]]>
خواطر :
شُوهدت البهائم على أبواب مملكة الذئابُ وهي تتنصتُ ... البهائم للذئابُ وهي تتساءل...أهو يوم دفع الحساب أم صراع غنائمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أمنة برواضي : كاتبة الأسرة المغربية .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-04-21 ، الوقت: 11:28:33
  • تقييم المقالة:

الناسُ في تعاملهم مع أخطاء غيرهم من الناس نوعان :

نوعٌ يحتدمُون غضباً ، ويشتعلُون نيراناً ، حتى يكادُون يُحْرقون ثيابَ الخطائين وشعورَ رؤوسِهم ..

ونوعٌ يكونون برداً وسلاماً ، فلا يلقى منهم المُخطئون إلاَّ ترْبيتاً على ظهورهم ، ومسْحاً فوق رؤوسهم ..

والنوع الأول أخلاقهم أخلاق الثوار .. والنوع الثاني أخلاقهم أخلاق المُرَبِّينَ ...

والثوارُ قد يكونون أشدَّاءً وقُساةً في كثيرٍ من الأحيان .. أمَّا المُربُّون فهم رُحماءٌ ومُتعاونون ، يصْبرون ، ويعذُرون أغلبَ الناس ...

وكاتبتُنا التي نحتفي بها اليومَ هي من جماعة المُربِّين ، تتحلَّى بالطيبة ، والحياءِ ، والنظرة الرحيمة إلى الصغار والكبار ، وإذا كانوا من الطبقة الدنيا خاصة ...

كيف عرفتُ هذا ؟

عرفتُهُ من خلال أدبها ، ومن خلال مواقفها ، وآرائها ، وتعليقاتها على الحوادث والكلام ...

إنها كاتبةٌ لا تكتب بقلمها .. بل تكتب بقلبها .

وأَيُّ قلبٍ ؟ .. قلبُ أُمٍّ ...

وأَيُّ أُمٍّ ؟ .. أُمٌّ رؤومٌ حنونٌ ؛ تحبُّ أبناءها بشغفٍ ، وترعاهم بذكاءٍ ، وتُشْفقُ من أن يصيبهم مكروهٌ أو أذى في هذه الحياة العصرية الصاخبة ، التي انفلتت منْ روْضَةِ  الزمن القديم ، وركبت أمواج الحداثة ، والعصرنة ، والعولمة ، وسارت بسرعة مجنونةٍ ، وإلى غاية مجهولة .

أَمَّا هي فإنها تعتزُّ بأصالتها ، وتتشبَّثُ بجُذورها المغربية ، التي تعمَّقتْ في تُرْبةِ مدينة فاس ، واختلط لحْمُها بتُرْبتها ، وأنفاسُها بهوائها ، وتشرَّبَ فكرُها وشعورُها وخُلقها من مدارسها العتيقة والحديثة ، التي لا شكَّ تسْتقي علومَها وآدابَها من جامع القرويين العظيم بنسبة أو بأخرى .

فـ (أمنة برواضي) هي نموذج المرأة الفاسية الأصيلة ، وصورة صادقة للحياة المغربية الخالصة ، لمْ تنسلخ عنْها يوماً ، ولا تفكر أن تبدلها بأي حياة أخرى .. بلْ وتنظر بشيء من الحزن والأسف إلى الذين بدَّلوها من أبناء وطنها ، ولبسوا أثواباً غير الثياب الوطنية ، واصطنعوا عادات وتقاليد غير العادات والتقاليد المغربية ، واتخذوا شعارات في الحياة التقطوها من التيارات المعاصرة ، ومن العولمة ، والرأسمالية ، والعلمانية ، والتطرف ، والغلو ، والهجرة إلى الدنيا وفتْنتها ...

فهي لا ترضى لهم بهذه الحياة ؛ لأنها ترى أنَّ لها مساوئ أكثر من محاسن ، وتعود عليهم بالشقاء إنْ عاجلاً أو آجلاً ، في حين هم يسعون إلى السعادة ، والرضا ، والطمأنينة ... وهي لا تجدُ هذه السعادة ، والرضا ، والطمأنينة ، إلاَّ في الدين الإسلامي ، وفي مكارم الأخلاق ، وفي أحضان الأسرة المغربية ، وفي الحياة المنزلية البسيطة ، حيث جلسات الشاي المسائية ، وليالي الأنس والسَّمر ... وهي من اللواتي يُؤمنَّ بالقضاء والقدر ، ويُفوِّضنَ الأمور إلى خالق العباد ومُقسِّمِ الأرزاق ، وهذا لا يعني أنها من ذلك النوع الذي يقعد عن السعي ، ولا يطالب بحقوقه ، ولا يرفع صوته بالشكوى والاحتجاج أمام المظالم والمفاسد ، ولا يشير بأصبعه إلى اختلال المجتمع ، وانهيار القيم ، بل هي تَرْصدُ كلَّ شيءٍ بعينٍ ناقدةٍ ، وبوعْيٍ ، وبصيرةٍ ، ولكن بقلب مؤمنة ، و بيقين بأن (من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) .

قد تسألون مرة أخرى : كيف عرفتُ هذا ؟

وأقول لكم مرة أخرى : عرفته من خلال أدبها ، وبالضبط من خلال روايتيْها : (أبواب موصدة) و(أحلام مجهضة) .. وكذلك في قصص قصيرة جداً جاءت في مجموعتيها : (قطرات الندى) و(تجاعيد الزمن) ...

فمثلاً في مجموعتها (قطرات الندى) استطاعت الكاتبةُ أن تعبِّرَ عن عدة ظواهر اجتماعية ، ومشاهد إنسانية ، وعلاقات الناس بعضهم ببعض ، تعبيراً موفقاً ، بل تعبيراً يكاد أن يرسم لوحاتٍ فنيَّةً ، تظهر فيها الوجوهُ ، والحركاتُ ، والإنفعالاتُ ، والحارات ، والشوارع ، والسيارات ، والبيوت ، والمؤسسات ، وحتى الأحلام أيضاً ...

وقد اعتمدت الكاتبةُ في هذه المجموعة على عنصرين شَيِّقيْنِ في التعبير ، ممَّا منحَ لكثيرٍ من القصص درجةً من الفنِّ ، والفائدة ، والمتعة ، وهما : (السخرية) .. و(المفاجأة) ... وغالباً ما امتزجت السخريةُ بالمرارة ، وتغلَّفت المفاجأةُ بالمأساةِ ، وحين يكون الحديث عن المرأة المظلومة ، وعن الإنسان المقهور ، خاصَّةً ...

ولعلَّ قصتها القصيرة جداً ، التي نثرتها في الصفحة 25 من مجموعتها (تجاعيد الزمن) تدلُّ بما فيه الكفاية عن مبلغ اهتمامها بأحوال الناس ؛ فها هي تقول :

ـ انتبذْتُ مكاناً في ركن المقهى الشعبي ، على غير العادة جلستُ أحتسي فنجان قهوة متناسياً همومي . انتبهتُ فجأة ، وجدتني أتتبع حركات روادها ، فشدَّني المكانُ إليه أكثر من اللازم ، وبعدما طال مقامي أضفتُ فنجاناً ثانياً لفنجاني . وبعدها أحسستُ بتعب شديد لكثرة ما انتبهتُ . فغادرت المقهى وقد تزوَّدتُ بهموم رُوَّادِها ، وأصبحتُ مثقلاً بهموم غيري تلك التي أضفتها لهمومي .

ففي هذه القصة القصيرة جدا ، بمُفرَداتِها الدقيقة ، والأفعال التي انْتقَتْها الكاتبة لوصْفِ حالةَ البطل وهو يتابع المشاهدَ من حوله ، نكتشفُ مفتاحَ شخصية (أمنة برواضي) ، وغايتها من الكتابة .

والشيءُ الذي لفت انتباهي وأنا أقرأ أعمال (أمنة برواضي) ، هو دعوة أبطالها إلى حب الوطن ، والتعلق بخلية الأسرة المغربية ، والحرص على مدى الترابط والحميمية بين أفراد البيت الواحد ، والدعوة إلى الإخاء والتضامن والتكافل بين أبناء الوطن جميعاً ، على رغم ما يعترض الجميع من مشاكل وأزمات ، ويكتنف حياتهم من عقبات وأحزان ؛ ففي رواية (أحلام مجهضة) ، نجد نموذجاً لهذا الرأي ؛  فالبطلُ (عادل) شابٌ مغربيٌّ ذكيٌّ ، وطموحٌ ، وعلى درجة عالية من الثقافة والأخلاق والمبادئ ، ومتمسِّكٌ بالهوية والأصالة المغربيتين ، وهو يُحبُّ عائلته الصغيرة ، وأصدقاءَه الذين مِثْلَه ، وحيَّه الذي يَسْكُنُه ، ولا يقايضُ ترابَ وطنِهِ بأي ذهبِ وطنٍ آخر ؛ وها هو يقول لعَمَّتِهِ العائدة من المهجر ، وهي تعرضُ عليه فرصة الزواجَ بابنتها:
ـ أنا إنسانٌ ، لا يحركني الطمعُ في الهجرة إلى أوربا أو غيرها ، كما لا تحركني المنفعة الرخيصةُ ، لديَّ مبادئٌ يا عمتي ، ولن أتزحزح عنها مهما كان الثمن ، وتشبثي بالوطن وحبي للعمل داخل ترابه ، والحصول على مكانة في مجتمع أحس فيه بالانتماء هو هدفي المنشود ... صفحة 113.

وحتى بطل رواية (أبواب موصدة) ، لا يخلو من نزعة حب الوطن ، والتعلق بأسرته المغربية ... ولهذا السبب لم أجدْ خير صفةٍ للكاتبة من صفةِ (كاتبة الأسرة المغربية) ؛ لأنها خيرُ مدافعٍ عنها في أدبها المنشور حاليّاً ...

 

 

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق