]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

واقعية المتخييل السردي في التاريخ المؤول

بواسطة: Osama Ghanim  |  بتاريخ: 2014-04-13 ، الوقت: 17:47:37
  • تقييم المقالة:

          واقعية المتخييل السردي في التاريخ المؤول

                                            

                                                        أسامة غانم

 

                                               

 

 

 

تثير رواية محمد الاحمد  " مَتَاهَةُ  أَخِيْرِهِمْ "  أسئلة اشكالية فلسفية وكونية وأنسانية عديدة ترتبط : بالعلاقة بين الواقع والخيال والتاريخ ، وتفاعلات جمالية التلقي عند القاريء، حيث تعمل هذه الأسئلة على إثارة التساؤلات وتعميقها اكثر من اهتمامها بالبحث عن الإجابات ، وهما محكومان أي الأسئلة و الأجوبة بجدلية علانية تبادلية ، بينما لاتوجد تبادلية بين الروائي والقاريء بل جدلية مخفية عبر النصْ الذي يعتبر وسيطاً بين الروائي والقاريء ، ومنذ البداية نلمس مدى عمق التماهي المتواجد بين الواقع / الخيال / التاريخ ، هذا العمق الذي توشم به الرواية الى النهاية ، بحيث تختلط الأمور على القاريء ، فيصبح لا يستطيع أن يفرق مابين الواقع والخيال ، وعند ايهما هو متوقف ، لأن السرد فيهما مضفور متشابك ، ليس بالأستطاعة فصل الواحد عن الآخر مطلقاً ، وتتلاشى المسافات بينهما ، فالمخيال الروائي يتجول بكل حرية في متاهة الذاكرة المتشبثة بالواقع المنساب في تاريخانية لا تتوقف لأي كان و لأي سبب ، يجعل القاريء وبتخطيط من قبل الروائي  يضيع في ممرات السرد المتشظي ، وليضعه في متاهة التساؤل ثم يلقيه للبحث عن شخصٍ مجهول الهوية ، الذي هو محور الرواية المركزي والرئيس ، وهو الذي تتناسل منه الاشخاص والأمكنة ، والذي يُعتْبر في النصْ : انه المتنافذ بين العالم والخيال ، وهذا ما سعى اليه محمد الاحمد عندما اعتقد بان الخيال " لم يخلق شيئاً لم يكن حقيقياً " 1، تحكي الرواية حكاية آخر عائلة يهودية ، وحكاية مدينة اسمها بعقوبة ، بالاضافة الى حكايات ثانوية عديدة آخرى ،تعمل على دعم واسناد ورفد الحكايتين ، وعدم وقوعهما في الرؤية المبتورة ، الناقصة ، بل لكي تعطي تناسق وانسجام فيهما ،هنا الروائي يكتب " التاريخ الذي لا يكتبه المؤرخ ، أي تاريخ المقموعين والمضطهدين والمهمٌشين ، ذلك التاريخ المأساوي ، الذي يسقط في النسيان وتتبقى منه آثار متفرقة ، يبحث عنها الروائي طويلاً ، ويضعها في كتب لا ترحب بها ((مكتبات الظلام ))  " 2 ، لقد اشتغل محمد الاحمد على أسلوب حكايات " ألف ليلة وليلة " في روايته ، حيث  جعل الحكايات تتناسل من بعضها البعض ، وتتداخل فيما بينها ، تستهل الرواية بمقطع ايحائي – تأويلي :

" الرجلُ الوحيد الذي دخل الى ذلك المكان ، وبعد عشرات السنين ، هو الذي استطاع وصفه بكل تلك الدقة المتناهية .. بيت بطابقين فيه نافذة واحدة تشرف على الباب الرئيس ، ومنها يتفحصون الطارق . يعيش فيه ثلاثة أشقاء ،  (يهوده ، حسقيال ، وسناء ) . لايمنعون عن أي محتاج حاجة ، ولا يردون سائلاً .. خاصة في امور الطبَ ..خبرتهم متوارثة  ، ص 11الرواية " .

نستشف من هذا الاستهلال نقطتين اثنين : الاولى أن هذه العائلة يشوبهة الخوف والحذر الشديدين من الخارج ، والثانية انهم يقدمون المساعدة للجميع ، وهذه العائلة اليهودية ارتبطت بعائلة مسلمة منذ أن قامت الصداقة بين الجدين : يعقوب وابو علوان دندي ، لتمتد مابين ناجي وعلوان فهما لم يفترقا لحين وفاتهما سويا في يوم واحد ، ثم يهوده الصديق الحميم لـ ابراهيم ، وهذه الصداقة لم تاتي من فراغ ، او عن طريق الصدفة ، انما اتى ذلك لأن عائلة دندي هي بالاصل عائلة تنحدر من اصل يهودي " ص 137" قسم محمد الاحمد روايته الى اربعة اقسام مع تسمية كل قسم باسم وبفترة تاريخية : باب الدخول 1966- 1972م ، مَكابْيوسْ 1973 – 1978 م ، باب الخروج 1979 م ، السارد التالي ، فالفترة السردية عملياً تكون مابين 1966و 1979، بينما مجازياً امتدت لمائة عام ، وأن الرواية تبدأ من سنة 1966 ، السنة (3 )  التي تعتبر سنة الهجرة الثانية ليهود العراق ،والسنة التي بدأت فيها هجرة الكفاءات العراقية والتي تصاعدت اكثر بعد استلام حزب البعث للسلطة عام 1968 ، وطبقاً لبحث اعدته منظمة العمل العربية بلغ عدد المهاجرين العراقيين من اصحاب الكفاءات 4192 الى الولايات المتحدة و 204 الى كندا خلال الاعوام 66- 1969 م .

إن المقطع الذي أستهل فيه محمد الاحمد روايته " متاهة اخيرهم " يذكرني بالمقطع الاستهلالي لرواية غارسيا ماركيز " مائة عام من العزلة " من حيث عودة الذاكرة الى الوراء الى سنوات بعيدة مضت ، والى اكتشاف الأشياء ، والغوص في المعرفة ، فالكتابة " بالتحديد تستحق ربط الماضي بالحاضر في تراث ما . ولا يعد النص محض قطعة من الماضي بل يتمتع بالمعنى كلما قرأه أحد " 4:

" بعد سنوات طويلة ، وامام فصيلة الاعدام ، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد ، ص 7 ، دار المدى 2005" .

شاع الرعب والخوف بينهم ، أي بين يهود بعقوبة ، وعليه " استجد القرار لديهم بالرحيل ، وليس لديهم اغلى من ارواحهم ، ص 25الرواية " ، وبدأت الاخبار تتواصل ، خبر مقتل حبيبة الخياطة في دربونة التوراة، و مقتل جميع عائلة راحيل ، وقتل العم موشيه في غرفة عرض الافلام في السينما ، وتوالت الاخبار المرعبة لهم ، كل ذلك جعل معظم  " البيوت القديمة قد هجرها اهلها خاصة بعد أن تعرض اصحابها الى اعتداءات مباشرة من قبل القرويين هجموا من القرى والضواحي المحيطة بمدينة " بعقوبة " ، فبات خيارهم الرحيل الى اجل مسمى ، بعضهم لم يرتض البيع بثمن بخس ، لايساوي ثمن عربة وحصانها ، ص 166الرواية" .

قبل أن استعرض السارد / الراوي الذي هو الشخصية الرئيسة ، اود ان ابين مأزق الكتابة  الذي يقع فيه الروائي العربي عندما يتناول شخصية اليهودي الإشكالية ، وكيف تصوره الرواية العربية ؟ ، فهنالك " تعالق شائع شائك بين اليهودية والصهيونية ، عن اليهودي في الرواية العربية المرتبط في اذهان الناس بصهيونية كنا وما زلنا نعاني منها الآمرين .  وأن ما يتجلى عن اليهودي من مكونات وطباع ، له حمولات حضارية واقتصادية واجتماعية  ودينية ، بما يستدعي تفكيراً باهمية ابتعاد كلَ من منتج النصْ أو قارئه عن فعل التنميط " 5،هنا ياتي دور الناقد / القاريء ، واهمية ادواته واشتغاله عليها ، في الحفر والتنقيب بعيداً عن انطباعيات متسرعة غير مستوعبة للعمل الادبي وانعدام التراكمات الثقافية المختلفة  لديه عند  تعامله مع الخطاب الروائي الذي تتكرر فيه صورة اليهودي الشرير أو الصالح ، بما يُعد اختزالاً مخلاً ضمن رؤية احادية غير متعددة هامشية  تبالغ في المدح أو الذم لتجعل الصورة التخييلية لليهودي مبتورة في كلتا الحالتين ، بل ومشوهة ضمن سياقات لا تتوافق مع سياقات النصْ في الحد الادنى ، ولدينا أمثلة على ذلك : رواية (النبطي )لـ يوسف زيدان – رواية (عائد الى حيفا )لـ غسان كنفاني – رواية (شرق النخيل )لـ بهاء طاهر .

 وهنا يتجلى دور الناقد / القاريء في تحليل العلاقة التبادلية بين الفهم الأدبي والفهم التاريخي تأويلياً ايضاً، من اجل الكشف عن العلاقة الأساسية المتواجدة بين الفهم والتأويل ودور النقد عليهما ، وكيفية ارتباطه بهما ، لأن النقد لا يكون ممكناً إلا اذا كان فهم النصْ تأويلياً ، "ويستلزم فهم النص فهماً لمادة الموضوع التي يتحدث عنها النص ، ويختلف النص الأدبي عن الوثيقة التاريخية – وعن الوثيقة التاريخية التي يقوم تاريخ الوظائف عند بارت بتحويل النص الأدبي اليها – وذلك لأن القاريء هو المخاطب المباشر في ذلك النص " 6.

يبدأ  " محمد ابراهيم " السارد الضمني في الرواية بالبحث عن الحلقة المفقودة التي اسمائها " ابن يهوده " ، وأن فكرة البحث تاتيه بعد مجىء عمه " حسقيال " لبيتهم، واستخراجه من الفتحة السرية في غرفة المكتبة الموجودة  بين رفوف الكتب ، الشوفار(قرن كبش مبروم على شكل بوق )، ومجموعة من الاختام معها مفتاح باب نحاسي ، ويتجذر الاسم عنده بعد قول   " حسقيال " له :  أن " يهودا ابن متاثياس " لقبه " مكابيوس " ثم صار هذا الاسم لجميع الأسرة ص 106  . هنا " محمد "  لم يستطيع استلام الشفرات المرسلة من قبل عمه ولا تفكيك السطور، فقط اصبح يرغب بشدة في أن يعرف من هو " مكابيوس " ؟ بعد أن بات يمثل له –  أي اصبح يمثل محمد ضد ذاته أو مكابيوس ضد مكابيوس  - تحدياً وعناداً ، ونزوة تؤرقه ،  رغم أن الإجابة كانت تحت يده ونظره ، فقط لو مد يده في الفتحة السرية الى العمق / التيه لكان عثر على مايبحث عنه وعرف من هو " مكابيوس " ، ولكن , بقى الأسم في الوثائق الدينية اليهودية " مكابيوس " ، وفي الوثائق المدنية الرسمية " محمد " ، وهذا اللغز / التيه منذ السطور الاولى للرواية كان امامه بشكل تورية ، وقد كشف (=أي اللغز )  نفسه بنفسه ، ولكن لم ينتبه له ولم يستوعبه :

-" انك تشبهين الملكات في افلام السينما ياخالة "

-" أنا عمتك .. ولست خالتك" !! ص 15 الرواية.

وبكل سهولة باستطاعة القاريء الامساك ومعرفة شخصية  " محمد " من خلال حواراته الذاتية مع النفس، وتمرده ، وامتلاكه لوعي ترسخ وتعمق من خلال عشقه لعالم الكتب " ستقرأ كل هذه الكتب عندما تكبر" ، والافلام السينمائية "لو كان ارسطو في زمننا لأحب السينما / جيرار جينيت " ،  والموسيقى  " اديث بياف " :

" اريد مشاركة حقيقية بأن اصنَعها، اجبلها بالحبر ، والورق . أشارك فيها كأي بطلٍ حقيقي يصنع قدره بيديه ، ليس بالخيال ، لا أن يُكمَل  على الحوادث التي سمعها من هنا وهناك .. اريد أن اكون خالقا مبتكراًللشخصيات والأحداث ص 46- 52 الرواية."  

هذا الصوت الذي نسمعه ليس صوت السارد فقط بل يشترك معه صوتاً آخراً هو صوت الروائي الضمني الذي بمساعدته يعثر " محمد إبراهيم " على مايبحث عنه وذلك في نهاية الرواية ، ويتيه القاريء بينهما ، ايهما يسرد ، يحكي ، يقص ، أهو محمد الاحمد الروائي – الراوي ام محمد / مكابيوس السارد – الراوي ، الاثنان هما في نقطة الروي ، وينطلقا منها ،  ليضعا تفسيرات – تأويلية محكمة لفهم النصْ ، ويكتشف بانه كان يبحث عن نفسه في كل الاوراق التي كتبها على الآلة الكاتبة وهي بلا حبر ، ولكن رغم ذلك يبقى السر الذي قد اطلع عليه غير مسموح له  (أي مكابيوس / محمد )من قبل ذاته باطلاع الآخرين عليه ، حتى مع الذين يعرفونه وهم : عائلة يهوده (وهي قد غادرت مدينة بعقوبة ، يهوده وسناء الى اسرائيل وحسقيال استقر في بغداد لاستلامه منصبا ً دينياً فيها )  وابراهيم وطليلة ، الوحيد الذي عرف السر وهو من خارج العائلتين هو عباس زرزور/ عزرا ، ولكن بعد فوات الأوان ، هذه المعرفة جاءت متزامنة مع واقعة المكتبة ، فلقد دخل الى غرفة المكتبة بعد خروجهم ليعثر على  كومة الأوراق المرقونة على الآلة الكاتبة والتي فيها سر مكابيوس ، عندئذ تتضح الصورة لدي عزرا / عباس زرزور ، وتتشكل الرؤية ، لا لكي تبدد متاهته بل لكي تعززها وترسخها وتوسعها :

" أعرف بانك ستسألني من يكون صاحب السر ؟ كان قريباً جداً مني ، وأحد سماري ، بات أقرب أصدقائي ، ولن ابوح بسره ، مهما سيحصل لي ، ص256 الرواية" .    

 وهنا يسقط " محمد / مكابيوس " مرة آخرى في التيه ، والدهشة ، واللامتوقع ، مباغتاً بالمفاجأة التي تقتحمه بأن " عزرا / عباس زرزور" يعرف سر  " مكابيوس/ محمد" وهو الباحث عنه منذ سنوات طويلة لم يستطيع التوصل اليه رغم كل الشفرات المبثوثة امامه والعلامات الدالة ، انه محكوم عليه بالتيه في متاهته حتى بعد عثوره على الأوراق التي بحوزة عزرا لانه كلما يصل الى " نقطة أجدني قد ضللت الطريق ، ص 302 الرواية" .

لكل واحد منهم متاهة تختلف عن الآخر، في الاوصاف وفي السمات ، وفي الاهداف ،  وفي نوعية المتاهة التي هو فيها ، فمثلاً متاهة عزرا / عباس زرزور كانت ذات حدين ، الفضح والتكتم ، فهو اتى من قادش لغرض العثور على " مكابيوس " اصلاً  بتكليف من قبل أبو مسعودة ــ فـ " مسعودة " زوج " يهوده "  هي الأم الحقيقية لــ  " محمد/ مكابيوس"  وليس " طُليلة " التي عهدوا إليها رعايته ولتكون " الأم التي لم تخرجه من أحشائها..ص 296الرواية"  ــ ورغم البحث الذي استغرق منه خمسة عشر عاماً ،   فعندما يعثر عليه يصبح من اشد الذين يصرون على كتمان سره ، والحفاظ عليه مهما كلف الامر ، حفاظاً على الطائفة اليهودية اولاً وحفاظاً على "  مكابيوس / محمد " ثانياً ، فهو عاش يهودياً تحت تقية الاسلام وتحت اسماً مستعاراً، ولكنه مات مسلماً حقيقياً ، ليغسل ويدفن في طقوس وشعائر دينية اسلامية بحتة بل ومتزمتة ( ص 271الرواية ) في مقبرة " أبو إدريس " ، بعدما مشى وراء جنازته القاصي والداني من اهل دربونة المحطة ، بينما  " محمد إبراهيم " كانت متاهته التكتم والفضح ، وهو الذي  عاش ونشأ في ظل تعاليم اسلامية وتربية سمحة  ، ولكنه خرج من العراق تحت اسماً يهودياً هو " مكابيوس " ، ليلتحق بابيه " يهوده " في اسرائيل ، مع علامة تعريفية هي المفتاح النحاسي ، فشتان بين الاثنين ، وشتان في المفارقة المجازية .

وكان " عزرا " يمتلك قدرة عميقة في تحليل الاحداث والاخبار ، وانه صاحب رؤية سديدة ، واطلاع واسع في الثقافة وفي الحياة ، ونلمس ذلك في حديثه عن الهجرة :

ــ  " اختصرها ذات مرة " حسقيل قوجمان " بجملة واحدة " ان هجرة اليهود من العراق كانت مؤامرة مدبرة ومحبوكة ، أسهمت فيها قوى هائلة أجنبية وصهيونية وعراقية ، ص274 الرواية" .

" مَتَاهَةُ أخِيْرِهِمْ " ، عنوان الرواية ، العنوان الذي سيضيء زوايا الرواية اذا قمنا بتفكيك شفراته ، وسيكون العتبة الاولى والاخيرة في قراءة النصْ السردي ، والمفتاح التؤام للمفتاح النحاسي العلامة ، فقط اذا عرفنا اين نضعه ، وفي أي فتحة ، وذلك لا يتم الا بالتأويل المستند على الفهم والتحليل المجازي واختراق فضاء اللغة ، ولكن من الصعب الإحاطة بمفهوم التيه والمتاهة في التماثلات الأدبية . أيجب الارتكاز على مفاهيم لغوية و دينية و سوسيولوجية وفلسفية ، عند دراسة هذه التماثلات ؟ كل هذا يقتضي مسبقاً تحديد مفاهيم المتاهة والتائه  والتيه ؟.   فالمتاهة : مكان يضيع فيه الإنسان ويتحير ، المتاهة : صحراء ، موضع التَيه .  اما التائه : شخص يجد نفسه في لحظة معينة . وحيداً . بدون أي ارتباط خاص ، متنقلاً من مكان لآخر ، " غريباً في كل البلدان " . التائه : هو الفضاء الوسيط  . اما التيه : هو هجرة أو سفر ليس له وجهة محدَدة . إنه رحيل عن المجتمع بأعتباره حشداً من الأفراد الذين تجمعهم أواصر اللغة والدم .

نلاحظ أن محمد الاحمد يحاول أن يبقي القاريء المحتمل المشترك معه منذ بداية الرواية ، في المتاهة التي هو فيها فإن  " إدخال القاريء المحتمل ( إدخلاً تخييلياً حتماً )من خارج عالم السرد إلى عالم السرد التخييلي هو حالة أخرى من الصور ، أقصد ، التخييل " 7، من خلال نثره لشذرات من السرد الغرائبي بين سطور النصْ ، ومحاولة طمسه اعمق فيها : " عينُ تصرَ على أن هذا الواقع خيالُ استند على واقعٍ قد حدث ، وهذا الواقع المدون كان نسجاً من الخيال ، وليس اكثر ، ص 105 الرواية" .

فالكتابة الإبداعية بحد ذاتها عموماً تعتبر ممارسة متاخمة للتيه بهذا الحجم أو ذاك ، لكونها تتيح للكاتب وضع مسافة بينه وبين الضوابط السوسيولوجية والسياسية والجنسية ، والبحث عن آفاق يمارس فيها حريته كبديل يعوض بها عن متراكمات اختلافاته وتناقضاته مع مجتمعه ، لقد انتهى المطاف بمبدعين كبار مثل رامبو وارتو وفيرلين الى تيه حقيقي ، فــ رامبو انقطاع عن الكتابة وسنه لم يتجاوز العشرينات وشد عصا الترحال خارج اوربا .

تبدأ الرواية في وصف البيت ، بيت عائلة يهوده ، بروائحه الطيبة ، ونظامه الصارم ، وانسياب الموسيقى الساحرة في ارجاءه ، بالاضافة الى حدائقه الخلابة ، بورودها المتنوعة العبقة، مع ارض مفروشة واضواء مريحة ، ونفوس مرهفة ، حيث يقوم الراوي من شدة  الاعجاب والاندهاش بتشبه ذلك بافلام السينما ، ثم لتنتهي بصورة ماسأوية غير متوقعة نهائياً ، في نهاية البيت ـــ الملاذ ، الجنينة ، الجنة ، تحت مجرفة البلدوزر المسننة :

ــ " جاءت البلدوزر بصوت مزمجر ، وراحت تجرف البيت ببطء وحذرٍ شديدٍ . ص 311 الرواية "

إن هيرودوتس المؤرخ اليوناني (القرن الخامس قبل الميلاد)تناول الإنسان الذي اعتبره  ذكرى منبثقة ومتجانسة من تاريخانية اللحظة ، عليه سعى لمعرفة أسباب وآثار هذه اللحظة ، الدائمة التغيير ، و متحوَلة ، وبهذا يكون التاريخ " علماً بالمتحوَل الإنساني " ، ولهذا يصبح الوعي التاريخي وعياً بالحاضر المغادر للماضي  ، وان  "  فهم التاريخ يعني محاولة فهم الحاضر (المتجلي في حقيقةان النص ((ادبي ))) . وإسهامه الذي يقدمه هو شخصياً للتراث " 8 .إن صورة هدم بيت العائلة وقلعه من جذوره ، فيها من الدلالات- التأويلية والمعاني – الايحائية الكثير ، وهذه الرؤية تشمل كل معالم مدينة بعقوبيا التي تعتبر حضارية ومدنية مثل السينما التي انشئت عام 1946 ، والمكتبة العامة ، والمحطة ، ونهر خريسان ،  قبل ان تغزوها البنايات الكونكريتية والعمارات السمنتية ، وقبل العبث بالنهر الاخْرس من حيث الاتجاه والعمق والمسار ، ادى ذلك الى تشويه المدينة التي كانت تحتضنه وتلتف حوله ومسح الحدائق المنتشرة على منكبيه.. باختصار تغير كل شيء .

أما بخصوص عالم السرد التأريخي ، فإن السيرة الشخصية المزدوجة ، والاوراق التي كتبت بلا حبر ، والهواجس ، والتوقعات ،  والمتغيرات ، تشكل إذا بالفعل ، شكلاً من اشكال الــ    ميتا – سرد.

رواية  " مَتَاهَةُ أخِيْرِهِمْ " ملحمة الإنسان الذي يرفض العنصرية بكل اشكالها ومسمياتها ، لأنه يؤمن بان الناس جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات . فالروائي محمد الاحمد يشتغل في روايته على الإنسان المتحد والمتشكل والمنسجم مع الآخر مهما كان دينه أو مذهبه أو طائفته أو جنسيته أو لغته .

 

 

الهوامش والاحالات

1 – غاستون باشلار – جماليات المكان – ترجمة  غالب هلسا ، كتاب الاقلام ، دار الجاحظ للنشر ، بغداد 1980 ، ص 181 .

2 – د. فيصل درَاج – الرواية وتأويل التاريخ- المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء- المغرب ، بيروت – لبنان ، 2004 ، ص 369 .

3 – كانت الهجرة الاولى عام 1950 – 1951 م ، والثانية عام 1966 م ، وكان من احد اسباب الضغط على الطائفة اليهودية في هذه السنة هو هروب الطيار العراقي المسيحي منير روفا " 1934 – 2000 " بطائرة ميغ 21 تابعة للقوات الجوية العراقية الى مطار اسرائيلي في عملية معدة ومنظمة من قبل الموساد الاسرائيلي .

وبعد اربعة عشر عام تبدأ هجرة ثالثة أي في نيسان عام 1980 حيث يتم تهجير الكرد الفيلية  الى ايران .

4– ديفيد كوزنز هوي – الحلقة النقدية : الأدب والتاريخ والهرمنيوطيقا الفلسفية – ترجمة : خالدة حامد ، منشورات الجمل ، كولونيا – بغداد 2007 ، ص 143 .

5 – د. رزان إبراهيم – مأزق الكتابة عن الشخصية اليهودية في الرواية العربية – الجسرة الالكترونية الثقافية http:// leromandz.com /?p=4604.

6 – الحلقة النقدية – ص 212 .

7 – جيرار جينيت – الانتقال المجازي من الصورة الى التخييل ، ترجمة : د. زبيدة بشار القاضي ، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب ، دمشق ، 2009 ، ص 83 .

8 ـ الحلقة النقدية – ص 237


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق