]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تاريخية السيرة الذاتية في سردية المتخييل المؤول

بواسطة: أسامة غانم  |  بتاريخ: 2014-04-13 ، الوقت: 17:35:45
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

 

 

 

تاريخية السيرة الذاتية في سردية  المتخييل المؤول

 

                                                    أسامة غانم

 

 تتشكل رواية عباس خلف  " من اعترافات ذاكرة البيدق " من السيرة الذاتية الممزوجة بــ الخيال / التأويل / التاريخ ، في هذا المزج المتداخل باستطاعتنا العثور على معنى الحياة في التشكيل المستمر لوعي الذات وذلك من خلال عملية تأويل مستمرة في اعادة التشكيل ، ليكشف  البطل / الراوي فيها بأنه  "  مجنوناً لا أستطيع أن أكون . ومعافى لايليق بي أن أكون . وأما أن أكون عصابياً فأنا كذلك " 1 ، وفي الرواية لا تكون السيرة الذاتية وثيقة تاريخية ، لان جدلية السيرة الذاتية تتكون من قطبين متعارضين هما الخيال والواقع ، رغم أن السيرة تعتمد في سردها للأحداث على الذاكرة ، ولم يلجأ الروائي الى حالة التقطيع والانتقاء في اختياره للأحداث ، بل عمد الى جْمعَها ليرسم بها صورة شمولية متداخلة تتساوق مع الاعتراف ، بل هو الاعتراف المنبعث من حرائق الذاكرة ،حيث " لا تنتهي أبداً اعترافات الذاكرة من تشكيل مفاجأة مثيرة ومشوقة- ص 11 الرواية "، ذاكرة البيدق = الجندي / المقاتل  / المحارب الموشوم بنار الحروب كلها : حروب طروادة – حرب داحس والغبراء – حرب البسوس – الحروب الصليبية – حرب فلسطين -  حروب الخليج، لانه هنا وضعه الروائي في وضعية مخيفة حيث  لا يستطيع أن يحرك نفسه بل هنالك من يقوم بتحريكه كيفما يشاء ويلعب به متى ما يشاء ، فهو واقع في مساحة الواقع المتخيل .

تشتغل الرواية على الموت المجاني في الحرب والذاكرة المستباحة وعبثية وجود الانسان ، وتاريخانية السلطة ومرجعياتها (سلطة الحكومة – السلطة الفقهية – سلطة الاب – سلطة الخرافة – سلطة المؤسسة ) ، وتشتغل كذلك على أن الروائي يكتب  التاريخ الذي لا يكتبه المؤرخ ، أي تاريخ ، المقموعين ، المهمشين ، المساقين الى الموت بدفتر بحجم الكف يسمى دفتر الخدمة ، المنفلتين من مملكة العقل ، المساكين ، المفقودين بين القبضة الفولاذية والمطرقة الحديدية ، أي التاريخ المنسي لناس قابعين في مربعات البيادق، أي لشعب / بيدق لم يستطيع أن يغادر مربعه لانه محصور بين العمامة والبيرية ، بين الخرافة والمسدس ، فالبطل يحفر في الذاكرة ليس من اجل الاكتشاف بل من اجل الكشف وهذا يظهر منذ السطر الاول في الرواية :

الحيرة تشكل ركناً اساسياً لمخاوفنا، نحن لا نخفي ما سيحدث ، تحركنا الغوامض المجهولة ليس الى حالة الانتظار حسب وإنما تدفعنا الى حالة الارباك.. ص 9 الرواية".    الحيرة / خوف ، الانتظار / ارباك ، تصبح حيرة الانتظار / خوف الارباك ، فهي لا تسرد الوقائع التي وقعت بحدَ ذاتها ، بل تقدم إدركات حسية مطحونة بــ التخييل ترمي الى : الاثارة ، والمتعة ، والكشف ، ترمي الى المتخيل المؤول ، والنصَ " ليس ذلك الذي يؤوَل ، إنما هو، بالأحرى ، الميدان الذي يُحدث التأويل . إنه فضاء كل من الكتابة والقراءة : أي شبكة أنظمة العلامة ، والشفرات ، وأنظمة إنتاج المعرفة ،ولكنه أيضاً الاطرُ ، والهوامش ، والحافات ، والحدود ، والتخوم " 2 .

هنالك مفصل مهم جدا ، علينا الانتباه اليه في قراءتنا، منذ الصفحة الاولى الى الصفحة الاخيرة في الرواية ، الا وهو انها رواية تميزت بسردها المليء بالمعرفية – الثقافية ، حيث جعلت القاريء غير المثقف الذي لايمتلك ابستمولوجية عميقة وقليل الاطلاع يتيه ، يضيع ، وتغلق بوابات البيدق عليه ،فلقد عمد عباس خلف الى جعل الرواية احجية تستعصي على الذي لم يكن واسع الثقافة في : الاساطير – الانثربولوجيا – الكتب المقدسة – التاريخ – السياسة – الاقتصاد ، ثم اخضع كل ذلك الى سردية المتخييَل المؤول في انشاء سرده، ففي الوقت الذي يكون السرد متشظياً يكون في ذات الوقت متناسقاً ، معادلة اشتغلت على الاستعارة المجازية في ترسيخ سلطة السيرة ذاتية المؤرخة  في سردية المتخييل المؤول .

ففي صفحة واحدة تتداخل وتتزامن حيرة " أم هاشم" في نزول ابنها من الحرب ، بعدما قتل ابوه في الحرب ، حرب فلسطين 1948 ، مع أصحاب الاخدود مع أصحاب الغرانيق مع هدهد سبأ الذي تأخر عن الميقات مع " شعلان ابو الجون " الذي يهدد عصيان سدوم وعمورة  مع الإفك  و" صفوان السلمي " ، فتصبح حيرة " أم هاشم " محلولة فقط في الاجازة الدورية الشهرية التي ينزل بها ابنها للبيت ، فانها حيرة الانتظار التي تنتهي في المواجهة ، لتبدأ مرة اخرى عند الاشتياق والانتظار متحولة الى حيرة صابرة ، متسألة ببراءة الذئب من دم يوسف ، لماذا هذه الحروب العبثية ، ومن الرابح ومن الخاسر فيها ، فالجميع يقتل فيها ، بالاضافة الى الخراب والدمار مع جيوش من الايتام والارامل والمعوقين ؟ :

هل تاجلت ؟

هل بدأ الهجوم ؟

هل ياتي ؟

لا تاجيل في الميقات ياتي الناس من كل فج عميق سواء ،

بعد العواصف ...

    اثناء الزلازل ..

لحظة الحريق ..

    ياتي الطوفان .. ص 12 – 13 الرواية.

إما اصحاب الاخدود فانها قصة فتاً آمن فصبر وثبت فامنت معه قريته ، وقد ورد ذكرها في القران الكريم في سورة البروج 1-8:(والسماء ذات البروج . واليوم الموعود . وشاهدٍ ومشهود. قتل اصحاب الاخدود. النار ذات الوقود . اذ هم عليها قعود . وهم على ما يفعلون بالمومنين شهود. وما نقموا منهم الا ان يومنوا بالله العزيز الحكيم)، ثم هذه القصة القرانية تواجه قصة أصحاب الغرانيق ، يقول بروكلمان في كتابه " تاريخ الشعوب الاسلامية " : (    ولكنه – أي النبي صل الله عليه وسلم – على ما يظهر اعترف في السنوات الاولى من بعثته بآلهة الكعبة الثلاث اللواتي كان مواطنوه يعتبرونها بنات الله ولقد اشار اليهن في احدى الآيات الموحاة اليه بقوله : " تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن ترتضى ) ، والغرانيق هي آلهة العرب في الجاهلية الثلاث ، اللات – العزة – مناة الثالثة " فيالق تحارب بلا انقطاع مدن وقرى . ص 13 الرواية" ، تحارب بالبيادق التي يؤمنون بها بقيادة الاثرياء الذين اختلقوها ،أو جلبوها، أو صنعوها ، اما هدهد سبأ فهو كان السبب في عدم نشوب الحرب بين مملكة بلقيس وجيوش النبي سليمان بتأخره عن الميقات ، قال تعالى  في سورة النمل : 20-21( وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين . لاعذبنه عذاباً شديداً أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) .

اما الشيخ شعلان ابو الجون ، فهو الذي حارب الاستعمار الانكليزي عام 1920 ، وهو من مدينة السماوة / الرميثة ومن شيوخ الظوالم ، طالب بالاستقلال من خلال اشعاله للثورة ومحاربته للانكليز ، يضعه الروائي عباس علي في استعارة مجازية في تهديده لعصيان سدوم وعمورة ، وربما سوف يتساءل القاريء وهذا من حقه ، ما علاقة الشيخ شعلان بــ سدوم وعمورة ؟! ، وحسب ما جاء في القرآن والعهد القديم والاناجيل هي مجموعة من المدن الصغيرة ، كان يعيش فيها النبي لوط ( ع )، خسفها الله بسبب ما كان يقترفه اهلها من مفاسد وشذوذ جنسي ، فلقد سلط الله عليهم الحروب لكي يتعظوا ويتوبوا ، ولكنهم هزموا في الحرب التي قامت عليهم ولم يتعظوا ويتوبوا- سفر التكوين / 14 ، وجعل الله سدوم وعمورة عاليها سافلها وامطرت السماء عليها حجارة من سجيلٍ منضودٍ ( سفر التكوين 19/ 24 - 25 ، سورة الحجر /73 – 74 ، سورة هود /82 .

حصل ذلك (مشهد " أم هاشم "  واضرام النار في الأخدود مقابل تألية الغرانيق بعد تأخر هدهد النبي سليمان ووطنية الشيخ ابو الجون في محاربة المستعمر / الفاسد وعملائه الفاسدين القتلة في غلسة النهار اشباه مواطني سدوم وعمورة ) قبل أن يهتز – الإفك – فوق ظهر ناقة " صفوان السلمي " ، فــ الإفك هو الكذب والافتراء ، وأن الكتابة لدي عباس خلف هي ، إذا، شبكة آثارعلامات وشفرات منتشرة ، متواصلة ، متناسلة ، بشكل مخاتل وراء آثر وهمي ، أنه نصَ مكتوب بطريقة يجب على من يقرأه اعادة بناءه والحفر فيه لاستبطان المخفي والمهمش بدلاً من نصَ القراءة الذي لايقرأ بطريقة نقدية ، ومن دون تأويل ، ومن دون تخييل للتأريخ ، لتدمج ماهو غائب بوصفه حاضراً، وهنا علينا أن نبحث عمن هو فوق ظهر ناقة " صفوان السلمي " يهتز ؟ أعائشة بنت ابو بكر الصديق ام الإفك ؟ وماهي العلاقة التواصلية التي تربط المشهد ببعضه؟ أن تفكيك " كتابة رسم الحقيقة (حقيقة الأشياء )هو كتابة لكتابة . فالتفكيك هو إنجاز كتابة . والكتابة عن الكتابة هي وضع الكتابة في حالة

لعب ، واستكشاف هوامشها ، وحدودها ، وأطرافها ، وأشفارها ، أو باختصار ، اختباراً للحدود وتكملة للعبارة المكتوبة " 3 .

الحفر في الذاكرة ، معناه الكتابة / القراءة لعملية انتاج السيرةالذاتية ، معناه النقش في وصف الذات من خلال الذات نفسها ، " كان بيت الطين رمز ولادتي الأولى على حاله ، لم يتبدل ما دام جلدي يتحمل أعباء الفصول ، انتشرت في مداخل مساماته رائحة الصبير والعاقول وأعشاب البرية ، فمنذ أن لفظتنا قوائم الحروب لم نعرف سوى الشتات داخل أقفاص الوطن ، حرت في نفسي أو بالأحرى أريد أن أخفف من روع صور أحبتي الذين صدمتني بهم ما جار عليَ ، لأقول هل هم الوحيدون أصدقائي ، هل ما زالوا على قيد الحياة – ص 47 ، 48 الرواية " . 

هكذا يصف البطل / الراوي نفسه ، ولد في قرية عراقية ، ملتحماً بالطبيعة ، متشابكاً مع جذور الصبير والعاقول وزهور أعشاب البرية ، ليعي على نفسه في اتون نار الحروب ، ولظى شظايا القنابر والقنابل ، ملتفاً بدخان حرائقها ، ممتزجة هذه برائحة الصبير والازهار البرية الملتصقة بجلده منذ طفولته، وملتاعاً بالسؤال عن احبته قبل السؤال عن نفسه : هل قتلوا في الحروب ؟ الى درجة تصبح حياته ضائعة ما بين الوهم والحقيقة ، بحيث هو بذاته يبدأ بالتشكيك والأرتياب من وضعه الوجودي : " اعيش الحقيقة أو هكذا اتصور نفسي –  ص 59 الرواية " ، بل تصل به الجرأة  والصراحة الى الاعتراف على ذاته " تابعت مشواري ككائن ضعيف ، خائب، مهزوز، منكس، مبتلَى بحتمية الواقعة والوقعية – ص 89 الرواية " .

إن بطل رواية " من اعترافات ذاكرة البيدق " يتماهى مع بطل فرانز كافكا في رواية " المحاكمة " من حيث الوضع العبثي الذي يجد نفسه به " فهو نادراً ما كان له اختيارُ في قبول المحاكمة أو رفضها ، فقد كان في خضمها ، وعليه أن يصون نفسه – رواية المحاكمة " ، كذلك بطل " من اعترافات ذاكرة البيدق " ليس لديه أي أختيار في قبول أو عدم قبول الحروب التي يخوضها غصبا ، وهو لايعرف لماذا يلقى في هذه الحروب ؟ فقط يجد نفسه انه في خضمها مزروعاً فيها ، ومشروع موت مجاني ، " لقد تركتني الحرب بعد أن استنزفت ما بقى لديَ وأعتقد حان الآن وقت مقايضتي على ماذا ؟ وهل أنا؟ - ص 51 الرواية" ،  ولا يحق له مجرد التسأول أو أي شيء آخر، لأنه ليس هنالك اجابات فقط تتناسل التسأولات ، و لأنه مجرد رقم  في سجلات التجنيد السود ، ولأنه مواطن قد تحول الى عبدٍ يوم توج الحاكم الهاً،  وبهذه الصورة يجب أن " ينظر الى التأويل على أنه شيء يُجري على التخييل ، بل بالأحرى على أنه شيء يُجري في التخييل "4 ، بهذه العملية يتحول التأويل الى تخييل وبالعكس ، وأن التخييل يعنى بشكل مكشوف بالتأويل : " أي أنه يعني بمدياته وحدوده ، وضرورته وقصوره " 5 .

ولم ينفع حجاب العلوية لطرد الشؤم والحسد عنه ( ص 87 الرواية )، يوم علقوه برقبته باعثاً للأم فرحة لاتوصف بطفلها ، ولم تنفع التعاويذ المدغومة بزنده ، مثل ابيه الذي غربته الحرب عنه ، لكن مفعول الحجاب والتعاويذ كانت تشتغل في مكان آخر ، في حفظ الحاكم والحكومة ، وذهاب الشعب والوطن لهما فداءً " في أي ملجا لايستطيع الجندي أن يصمد ثلاثة ايام ، ومع ذلك بقينا على هذه الحال سنوات عدة ، نرسم ، نكتب ، نتحدث ، عن السلاطين القدامى والجدد ومدى تلذذهم بطول رقابنا التي تمتد خنوعاً وضعفاً علــــــــــــــــى طول الدهر – ص 45 الرواية" ، ولكن للأسف " الذي مات في الحرب استفز وجداننا نحو الحقيقة ، والذي بقى زور الحقيقة – ص 28 الرواية " ، و للأسف مرة آخرى لانهم كانوا يعتقدون بإن " لا فرق بين الجلاد والضحية – ص 30 الرواية " وذلك لأن الضحايا عندهم يحترمون جلاديهم **.

الروائي عباس خلف ، يعمل على تسليط الضوء على تأريخ القمع الذي تُوْضَا به عبر الازمنة المتعاقبة ، حيث يصل الى الحرب الاخيرة وقمعها وتفرعته المتناسلة منه ، وذلك بتداخل الرؤى للسارد، القتلة مختلفين والمقتول واحد ، منذ اول قتيل في التأريخ الإنساني ، فهم ولدوا مع ولادة الشهوة :

" اعتنقوا هوية أردبيل بعد أن نزحوا عنها وتمسكوا بها حد النخاع ..ووقفوا عندها بحزم ، إنهم يكتبون الرسائل والمنشورات للحلاقين والعطارين والحوذيين تحت شفرة ولائهم ربما يجهل بعضهم ما يحاك ضده في الخفاء فيلصق المنشور على واجهة الدكان بعد فوات الأوان أن ثمة خيوطاً في هذه اللعبة تتعلق بين واضع المنشور وجابي (الاتاوة )ص 66 الرواية " . وما بين أصحاب الملابس البيضاء وأصحاب الملابس السوداء ، ومابين الواضع والجابي يسقط البطل في تجربة الجلجلة ، ويبدأ بالتسأول في داخله ، وهو الذي نجا منهم من حرب الثماني سنوات ، فهل سينجو منهم هذه المرة ومدينته تكتب تاريخ الغزو المزدوج وكذلك عراقه ، ومصيره الذي أن لم يكن معلق اصبح مجهول بالنسبة اليه " سألت نفسي ، هل وقعت في المحذور،يبدو أنَهم فهموا ما عليَ، ضيف ، لا تيأس، لا تملك هوية، خروج مشبوه، ومن خلال اللغط المبهم كان أغلبهم يرطن بلغة غير انكليزية ... ما أفعل ؟ زاغت عيناي على بعض العناوين ، ولاية الفقيه روح الله الخميني، بحار الانوار، كتاب الكافي للكليني – ص 86 ، 87 الرواية".

من خلال مخطوطة / مذكرات الشابندر " مصطفى خان " – يطلق البطل على المخطوطة أسم الاعترافات ايضاً - المتوفي قبل قرن ونيف نتعرف على نساء الرواية ، اللواتي كن مرسومات من قبل " عباس خلف " باشكالية عالية ، وعلينا أن نعلم بإن المخطوطة في النصَ هي جزء من النصَ الاصلي  ومبثوثة في ثناياه وليست مستقلة كملحق ،انها تصل الينا على شكل برقيات ، أو على شكل مقطعات قصيرة ، عن طريق السارد الاصلي أو عن طريق البطل (لم نعرف أسم البطل لنهاية الرواية ، لأن الكاتب لم يطلق أي أسم ، وفي ذلك دلالة ايحائية مقصودة من قبل الكاتب ، فالاسم يعتبر عنوان لكل مسمى ، ولكن الكاتب أطمس هذا العنوان لأسباب تتعلق باستراتيجية وهدف وغاية النصَ) في حواراته الذاتية، ففي المخطوطة ينفصل السارد عن البطل، كلا ياخذ دوره في التبئير ووجهة النظر حول النساء، فالنساء هن : أم البطل / السارد ، وعمته التي تزوجها الشابندر سراً ( ص 73 الرواية)، وبراء " فاصل من زمن – ص 70 الرواية" ، وابنتها اسماء ، براء التي تستغل الخلوة لتدخله الحمام " قلت والخوف يستنفر حواسي ، ما تريدين مني؟ قالت بهدوء، لا اريد منك  إلآ أن تسمعني وأنا أغني ، الغناء في الحمام يريح الاعصاب ، ثم بدأ العزف على اوتار الجسد – ص 70 الرواية" ، تأريخ متشظي ، تأريخ مليء بالضغط السايكولوجي والسوسيولوجي والجسدي للبطل غير المسمى، ونتعرف على وجهة نظر الشابندر للمرأة من احد المقاطع المسبوقة بدائرة سوداء ، وهي مجتزأ من المخطوطة ، عن امرأة اعرابية ، فاتنة، أقسمت للانتقام والثأر، من مَنْ ولماذا ؟ ونفذت وعدها :

*  ترتدي ثياباً فضفاضة سوداء رمز الحداد ، هذا من حقها ، ولكن أن تكتم صرخة الأنوثة تحت مظاهر البؤس والحرمان لا يليق ببهاء المنظر المتجسد في قوامها الفارع المكتنز بالمحفزات – ص 73 الرواية" .

صرخة الأنوثة تبقى مؤجلة للنهاية عند البطل غير المسمى ، حتى عندما يرفضه الكل ، ويعتبروه معتوه  " مصاب بفيروس الحرب وتلوثاتها ، متسكع، مسكين – ص 75 الرواية " ، تبقى الوحيدة معه اسماء، " أسماء تاتي بعد أن نسيني من كان معي ولم يمهلني شقائي أن أعرف من أكونص 81 الرواية " ، وبالمقابل يظل محتفظاً بتراب قبرأسماء، متنقلاً به من مكان لآخر، حتى عندما يكون مع المخطوفة الايرلندية " فيفيان روفائيل " ، يكون فكره سابقاً لفعله ، ( ايرلندية، لم تكن تلمودية، إنها كاثوليكية، تقيم مع جدتها لأبيها في مدينة ورستر، هربت عائلتها بعد أن شعل – شين فين – الصراع الاهلي ، أمها لم تتذكر ملامحها ، غابت عن الانظار كما غيبت جزر مالوين أباها – ص 101 الرواية ) ، فهو يبقى قلق حتى  في اللحظة الحرجة " نائمة، كأنها مستسلمة تماما للقدر، قلت في سري، يا الهي إلى متى نبقى قلقين، كانت سيقانها العارية تستدرجني، أتردد، أمسك أعصابي، تأججت الفحولة المكمودة ، لاتبالي، نهضت فعلاً، وذا بصرير باب الصفيح يهتز، يسقط الفانوس – 107 الرواية " .

وكما ذكرنا تبقى الأبعاد ذات المنظور المعرفي المتعدد الجوانب ثقافيا، يشكل مصدراً من مصادرمتعة الروائي "عباس خلف" في " من اعترافات ذاكرة البيدق " ، وخاصة عندما تظهر هذه المكونات بشكل طبيعي في السرد غير مقحمة ، وهذا مانراه في سؤال فيفيان لــ البطل وهما في قمة التوتر والضغط النفسي والاحباط ،عندما تقول له بكل هدوء " متى يفرج عوليس عن بينلوبي – ص 100 الرواية " ، فهي تذهب في سؤالها الى الاسطورة الاصلية لـ هوميروس التي يصف فيها مغامرات اوديسيوس اثناء عودته من حروب طروادة الى مملكته ايثاكا، وليس الى  رواية " عوليس " للايرلندي جيمس جويس ابن وطنها ، الرواية المستوحاة من الملحمة الاصلية لــ هوميروس ، " لاتلتقي الأسطورة في الواقع ولا يمثل عوليس الحكيم بلوم غير المتزن الشريد الأبله وبينلوبي المخلصة في الأسطورة تخلق منها جويس نورا ناموس الخيانة – ص 100 الرواية"

يتكون نصَ الرواية من حكايتين : الحكاية الأولى موضوعة تحت اسم " توصيفات " مع ملحقين " ماورد فيما شبه له "  و  " على ظرف الغيم ينطلي الدفء " والحاية الثانية " منمنمة الرحلة الأخيرةفي شتاء السوامر" ، والحَقْ بكل عنوان مقدمة على شكل ابيات شعرية ، وقد وضع قبل عنوان الحكاية الأولى مقطعين سرديين كمقدمة للرواية :                       

* يا أهل ...أغيثوني ، فليس يتركني ونفسي فأتهنى بها ، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها وهذا دلال لا أطيقه . ( الحلاج – كتاب اخبار الحلاج ، القطعة 38 )  .

* أنا على مالم أقل أقدر مني على رد ما قلت .  ابن المقفع .  

في " من اعترافات ذاكرة البيدق " قدم " عباس خلف " عملاً متكاملاً ، وشفافاً ، متخييلاً وحقيقيا، مكتوباً بعناية فائقة ، رسم فيه صورة العراقي الحقيقي الذي خاض كل هذه الحروب ، واهوال الاحتلال ومن جاء معه ، والفظائع التي ارتكبت بحقه .

ولكن يبقى " في عز مناجاة الروح، تشعر أنَك لم تكن وحيداً، معك كل أحلامك المؤجلة وتعيش نعيم الخيال المطرز بأساطير ألف ليلة وليلة وأحلام شهريار وفردوس ملك الجان في شقائق النعمان وتحلق في المدى الذي لايمكن أن يصله إلا من لفظته الحروب ونجا منها بأعجوبة لا توصف – ص 26 ، 27 الرواية " .                                                                 

                                                                                       

 

الهوامش والاحالات :

*في كتاب  " الهواء والاحلام " 1943 لــ  غاستون باشلار نحت مصطلح المتخييل ، ومنه انتشر المصطلح بهذا الانتشار الواسع . ولكن هناك من استعمل المصطلح بعيداً عن مفهومه مما جعله يفقد العديد من مقوماته المصطلحية والدلالية ، أن المتخييل وصف يربط العالم الواقعي بالعالم المتشكل نصياً ، لذا فان هذه الاستعمالات الآخرى تكون مشتغلة على الخيال وليس على المتخييل .

1 – رولان بارت – لذة النصَ ، ترجمة د. منذر عياشي ، مركز الانماء الحضاري ، حلب ط1 1992 ، ص 27 .

2- ج هيو  سلفرمان – نصيات : بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية، ت حسن ناظم  و  علي حاكم صالح ، المركز الثقافي العربي ، بيروت – لبنان   الدار البيضاء – المغرب ، 2002 ، ص 44 .

3 – م . س ، ص 73 .

4- تحرير: سوزان روبين سليمان  و إنجي كروسمان – القاريء في النص ، ت . د حسن ناظم  و علي حاكم صالح ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت – لبنان، 2007، ص198.

5 -  م . س ، 199 .

**  مقولة مشهورة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر 1905 – 1980 " أكره الضحايا الذين يحترمون جلاديهم " .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق