظة على النظام العربي من الإنهيار تحت وطأة نتائج الحرب وتجميد التناقضات والخلافات العربية،كما قامت القيادة المصرية بدعم منظمة التحرير الفلسطنية، وإعتبار تغير النظام في ليبيا والسودان مؤشرا على تجدد الأمل في النظام العربي وحيويته وقدرته على إمتصاص الضربات الخطيرة،كما لم تيأس من فشل محاولاتها في إحياء الجبهة الشرقية في قمة الرباط عام 1969،وهذا كله سمح لمصر بإعادة بناء إمكاناتها العسكرية، ومسايرة أمريكا ظمن إطار واقعية تكتيكية.

أما السعودية وقد تعلقت عليها الأنظار في هذه المرحلة بإعتبارها القوة التي تستطيع بفضل ثرائها وتصاعد التيار المحافظ فيها أن تتولى قيادة النظام العربي، وعلى الرغم من ذلك فإن السعودية مارست نفوذا ولكنها لم تمارس قيادة، وقد تعرضت في هذه المرحلة لضغط الظروف والتطورات التي تجاوز بعضها خبرة السعودية في السياسة الخارجية، مما إضطرها لإستخدام نفوذها لمنع أطراف النظام العربي من تحميلها منفردة مسؤلية القيادة، وفضلت أن تكون قضايا النظام الرئيسية محل حوار وقرارات جماعية،وكانت أهم الركائز التي إستندت إليها السياسة الخارجية السعودية في هذه المرحلة هي:       1-توسيع دائرة المصالح الحيوية السعودية وتطوير مفاهيم الأمن السعودي. 2-المحافظة على التضامن العربي. 3-إباحة الإجتهاد في وسائل وطرق تسوية الصراع العربي-الإسرائيلي. 4-محاربة الشيوعية ودعم النظام الرأسمالي العالمي.

أما سورية فقد مثلت دائما و في جميع مراحل النظام العربي قوة مضافة للبلد العربي الذي تتفاهم معه، وخصما على نفسها إذا عملت منفردة،وسبب ذلك أنه من الناحية العسكرية تمثل سورية جبهة مواجهة معرضة دائما وبسهولة للتهديد الإسرائيلي،وإن حمايتها الوحيدة تكمن في توافر عمق إستراتيجي دفاعي وهجومي داخل أراضي بلد عربي ثان، أو توافر جبهة مواجهة أخرى، أما من الناحية السياسية فإن المبادئ القومية التي تنبض بها سورية منذ إستقلالها، مطروحة بإستمرار على البلدان العربية القادرة على دعم هذه المبادئ، بالإمكانات المادية اللازمة،و لذلك فإن أي محاولة لأي نظام حكم في سورية للإستقلال السياسي كانت تنتهي دائما بحال التجمد السياسي وعدم التصديق العربي، وقد شهدت هذه المرحلة ترجمة واقعية لهذا الوضع، فالإتجاه نحو التفاعل مع مصر، والنظام الجديد في ليبيا في شكل علاقات مرنه وغير محكمة إنتهى بالفشل، وكذلك في إطار علاقاتها السيئة مع العراق التي وصلت إلى الحضيض في عام 1968 بسبب قرار سورية ولأول مرة أن تكون قطبا لفلك خاص بها.

وفي العراق فقد إنتهج خلال معظم فترات هذه المرحلة سياسة تسير في إتجاهين متوازيين يركز أحدهما كل التركيز على سورية وهدفه شل حركة القيادة السورية داخليا وخارجيا لإسقاطها وإعادة الجناح القومي من حزب البعث للحكم، أما الإتجاه الثاني فكان نحو الجنوب وهدفه إنشاء قاعدة للنفوذ السياسي العراقي في منطقة الخليج العربي.

أما منظمة التحرير الفلسطنية، فقد أصبحت طرفا من أطراف النظام العربي عقب حرب 1967، وقد أحدث إنضمامها هذا آثارا في تفاعلات النظام العربي تفوق بكثير إمكاناتها الحقيقية، وتجاوزت الإطار العربي إلى التأثير في المحيط الدولي، وبهذا أصبحت عاملا من العوامل التي حافظت على حيوية النظام العربي ومنعت تشتته عقب الحرب،كما تسبب تعدد قادة المنظمة وإفتقارها إلى أرض فلسطنية تنطلق منها إلى تعميق الخلافات العربية.

أما ليبيا فقد كان هناك عجز في فهم وتحديد الخطوط العامة للسياسة الخارجية لها داخل النظام العربي، وذلك بسبب تغير نظام الحكم فيها بعد هزيمة 1967، ولكن أهم الأسس التي تبلورت عليها السياسة الخارجية الليبية كانت: 1-رفض العمل تحت مظلة العمل العربي المشترك وعدم الإهتمام بها. 2-إتخاذ موقف العداء ضد القيادة المصرية الجديدة وإثارة المتاعب لها. 3-التقوقع والخروج في تلاحق سريع ومفاجئ، وهذا سبب ضررا بالغا بالصورة العربية لنظام الحكم في ليبيا. 4-التقدم والتراجع بغير نظام حيال القضايا العربية، وهذا أدى إلى التدخل لمصلحة الطرف الخطأ في كثير الأحيان أو التراجع عن التأييد في وقت غير مناسب، وهذا كله سبب خسائر سياسية وإقتصادية كبيرة للنظام الليبي.

أما الكويت فإنها تدين بوجودها وبقائها لفاعلية وحيوية النظام الإقليمي العربي، لأنها ظهرت طرفا في النظام العربي خلال مرحلة من أقوى مراحل تطور هذا النظام ، وفي سبيل بقائها والمحافظة على إستمراريتها في المنطقة، على الرغم من صغر مساحتها، كان ولابد أن ترتكز سياستها الخارجية على عدد من الأسس أهمها: 1-بذل أقصى الجهود الممكنة لتشجيع مصر على عدم سحب نفوذها من المنطقة العربية، خصوصا منطقة الجزيرة والخليج ،وحرصها على عدم حصول نزاع سعودي مصري أو مصري عراقي. 2-تشجيع وتدعيم العلاقات العربية داخل إطار العمل العربي المشترك. 3-إقناع أقطار الجزيرة العربية بجدوى الأخذ بنظامها السياسي والتشجيع على ظهور الطبقة الوسطى. 4-التحرك بإستمرار داخل منطقة الخليج للتشاور في الشئون المشتركة وحل النزاعات وحماية أراضيهم من إعتداءات الأقطار العربية الأكبر.

وأخيرا فإن دول المغرب العربي وفي أغلب مراحل تطور النظام لم تلعب سوى دور هامشي بالنسبة لنمط تحالفاته ونمط إمكاناته السياسية، وفي مقدمتها عقيدة النظام العربي، ففي تونس سلكت القيادة فيها سلوكا معاديا لعقيدة النظام، أما الجزائر فقد إنخرطت في البدء بقوة في تفاعلات النظام ثم عادت لظروف داخلية، وبسبب صراعات الهوية واللغة إلى الإنسحاب تدريجيا، ومع ذلك إستمرت القيادة الجزائرية ولم تنسحب في أي وقت كليا، بسبب مكانتها السياسية التي إكتسبتها خلال تفاعل ثورتها مع مرحلة المد القومي العربي، لذلك إستمرت الجزائر تمثل طاقة مضافة إلى الطاقة السياسية للنظام العربي وإستمرت مستفيدة من هذا الوضع، وإن تعمدت إستثماره أحيانا في النظام الإقليمي الإفريقي، أما المغرب فقد خضعت التوجهات العربية فيها إلى العديد من الإعتبارات الداخلية، أهمها رغبة الحكم فيها بتدعيم الشرعية عن طريق الإسلام، ولكن النزاع الجزائري المغربي لعب دورا رئيسيا إلى الجانب الشرعية الإسلامية في توجيه السياسة المغربية في النظام العربي، فشعرت المغرب أن العرب لن يدعموا سياستها التوسعية بإتجاه موريتانيا كما لم يدعموا العراق في تطلعاته تجاه الكويت، كما شعرت الجزائر بأن النظام لن يشجع سياسة المراجعة التي إنتهجتها مع المغرب، لذلك إتجه كلاهما للساحة الأفريقية، ولكن في المرحلة الأخيرة من مراحل تطور النظام، تدخلت ثلاث متغيرات رئيسية لجذب منطقة المغرب العربي إلى شبكة التفاعلات العربية مرة أخرى وهي الثورة الليبية وحرب أكتوبر 1973 والنفط بإرتفاع أسعاره.

-نمط التحالفات

لقد ساد خلال معظم هذه المرحلة نمط أقرب في الشكل إلى نمط تعدد القوى،لأن حرب 1967 أدت إلى تفتيت الإستقطاب الذي ساد في النصف الأخير من المرحلة الثانية، بين ما أطلق عليه بالتحالف المحافظ والتحالف التقدمي، وكانت الخسائر هائلة وباهظة  للنظام ككل، لأن إسرائيل في حربها التي كانت موجهة أساسا ضد الفكرة القومية لم تفرق بين عربي تقدمي وعربي محافظ، ولكن تطور الأوضاع العربية بعد الحرب أظهر وكأن المعركة كانت هزيمة للنظم التقدمية العربية.

وفي الواقع لم تتوفر في هذه المرحلة المقومات اللازمة لقيام تحالفات عربية جديدة،وذلك بسبب تباعد إمكانات الأطراف الرئيسية للنظام وإهتمام الوحدات الأساسية في النظام بالتركيز على العمل الداخلي في معظم فترات هذه المرحلة،وكان قد بدا للحظة أن النظام العربي يتجه صوب نظام القطب الواحد، وذلك حين زادت الإمكانات السعودية زيادة مفاجئة وهائلة، إلا أن إفتقار السعودية إلى عناصر مهمة أخرى من عناصر القوة الدولية أضعف هذا التصور.

ومن الظواهر الجديدة التي حالت دون قيام تحالفت رئيسية خلال هذه المرحلة، هي ظاهرة تشابك المصالح المتعارضة بين الأقطار العربية الغنية والفقيرة، حيث أنه لو قام تحالف بين جميع هذه الأقطار سيكون تحالف طبقي أساسه الإنقسام إلى طبقة تتكون من عدد محدود من الأقطار الغنية وطبقة أخرى من الأقطار الفقيرة التي تشمل أغلب أعظاء النظام العربي،وفي الواقع كانت كل متغيرات هذه المرحلة تعمل ضد قيام نمط واضح من التحالفات، وقد كان النفط أهم هذه المتغيرات، فبعد أن لعب دورا سياسيا بعد حرب أكتوبر دخل في في دائرة دولية أكثر إتساعا من دائرته العربية، فتشتت جهود البلدان العربية النفطية في مجالات أسواق النفط ومشكلاته الإقتصادية والتضخم وإستثمار عوائده وغيرها من الأمور وهذا كله لم يترك لها إلا أقل الجهد والوقت لحمايته أو تشغيله قوميا، بالإضافة إلى عدم رغبة هذه الدول وخاصة السعودية في ضرورة القيام بتحالفات سياسية داخل النظام، إذ لاحظت أن إقبال أطراف النظام عليها ،كان أملا في الحصول على المعونات والقروض وليس سعيا وراء تحالف معها.

كما حدث في مصر تغيرات بالقيم والهياكل، فحاولت القيادة المصرية بعد حرب أكتوبر أن تجد حلفاء يساندون خط التسويات السلمية وركزت في ذلك على البلدان النفطية، وعلى الأردن كطرف مباشر في المواجهة، إلا أن الطرف السوري كان بإستمرار يشكك في إستعادة أراضيه المحتلة في ظل تسوية تقودها مصر، حيث كانت تساوره شكوك بأن تنفرد القيادة المصرية بحل خاص مصري –نفطي،وكان ذلك سوف يؤدي إلى فقدان سورية القوة التفاوضية المصرية إلى جانبها وفقدنها في الوقت ذاته العون المالي من الدول النفطية، وفي كل الأحوال إختارت السعودية أن تساند مصر في كلا المجالين الداخلي والخارجي دون الدخول في تحالفات قد تؤدي إلى تسييس النفط.

أما ليبيا فلم تتوقف عن السعي لإنشاء تحالفات، لكنها لم تتمكن من أن تضع لنفسها قواعد سلوك ثابتة في العمل العربي فضلا عن أن سياستها إفتقرت إلى قاعدة جماهرية واسعة أو ذات إمتدادات في أطراف عربية أخرى،ولم يكن تطلع القيادة الليبية إلى موقع الصدارة في التحالفات والسياسات العربية يتناسب في أي وقت مع الإمكانات الليبية المطلقة أو النسبية، إلى جانب أن موقعها الجغرافي على حافة المشرق الغربية وحافة المغرب الشرقية يجعلها أكفأ كحلقة إتصال منها كقيادة تحالفات.

بينما حاولت كل من سورية والأردن إقامة تحالف بينهما على خلفية تقاربهما عام 1970 ووصل هذا التقارب إلى ما يشبه التحالف حين كان الطرفان يخططان إلى تحقيق التكامل بينهما، فقد كانت الأردن تجد مصلحة في الوجود السوري في لبنان لأنه كان ضابطا للقدرة الفلسطنية فيها، أما سورية فكانت ترى أن التحالف مع الأردن ضروري لمقاومة الحملة السياسية العراقية على دمشق، وفي 1976 بدأت الأردن في تحسين علاقتها مع مصر لتوازن الضغوط السورية المتزايدة عليها،وأما في 1977 إزداد هذا التقارب مع مصر في أمل أن يحصل الأردن على نصيب من ثمار الجهود التي تبذلها مصر مع الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق تقدم على صعيد التسوية ،خصوصا أن علاقات مصر مع منظمة التحرير الفلسطنية في ذلك الوقت كانت تتدهور تدريجيا.

وفي 1976 حاولت كل من ليبيا والعراق جذب سوريا لتحالف مناوئ لمصر. إلا أن الخلافات العراقية –السورية وشك سورية في نية العراق، وعدم الإطمئنان لثبات الموقف الليبي، والخشية من ضغوط هذين الحليفين للتأثير على موقف سورية في لبنان. أحبطت مساعي قيام حلف مناوئ لمصر، وقد كانت هذه المحاولة وغيرها كفيلة بجعل مصر تتخذ موقف الدفاع في معظم سنوات هذه المرحلة وذلك لأنها لم تتمكن من تطوير علاقاتها مع البلدان النفطية الخليجية إلى درجة التحالف أو ما يقارب ذلك، ويعود هذا الفشل المصري إلى سياسة السعودية في تفادي التحالف الصريح مع مصر، وفضلت أن تبذل جهدها لتحسين العلاقات بين سورية ومصر، وهذا ما أدى بها إلى أن دعت إلى قمة الرياض للنظر في موضوع التدخل العسكري السوري في لبنان ،وقد أسفرت هذه القمة عن مباركة عربية للتدخل السوري مقابل إنقاذ القوة العسكرية الفلسطنية كما إستفادت منظمة التحرير من كسب تأييد السعودية ومصر، أما السعودية فقد حققت من هذه القمة أول ممارسة حقيقية لنفوذها وأكدت شرعية الإدارة الجديدة بقياد الملك خالد والأمير فهد عربيا .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق