]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التاريخ والحميرُ !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-04-11 ، الوقت: 15:37:02
  • تقييم المقالة:

لطالما أعجبتني هذه العبارة :

(الذين لا يتذكَّرون ماضيهم مكتوبٌ عليهم أن يعيشوه مرةً ثانيةً ...) !!

ويبدو أننا ما زلنا نعيش في الماضي ، ولا ننتبه إلى الحاضر ، فنبنيه بناءً أحسن من الماضي ، ومنه ننطلق إلى المستقبل الزَّاهرِ ... أحوال العالم المعاصر تشهدُ بذلك ؛ فالحروب ، والقتل ، والفساد ، والجرائم ، وأنواع الظلم سواء عند الأفراد أو الجماعات ، لم تتوقفْ منذ أن استعمر الإنسانُ الأرضَ ...

والسبب هو أننا لا نقرأ التاريخ قراءةً واعيةً ، فيها تدبَّرٌ وحكْمةٌ  ..

وإنْ قرأه البعضُ منا فهم لا يستفيدون منه كثيراً ، ويأخذون الدروس والعبر ...

وفي أحسن الأحوال لا يتمكنون أن يؤثروا به على أولئك الأقوياء في العالم ، الذين يُسيِّرون حركة التاريخ ، ويُحرِّكونَ عجلتَه ، في الوِجْهةِ التي يرونها هم ، وهي غالبا ما تكون وِجْهةً لا راحة فيها ، ولا عدل ، ولا سعادة ، إنْ لم نقلْ إنها تقود إلى الهاوية والشقاءِ ...

التاريخُ هو حياة الأمم والملوك والشعوب والأراضي والبحار ، وحتى الحيوانات والحشرات والنباتات ؛ فقد استطاع الإنسانُ بما وهبه الله من قدرات وملكات ، ومن نعمة العقل والبصيرة ، أن يكتبَ لكل شيء تاريخاً ، ويُدوِّنَ لكل حدث ـ إذا كان عظيماً خاصة ـ أسبابه ونتائجه ، وبداياته ونهاياته ، وتفاصيله وغاياته . وقد بدأ ذلك أول الأمر في النقش على الحجر ، وعلى جدران الكهوف والمغاور ، وعلى جذوع الأشجار ، وجلود الحيوانات ... ثم اخترع القلم ، وتعلم الكتابة ، وصنع الورق . ويوم اخترع الطباعة قفز قفزةً هائلةً في الحضارة الإنسانية ، وصار الناسُ يحصلون على مطبوعاتٍ مختلفةٍ في ميادينَ شتَّى ، ويطَّلعون عليها ، وكان من بينها مطبوعاتٌ في التاريخ ، ومنها عرف حياة الآباء الأولين ، والأجداد الغابرين ، والأقوام الأقدمين ، وقرأ فيها سيرَ أُممٍ قد خلت ، وشعوبٍ قد مضت ، وقبائلَ قد فنيت ، ودُولٍ قد دالت ، ومُلوكٍ قد أصبحوا في خبر كان ...

ويكفي نحن ـ كمسلمين ـ أن نقرأَ تاريخنا الإسلامي ، ونطَّلعَ على ما حدث بين من سبقونا ، لكي نتعظ ، ونهتدي ، ولا نقع فيما وقع فيه غيرُنا من خطايا وأوزار ، ونتجنَّبَ قدْرَ ما نستطيع الصغائر والكبائر ، ونجعل الفتن تنامُ ولا تستيقظ ، وننامُ نحن ملء جفوننا ، ونستيقظ ملء أرواحنا ... فما فائدة أن نقرأَ التاريخَ ، ثم نُكَرِّرَ نفسَ الأخطاءِ ، وربما بضراوة أكثر ، وقسوة أشد ، وذلك بما نَمْلكُ اليومَ من وسائل متطورة جداً ، وأساليب متقدمة كثيراً ... والأمر لا يحتاج إلى الشرح وضرب الأمثال .

والتاريخ  ـ كما قال الفيلسوف (كارل ياسبرز) ـ هو الواقعُ الوحيدُ ، الأساسي الذي يسمح لنا بالوعي بأنفسنا . فهو الذي يفسحُ أمامنا مجالَ الأفق الإنساني الأكثر شساعةً ، وهو الذي ينقل لنا القيم التقليدية التي تعمل على تشكيل حياتنا ، وهو الذي يقدم لنا الضوابط التي يتعين تطبيقها في الحاضر . إنه يجعلنا نتجاوز وضعية التبعية التي نكون عليها ، بدون وعي منا ، تجاه عصرنا ، ويعلمنا كيف نرى الإمكانات العالية والإبداعات الخالدة للإنسان .

لا يمكننا استغلال أوقات فراغنا بشكل أفضل ، إلا إذا تآلفنا مع إشراقات الماضي ، أَخْذاً بعين الاعتبار الكوارث التي تعمل على إتلاف كل شيء . إننا نفهم تجربتنا الحالية جيداً ، عبر مرآة التاريخ . فما ينقله يصبح حيّاً بالنسبة إلينا ، على ضوء الزمن الذي نعيش فيه . إنَّ حياتنا تستمرُّ ما دامَ الماضي والحاضرُ لا ينفكَّان يُضيئان بعضهما البعض .

وقد سبق هذا الفيلسوفَ الغربيَّ ، العلاَّمةُ العربيُّ ابن خلدون ، فقال في مقدمته :

اعْلمْ أن التاريخ فنٌّ عزيزُ المذهب ، جمُّ الفوائد ، شريفُ الغاية . إذْ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دُولِهم وسياستهم ، حتى تتمَّ فائدةُ الاقتداءِ في ذلك لمن يرومُهُ في أحوال الدين والدنيا .

ونحن إذْ ننظر في أحوال ديننا ودنيانا نرى أنَّ أخلاقنا لازالت جاهليةً على رغم أن أثوابنا عصرية ؛ لأننا ونحن نقرأ التاريخ لا نعتبر حق الاعتبار ، ولا نقتدي قدوة حسنة ، ولا نهتدي هدايةً صالحةً .. وأخشى أن يُكْتبَ عنَّا في ذاكرة الزمن : (مثلُ الذين قرأوا التاريخ ثم لم يعتبروا به كمَثَلِ الحمار يحملُ أسفاراً ...) !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق