]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تحولات حداثية السرد في المتخييل التراثي

بواسطة: Osama Ghanim  |  بتاريخ: 2014-04-13 ، الوقت: 17:56:36
  • تقييم المقالة:

 

                  تحولات حداثية السرد في المتخييل التراثي

 تمتلك الرحلة في رواية " رحلة الضباع " ( المجلس الأعلى للثقافة – 2013 ) للروائية سهير المُصادفة ، بعدين متوازيين هما البعد التاريخي/ المجازي والبعد الواقعي / الاستكشافي ،المستندة على المرجعية التاريخية – المعرفية والمتكئة على الواقع ، لتشكيل رؤية مندمجة متفاعلة مع النصَ والمتلقي ، فالمجازي يتمدد على رقعة زمنية تقارب الف واربعمائة عام مضت،  تحديداً بعد الهجرة النبوية بنحو خمس وثلاثين عاماً، تبدأ بالفتنة الكبرى وذلك   بمقتل الامام عثمان محققة نبوءة الامام علي بن ابي طالب " أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعاً لا يبصرون الحق لعلو الباطل ، يموجون فيها موجاً ويمرجون فيها مرجاً " 1 ، اما الواقعي فهو حكاية – رؤية رجل نحو المرأة التي هي زوجته ، هذا الطرح المرتكز على الدم والجنس جعلته سهير المُصادفة يتداخل ويتنافذ فيما بينهما ، وتتداخل أحداث الرواية بين التاريخي والتخييل  من حيث يقوم الحاضر بالعبور الى الماضي وبالعكس ، مما اعطى هذا التنافذ الرواية زخماً شعرياً جمالياً و تحولاً حداثياً في سرديات نصْ الرحلة.

واذا علمنا ان الرحلة مشتقة من الارتحال وهي تعني الانتقال من مكان لآخر ، لتحقيق هدف معين ، مادياً كان ذلك او معنوياً ، فان دافع "رحلة الضباع" كان لسبيء النساء بغرض استغلال اجسادهن والتمتع بها ، والسيطرة عليها  " - آهٍ ، لو كنتِ تعرَفتِ إلى سيد هذه الدار منذ ايامٍ وهو يزعق مثل ديك الفجر في أهله بأنه ذاهب الى نصرة الله والحق ، والمصيبة أن جميع أهله وجميع الناس يعرفون جيداً إلام هو ذاهب .. لاشيء سوى جمع الغنائم والاستيلاء على المزارع وأسر الجواري – ص 116 /117 الرواية " ، وذلك لايتحقق الا بالقتل وسفك الدم  فرحلة الضباع ماهي الا عبارة عن رحلة العربي في التوغل في الدم العربي واهانة واضطهاد وقمع المرأة عبر القرون ، فالاستعارة للضباع استمدتها سهير المُصادفة من قتل الواحد للآخر ومن الرؤية الدونية للمرأة " وكانوا هم مثل قطيعٍ من الضِباع أثناء رحلته ما إن يسقط أحدهم حتى يأكلوه ثم يواصلوا العدو خلف الأنجم – ص 166 الرواية .

وفي رحلة الضباع نعثر على رحلات اضافية ، فهنالك رحلة " السوداء بنت الرومي " في الرواية – الحكاية تبدأ منذ البداية ، في السفر في دروب المسلمين ، حاملة معها مئزر وحيد ونبوءة سوداء فوق اكتافها، وروحاً قلقة ملتاعة ، وحباً بالاستكشاف :

-كان عليَ أن اخترق قلب الصحراء لأصل الى الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار ومنها الى الكوفة ، سأسير في الدرب نفسه الذي سيختاره بعدي أبن الإمام 2، ص101 الرواية .

 كذلك " نرمين " تبدأ رحلتها حين مغادرتها للشقة وهي مطلقة ، نحو التغيير، نحو انعطافة جديدة ، حاملة معها ذاتها فقط ، وحباً بالاستكشاف والحرية :

-ما زال عليكِ قطعُ اميال من الألمِ المرير واذا ما أردتِ اختصارها ياسيدتي فكوني شجاعة ، ص 232 الرواية .

 لقد قامت الروائية بالاشتغال على تقنية رواية داخل الرواية ، كما في حكايات "ألف ليلة وليلة"  حيث تشتغل حكاية داخل حكاية ، محكي داخل محكي ، زمن الحكايات متداخل متشابك لايشعرك باختلافه حتى لو كان هنالك اختلاف فيه .

تتكون الرواية من سبعة فصول ، كل فصل مسبق بهامش عن وصف طبائع الضباع مستمد من كتاب الجاحظ "الحيوان " بدون عنوان ثانوي ، حيث يصبح  الهامش هنا جزءاً اساسياً من المتن ، واضاءة له ، موضحاً اقتران صفات الرجال بالضباع ، بعكس رواية " لَهْو الأبالسة"  وضعت عنوان ثانوي على كل الفصول العشرة اسمته " سمكة الجيتار " والهامش مستقل تماماً عن المتن ، ولايمت له بصلة ، وكانت رواية واحدة ، اما في " رحلة الضباع " فقد وضعت الروائية العنوان الرئيس مرتين ، مرة على كل الرواية حتى قبل الاهداء والمرجعية ( طه حسين وفتنته الكبرى- الاصفهاني وأغانيه –  الجاحظ وحيوانه -  الجبرتي – المقريزي ) ، ومرة اخرى وضعته داخل الفصل الرابع ابتداءً من صفحة 99 حتى صفحة 191 ، هذه القصدية في كتابة عنوان الرواية هكذا ، تدلل على ان رحلة الضباع لم تنتهي لا في تراثنا و لا في زمننا المعاصر رغم الامل الذي سربته إلينا في نهاية الفصل السابع .

تبدأ الرواية ومنذ السطر الأول بداية استفزازية مبطنة بهلوسات الزوج المدعو "جمال ابراهيم"/ الراوي ونظرته الذكورية المتخلفة والمحقرة لزوجته بشكل خاص وإلى النساء بشكل عام – ان البطل "جمال ابراهيم" قد رسمته الروائية كنموذج حي للرجل الشرقي بكل افكاره واوصافه وتصرفاته – " قررتُ منذ عام تقريباً أن أرمي يمين الطلاق على هذه الحيوانةالصغيرة – ص 9 الرواية " ، وعلينا قبل ان نتوغل في الرواية ان نتعرف على هذه الشخصية المركزية والمحورية من خلال لسانها والتي هي جمال ابراهيم / الراوي ،صحافي يعمل مصححاً لغوياً في جريدة " اندلسية" ، عديم الموهبة ، محدود التفكير، ضيق الأفق ، كتبه التي في مكتبته لم يقرأها ، بل موضوعة في المكتبة كديكور، تجاوز الخمسين من عمره ، جعلته سهير المُصادفة يصف نفسه بخبث لكي تكشف باطنه امام المتلقي في تجسيده صورة الضبع او المثقف المزيف :

_في الحقيقة لم أخلق لأكون صحفياً فأنا كسول للغاية ومخي لا يبدع أي شيء جديد وهناك عطب ما في مشاعري ، ص 15 الرواية .

-أتأمل بازدراء عضوها التناسلي بعد الانتهاء منه ، ص 46 الرواية .

-لا أريد الآن إلا أن أستسلم تماماً لهذه النفس الخربة التي امتلكها ، ص 79 الرواية .

-يبدو أنني لم أقرأ شيئاً من الكتب التي أقتنيها على الاطلاق ، ص 196 الرواية .

يقع " جمال ابراهيم " فريسة للشك والارتياب في " نرمين " ، وتجتاحه وساوس وافكار غير سوية البتة ، ومما يزيد شكه وارتيابه بها ، هو استدراجه إلى الفراش كل ليلة باستماتة من قبلها :

-هل تخونني هذه الحشرة ؟ ماذا وراء تلك العاقر التي جعلتني طوال سنوات أعتقد أنها تحبني حتى العبادة ولا أفكر إلا في مصيرها بعد أن أهجرها .. هل ستنتحر مثلاً ؟ هل ستمرض بالسرطان من جراء الحسرة وتموت ؟ هل ستدفن نفسها في حجرة ما حتى تجن تماماً ؟ ، ص 10 الرواية .

ثم يتفجر الموقف عند عثوره على قصاصات ورقية في سلة المهملات بخط يدها ، فيلتقطها ويعيد ترتيبها بعد أن يقوم بكويها ورصها ولصقها بشريط اللاصق الشفاف ، وهو يظن أنها خطاب الى عشيق ما ، ولكن ياهول المفاجاة له ، حين يتبين انها فقرات من حكاية جارية عربية مسافرة في الصحراء ،  تغتصب من قبل إمرء ما من دبرها – كم من الدلالات التأويلية في هذا الفعل الجنسي الشاذ ، حينما تغتصب المرأة من دبرها وليس من فرجها ، فالدبر لخروج الاوساخ بينما الفرج لانبعاث الحياة ، ففي هكذا ظاهرة نعثر على العقلية السادية ، المأزومة ، المشوهة  - ،  وهنا في هذه اللحظة ينهار تحت وطأة المتركمات السوسيولوجية - التاريخية الذكورية المرتكزة على المركزية القضيبيَة3 في العقلية العربية، والموروث الثقافي الجنسي الاصولي، حينما يظن أن زوجته " نرمين " هي المؤلفة ، فالمرأة الكاتبة أشد خطورة وأعمق خطيئة  من المرأة العاهرة في نظر مؤسسة الفحولة التخييلية، وليس من الممكن ان تكون المرأة مبدعة موهوبة ، وهي منقبة محجوزة مهجورة  :

" هل تنقل هذه الحشرة طوال فترة غيابي عن البيت أوراقاً من مخطوطات النثر العربي الممتلئة بكل الموبقات والممنوعة من التداول في المكتبات العربية – والتي حرصتُ على اقتنائها بصعوبة – ثم تمزقها بعد نقلها ؟ من أين جاءت الفاجرة بتلك الكلمات ؟ ظللت أؤخر عودتي ولقائي بها ، وظللت أقترح كل الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة ولكنني لم يرد بخاطري أبداً أنها هي المؤلفة ، ص 31 الرواية " .

عندئذ تتلبس جمال ابراهيم / الراوي حالة معرفة واكتشاف ماتفعله زوجته في الشقة أثناء غيابه ، عليه يقوم بنصب كاميرات مراقبة في الشقة ليخترق افعالها ويطلع عليها ، ولو كان باستطاعته لقام باختراق افكارها والاطلاع عليها ، ولكنه لايشاهدها الا وهي تكتب ثم تكتب ، فالكتابة في هكذا حالة تصبح فضاءً لامحدوداً من ممارسة " فعل " الحرية المفقودة ، ففي الكتابة تحقق حياتها وتثبت وجودها الذي يحاول زوجها الغاءهما ،  وفي الكتابة ايضا تتحرر منه وتنتصر عليه :

-هل ستكتب الآن امرأتي؟ هذه المرأة تكتب ! ماذا تكتب ُهذه المرأة التي لم تخرج من عباءاتها ثم لم تخرج من جدران بيتي ؟ ماذا تعرف عن الحياة لتكتبه ؟ وإذا كنت أسخر من الكُتَاب من الرجال الذين خبروا الحياة وخبرتهم فماذا عساني أن اقول عما تكتبه تلك الناقصة العقل والدين ؟ ص 68 الرواية .

ويصور الراوي مخطوطها الذي يعثر عليه في احدى مجلدات "ألف ليلة وليلة" والذي لم يتعد تسعين صفحة ، والذي يحكي حكاية امرأة اسمها " السوداء بنت الرومي " التي لم يعرف احد سنوات عمرها ، حكاية شفاهية تناقلت ألف وأربعمائة عام عبر لسان الحريم ، بشروط تتسم بخبرة نسائية ، على أن تحكى الحكاية من قبل الجدة لحفيدتها من ابنتها لا من ابنها ، وقبل موتها بثلاثة ايام ، " قالت الجدات حفيدات الجدة عبر قرون " حتى لاتبقى الحكاية/ الشفاهية محفوظة في سلالة واحدة ، وتمنع  الوصول الى ذكور القبيلة ، هكذا وبهذه الطريقة وصلت الحكاية "نرمين" من الجدة الكبرى " السوداء بنت الرومي " التي حكتها لحفيدتها هاجر ابنة بنتها الحبابة ، ولكن عندما تسئل نرمين جدتها أسئلة كثيرة منها انها عاقر وكيف سوف تستطيع إيصال الحكاية ، ولمن ؟ تقول لها جدتها بحزم :

-للمرأة يابنتي دروبها الخاصة التي لم يطأها سواها إلا الأبالسة ، ص 97 الرواية .

وللحكاية لعنة لا أحد يستطيع الخلاص منها ابداً إلا بأن تُحكى ، فكيف باآخر حفيدة عاقر ، لا حفيدة لديها ، فتتخذ قرار حاسم بأن تحول الحكاية الشفاهية الى نصَ / مخطوط مكتوب – هذا القرار كان نتيجة المعاملة اللا إنسانية لــ " نرمين " من قبل الزوج "جمال "، ونتيجة عزمه الزواج باخرى رغبة في الإنجاب رغم أن الحكاية قد نُقلت اليها منذ خمسة وعشرين عاماً وبالضبط قبل زواجها بعامٍ وموت جدتها بثلاثة ايام - وبهذه الطريقة تحول التاريخ الشفاهي السري المهمش للنساء إلى تاريخ مدون معلن يفضح المسكوت عنه ، ليقرأه الجميع ، ولتعثر على دربها الخاص بها في نقل الحكاية ، وبهذا العمل تلغي "نرمين" شروط الحكاية وتجعلها مستباحة للكل ، مثلما كانت الجدة " السوداء بنت الرومي "  مُباحة لجميع الرجال .

أما نبوءة الجدة الاولى فكانت مختلفة عن لعنة الحكي التي لعنت بها الجدات ،فبينما كانت في خبائها تنشق الارض امامها ويخرج كائن بلا ملامح ويامرها بتبليغ المسلمين بالتوقف عن القتال فيما بينهم ، وبعد هذا الظهور تشعر بانها منحت قدرة على رؤية مامر من احداث سابقة وماسوف يمر منها .. " كنت أعرف أنني صرت قادرة على رؤية ما أشاء من سابقات الحوادث ، ورؤية ماهو قادم منها بإذنٍ من الله .. لاحظت أن زواحف الأرض السامة وحشراتها تبتعد عني دون أن تمسسني بسوء كأنني صرت فجاة محصنة ضد كل ما يؤذي في الحياة، ص 105 الرواية ." ، وعلى اثر منادتها للمسلمين وتحذيرهم بالابتعاد عن الفتنة التي اصبحت متجذرة فيهم ، وذلك بالاصغاء والاستماع للآخر ، وتحريم سفك الدم ، ولكن تنبيها لأ احد يستمع له ، لأن ليس هناك من يسمع ، لهذا يفتح على هذه الأمة القتل والقتال إلى يوم الدين ، ويطلقوا عليها نعت" الرائية " ص 112 ويصبح عملها وهي في خضم الحروب الضروس الحاصلة بين المسلمين الاخوة في الله أن تواريهم الترأب ص 113، ومن اجل الخلاص ومن اجل حبيبها "عمر بن عدي" الذي هجرها ومضى على اساس الجهاد في سبيل الله تسلك درب الكوفة لتلحق به ولكنها تتيه سنوات وسنوات – يتبين أن "عمر بن عدي" يتاجر بالأسلحة والدروع بين الفرق المتحربة ، ولوضعته عندما تعثر عليه اخيراً يقوم ببيعها كجارية للقعقاع بــ ألف دينار وبرذونة وناقة-، لكن نبوءتها تنتشر في ارجاء الصحراء وتصل الى المتحاربين ، ولكن..

"لم أفهم شيئاً مما خطته يدها على الاطلاق هل هذه رواية ؟ ص 195 الرواية ."

هل هو حقا لم يفهم " مضمون " المخطوط ؟ ومن الذي قال له أن هذا المخطوط هو رواية ؟  ماكان يود أن يقرأه في المخطوط توسلاتها وآهاتها وتوجعها ومشاعرها وضعفها وانكسارها ، ولكن ذلك لم يحصل ، بل نرى انها تقول شيئاً مغايراً ليقيناته وثوابته ، تقوله "نرمين" على لسان السوداء:

"ضيعتُ عمري كله خلف سرابٍ .. خلف ضبعٍ من ضِباعهم بَري قلبي برياً؟ص 184 الرواية ." 

لقد بنى تصوراته وأرائه على الفعل الجنسي ، أي على الممارسة الجنسية التي كانت تحدث بينهما المغلفة بهلوساته وتصوراته المنبعثة من قمقم مارد "ألف ليلة وليلة "، ومن دار "السبع بنات" ، عبر مركزيَة لاهوتيَة – قضيبيًة متراكمة في السوسيولوجية – التاريخية تعمل على نشوء خطاب ثقافي دينيَ يكرس العنف السادي تجاه المرأة والنظرة اللا إنسانية :

 "إزاء يقيني بأن كلَ أجزائها ملكي ، مزقت للمرة الأولى في حياتي معها كلَ ماكانت ترتديه بكل ما استطعت من قوة فتناثرت الفيونكات الحمراء الحريرية الصغيرة التي تزين حمالات قميصها الوردي ،تحسست بهدوء مثير صدري .. شددت شعرها وأكلت شفتيها أكلاً وابتلعت تأوهاتها التي لم أسمعها بهذا العنف من قبل أبداً وأنا مفتوح العينين ، ثم توقفت لأتأمل كل جزءٍ من جسدها العاري ، كنت أحاول أن ادخلها من كل فجاجها علني أختفي فيها ، كان صراخها العاتي يهزني وعلى إيقاع يدها التي تضرب ظهر السرير اكتشفت أنني يمكنني الاستمرار هكذا وإلى الأبد إذا تحكمت في انقطاعي عمًا أفعل فجأة أو أستغراقي في محاولة الإجابة عن سؤالٍ واحدٍ : مِمَ صُنع هذا الكائن الفاتن ؟ ص 235 الرواية .

هذه رؤية الزوج تجاه "نرمين" ، رؤيته الأنانية ، فهو لم يحاول يوماً أن يتعرف على مشاعرها وأحساسيها ، ولم يتقرب منها نهائياً وهي المجروحة والغارقة في المهانة ، والتي اصبحت خارج حياته ، لأنها هي ليست طريدة لكي تحتاج الى صيادٍ ، بل هي امرأة كاملة تحتاج الى رجلٍ ، ولذا نرى أن وصفها للعملية الجنسية تاتي من قبلها مختلفة تماماً بل مناقضة لرؤيته  وتصوره ،  بل تكون على الضفة المغايرة الاخرى :

 "أنه واجبه المقدس أن ينكب فوقكِ لاصقاً صدره بصدركِ خانقاً إياك ضارباً بعرض الحائط كلَ وصايا أبن حزم في ممارسة الحب ومشرعاً رأسه لأعلى لُيخفي وجهه بعيداً عن وجهكِ ولكي يتحاشى بالمرةِ تقبيلك ودونما كلمة واحدة ودونما همسة محبة ودون أن يشير من بعيدٍ او قريبٍ إلى انه يرغبُ في ملامسة حتى يدكِ أو أنه يحبُ أن تحتضنيه هكذا سيدخلك ممدداً عليكِ صامتاً ولن يُسمع في الفضاء إلا هديلك دون أي صدى ، ليس لأنه وصل الى ذروة محبته ، وإنما لأنه أدى وأجبه ولسوف ينهض عنك مخلفاً إياك جائعة لانجذابه الأوَل وولعه الأوَل بجسدكِ ، وقد تروحين وقتها في تخيله وهو يفتش في أعضائكِ عضواً عضواً عن أكثر من باب للدخول ، ص 225 الرواية .

دون قبلة دون همسة محبة دون لمسة حنان، يدخلها ، وهكذا كان "عمر بن عدي" مع جدتها "السوداء" عندما يعتليها ،ويحول جسدها الى ضلع من ضلوعه – رؤية الاسطورة التوراتية نحو المرأة بانها خلقت من اضلاع الرجل -  ثم لينفضها من تحته فجأة ويركلها كأنها كلب أجرب وهو الذي كان ينكحها منذ لحظات ، وهو الذي حرثها – أي نكحها حسب تعبير الروائية – خلال عام واحد خمس وسبعين ليلة متفرقة ، تناقض في الفعل وفي الرؤية وفي الموقف .

الصور السردية تتناغم متلاحمة في البنية الحكائية المتواجدة في مخطوط "نرمين" مع بقية الرواية المكتوبة من قبل سهير المُصادفة , وتشترك جميعها عند تناولها في المنظور " الفنتازي " و" المتخييل" و " الواقع " ، فالحكاية التراثية المتخيلة تلتقي مع الحكاية الراهنة المتخيلة في الكتابة ، بل أن "السوداء" / المخطوط  و "نرمين" / الحاضر و الروائية /الرواية يتحررن عن طريق الكتابة ، ففي الحكي الشفاهي تتحرر "السوداء"  :

لم أعد أدري الآن يابنيتي كم لبثتُ في كنفه أتمرغُ في الحرير وأتثاءب من السعادة وأساعده في كتاب الأخبار التي يمكنُ كتابتها على لوح الزمان بعد أن علمني الكتابة . ص 190 الرواية .

كذلك " نرمين " تحررها ينبثق من كتابتها لمخطوطها المنتسب لسلالة النساء / الجواري فقط :

"  لقد وضعتِ في مخطوطكِ : لحظاتِ الأسرَة كلها ، ووجع البلاط من فرط كثرة وثقل خطواتكِ عليه ، وتعب المرايا ، ونيران غضبكِ التي تشتعل في وحدتكِ ، أحلامكِ التي لملمتها بحرصٍ بالغٍ من ليالٍ شديدة السواد وحبستها الى الأبد في سطوركِ . ص 230 الرواية .

وهي في انفصالها عنه تصبح روائية مشهورة ، وتشارك شباب مصر في شهر يناير 2011 النوم في ميدان التحرير ، اما الزوج فيدرك بعد فوات الآون كم هو غبي وأحمق ، ولكن الندم لايفيده في شيء ، ولا يفيده تتبع حواراتها على الفضائيات ، ولا مراقبته لها وهي مع زوجها تجلس على مقهى الفيشاوي بالحسين ، وهي تشرب الشيشة التي طلبها لها زوجها ، فهو كما يقول عن نفسه صارخاً :  "أنا طائر الحباري "، الطائر الطريدة الأولى والتراثية للصقارين في صحاري الجزيرة ، وهو يشكل التحدي الكبير لهم ولصقورهم ، واصطياده يعطيهم الإحساس بالفخر والنصر .. فهو طريدة نفسه ، وطريدة العقلية الظلامية .

يقول " أدونيس" : " تاريخ الإنسان هو تاريخ حريته " ، وحرية الإنسان في أن يكون ذاته – مثلما عملت "نرمين" عند مغادرتها للشقة عندما أرتدت بنطلون جينيز واسعاً وبلوزة زرقاء وجاكيت أسود، عاقصة شعرها بدبوس شعر كبير فالتغيير لم يكن وليد الصدفة او اللحظة ، لا لقد حصل التغيير منذ زمنٍ طويل من الداخل -، وبما أن الحرية تقترن بالكتابة ، فإذاً تصبح الكتابة جزءاً مهماً من الحرية ، والكتابة بهذا المعنى كتابتان : كتابة تعمل على غلق النص ، وتتوقف في زمن معين ، وكتابة تعمل على فتح النص ، وتجعله دائما محايثا ، وبين هاتين القرءتين ، تقع مسألة الحداثة ، فإن كتابة وقراءة هكذا نص ، هي لذة ، وهذه اللذة ليست قطيعة مع المتخييل التراثي ، ولا مع اللحظة الراهنية ، بل هي امتداداً لهما ، وتجذيراً وترسيخاً فيهما ، وأخيراً سوف أتساءل كما تساءل " رولان بارت" : " إذا كنت أقرأ هذه الجملة بلذة ، وهذه القصة ، أو تلك الكلمة، فلأنها كتبت ضمن اللذة ( فهذه اللذة لا تتعارض مع عذابات الكاتب ) . ولكن ماهو قولنا في العكس منها ؟ هل الكتابة ضمن اللذة ، تضمن لي – أنا الكاتب – لذة قارئي ؟ 4 .

 

الهوامش والاحالات

 

1 – ابن الاثير – الكامل في التاريخ ، تحقيق الشيخ خليل مامون شيحا ، ج 3 دار المعرفة ، بيروت – لبنان ، ص 128 .

2 –  الإمام الحسين بن علي ( رض ) .

3 – هذا المصطلح قمنا باستعرته من كتاب " بنيان الفحولة : أبحاث في المذكَر والمونَث  " للدكتورة رجاء بن سلامة ، دار المعرفة للنشر – تونس .

4 – رولان بارت – لذة النص – ترجمة : د. منذر عياشي ، مركز الانماء الحضاري ، حلب – سوريا ، 1992 . ص 25 .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق