]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في غمضةِ عين ٍ وانتباهتها .... يغير الله من حالٍ إلى حالِ

بواسطة: أحمد بحاري  |  بتاريخ: 2014-04-14 ، الوقت: 15:17:33
  • تقييم المقالة:

(في غمضةِ عين ٍ وانتباهتها .... يغير الله من حالٍ إلى حالِ ) عندما ولدتني أمي في عام 1989 م , أسماني أبي ( أحمد ) , نسبة إلى عمي ( أحمد ) رحمه الله الذي مات وهو في عز شبابه بعد أن أخذ ( مكرهاً ) بنصيحة ذلك الرجل الذي يكنى بـ ( الجحبور ) الذي جعل من نفسه طبيباً في ليلةٍ وضحاها وقام بوصف العلاج السحري الذي فتك بعمي ( رحمه الله ) وقتله في حوالي 4 ساعات بعد صراعه مع المرض الذي ألمّ به , وكان ذلك الدواء عباره عن ( الخل أسود ) أو ما نسميه اليوم 
Acetic acid أو ( حمض الخليك CH3COOH) وهو مادة أكالة، وبخاره يسبب التهيج للعيون، وجفاف وحرق الأنف، واحتقان الحلق والرئتين )
فكان الناس في ذلك الزمن يستخدمونه كعلاج ولكن بكميات بسيطه جدا ..بينما كانت توجيهات الطبيب المزيّف لعمي رحمه الله تنص على شرب كمية كبيرة كما روى لي ذلك أبي , كي يكون العلاج في وقت أسرع , وقد شربه مكرها ثم تقلب من الألم لبضع ساعات ثم قال لأمه وإخوانه باللهجة العامية : 
( وجّهوا بي والقعادة ويلا القبله , والله احسها طارفه و هذا يومي ومانا مطوّل ) 
ثم أوصى بجملِه وخيزرانته لأبي (محمد هادي)ذو ال15 ربيع , وما لبث أن توفاه الله بعدها بساعات ..ولحق بأبيه ( جدي هادي ) الذي توفي قبله ب 6 سنوات .... أسأل الله لهما الفردوس جميعاً .
دارت أحداث هذه القصة في الماض القريب لأبي البعيد لي , حيث كانت في حوالي سنة 1944 ميلادي ... أي قبل 75 سنة من عامنا هذا (2014) 
وبينما يروي لي أبي هذه القصة وبعض القصص القديمة التي كانت في الفترة الزمنية التي عاش فيها, سألته , يا أبتي :
إن عمري الآن 25 عام , وأنت ( نسأل الله لك طول العمر ودوام الصحة ) قد مررتَ بأضعاف هذا العمر ...فكيف ترى الدنيا بعد هذا العمر ؟
ومع أن أبي ( أميّ) لا يقرأ ولا يكتب , وليس بصاحب حكمة , ولكنه قال جملة جعلتني أفكر كثيراً وأصبحت أتذكرها كلما رأيت تقلّب الدنيا وتغيّر أحداثها من أفراحٍ وأتراح ... قال :
(( كلما فكرت في الحياة الدنيا أراها مثل لعِب الأطفال . ) 

هذا كل ما قاله عنها ...!
فرُحت أتفكر في معانيها وأسأل كبار السن الآخرين وكل من بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة عن الدنيا, لعل الله أن يرزقني الحكمة ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا ..
وخلال اهتمامي بهذا السؤال وجدت ذات مره مقوله لسيدنا نوح عليه السلام 
فقد روي أنه لما حضرت سيدنا نوح عليه السلام الوفاة , جاء ملك الموت إليه فقال :
يا أطول النبيين عمراً , كيف وجدت الدنيا ولذتها ؟
قال : كرجل دخل بيتاً له بابان ,فقام في وسط البيت هنيةً , ثم خرج من الباب الآخر .

...... كلام جميل , يستحق أن يكتب بماء الذهب .... فقد نبع من حكمة رجل ذكر في بعض الروايات أنه عاش نحوَ 1780 سنة ... كما أورد ابن كثير في كتابه البدايه والنهايه مشروطا بصحة الخبر عن ابن عباس
((ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك، فإن كان ما ذكر محفوظًا عن ابن عباس من أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة.))

وخلال قراءتي و سماعي للكثير من المقولات وخاصة من كبار السن , أصبحت أحدد لنفسي وقتا للتفكر , فبعد العودة من صلاة العصر وشرب الشاي في الجَمعة العائلية اليوميه في حوش المنزل , أخرج للبر ( أو البلاد كما نسميها بالعاميه) وأجلس على زاوية إحدى المزارع ( الزبير ) وأطلق العنان لعقلي أن يتحرك ويتفكر في كل شي .
فليس هناك أجمل من لحظات التفكّر في أرض خضراء خاليه من الإزعاج وبعيدة عن صخب المدينة وأبواق سياراتها وطنين مكيفاتها , فلست اسمع الا تغريد الطيور من حولي وحفيف الهواء بين أوراق الشجر .
ومن خلال التفكر وحيدا ... أجد في نفسي كل مرة أسئلة جديدة وكثيره ...فبعضها يجذبني للدنيا وبعضها يقذفني للآخره وبعضها أشعر وكأنها تهديني إلى حلاوة الإيمان وبعضها أشعر بأنها تهوي بي إلى أودية الضلال الإلحاد ...وخلال العديد من جلسات التفكر في الخلق والخالق والدنيا والمال والرسل والسعادة والعمر والتاريخ وزينة الحياة الدنيا ...إلخ ..
تذكرت جملةً قالتها لي إمرأةٌ قد كانت شغفتني حبا لسنوات من عمري , بعد أن أهلكت نفسي بالبحث عنهم ليلا ونهارا كي أتقدم للخطبة على كتاب الله وسنة رسوله فلم يزدهم دعائي وطلبي إلا فرارا...فرفضتني مراراً وتكراراً ... ثم أرسلت لي رسالة كتبت فيها :
( يا أحمد , إنك تعيش في الوهم ) .... 
لقد كانت هذه الجمله بالنسبة لي كالحكمة المختبئة في أفواه المجانين , 
فكنت دائما ما أتذكر هذه الكلمة التي آلمتني في البداية , ثم وجدت فيها خيراً كثيرا , لو فاض على العقلاء لكفاهم .... فربّ خير لم تنله , كان شراً لو أتاك .
فحقيقة أني أعيش في الوهم , جعلتني أعيد كتابة تلك الكلمة في قواميسي من جديد ... لم يكن للوهم مسمىً عندي ...وعندما قالت تلك المرأة ما قالت ...أدركت أنني كنت أعيش في الوهم فعلا ..وقلت لنفسي : 
(( تالله إنك لفي ضلالك القديم ))
فأويت بعدها إلى فراشي ذات ليلة ونمت , ثم أصبحت بغير الوجه الذي نمت به .. أصبحت أحب ما كنت أكره وأكره ما كنت أحب , ورأيت أن التشتت العقلي الذي كنت فيه قد زال , واتضحت لي الرؤية لما هو مهم الآن وماذا يجب علي أن أفعله قبل موتي , 
((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين )) .

إننا يا ساده نهلك شبابنا وقوتنا في التفاهات ثم إذا ذهب العمر وخارت القوى قال الواحد منا

(( ربّ ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت )) .
وإنه ليحزنني كثيرا ما أرى الشباب عليه من تضييع لأعمارهم في تشجييع كرة القدم والركض خلف التفاهات والسفاهات حيث تذهب أعمارهم هباءاً منثورا , ثم يصحو الواحد منهم ويريد تحكيم عقله بعد أن ذهبت الفرص في مهب الريح , خسر الدنيا والآخره ...ذلك هو الخسران المبين .

كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله كلاما جميلاً ...يلخص ما كنت أحاول إيصاله من ثرثرة, في أسطر معدودة ... فقال :

يموت فيّ شخص ويولد شخص جديد ، والميتُ أنا والمولود أنا . خلايا جسدي تتجدد كلها كل بضع سنوات حتى لا يبقى منها شيء مما كان . عواطف نفسي تتبدّل فأحب اليوم ما كنت أكره بالأمس وأكره ما كنت أحب . أحكام عقلي تتغيّر ، فأصوّب ما كنت أراه خطأ وأخطّئ ما كنت أجده صواباً .

فإذا كانت خلايا الجسد تتجدد ، وعواطف النفس تتغيّر ، وحكم العقل يتبدّل ، فما هو العنصر الثابت الذي لا يتبدل ولا يتغيّر ؟ . أقول " قال لي عقلي " و " قلتُ لنفسي " ، فمن أنا – إذن – إذا كانَ عقلي غيري فأقول له وكانت نفسي غيري فتقول لي ؟

العنصر الثابث الباقي هو الذي لا ينقص إن قُطعَ عضو من اعضائي ولا يموت إن متّ ، بل يبقى حيّا يًحاسب فيكافأ أو يعاقَب . هذا العنصر هو " أنا " الحقيقي ، وهو شيء من غير عالمنا الأرضي فلا تنطبق عليه قوانين علومنا الأرضية ، هو الروح . 

هذا تفسير قولي إن من تعوّد أن يكتب كل يوم في هذا الدفتر وجدَ فيه يوماَ نفسهُ التي فقدها .

..........

القراءة فنّ لا يجيده إلا قلّه من الناس .... بينما أغلبية الناس تفر من الكتب والمكتوبات كما تفر من الأسد .... ولهذا أصبحنا أمة ضحكت من جهلها الأمم .

تحياتي لمن شرّفني وقرأ ثرثرتي ... أحمد بحاري

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق