]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الليل

بواسطة: أوس اللقيس  |  بتاريخ: 2014-04-10 ، الوقت: 23:00:47
  • تقييم المقالة:
في البعيد البعيد،كان الليل الأسود يريد أن يتجمّل. يريد أن يرسم لنفسه وجهاً، وجهاً فيه ملامح محددة،ومميزة.
لا يريد الليل أن يبقى أسود اللون بحيث يراه الساهرون كتلة كبيرة مظلمة تجثم فوق رؤوسهم وبيوتهم،كتلة صماء كأنها خشبة أو صحراء فارغة.
له دوام محدد يبدأ كل يوم بعد أن تغيب الشمس،وفي غضون استراحته هو ينام نهاراً لكي يسهر فيما بعد. لكنه حين يستيقظ ،ينام معظم الناس و لا يبقى إلا بعضهم من العاشقين أو الحالمين أو الحزينين ساهري الأعين معه. تنام الطبيعة، والشوارع العريضة تخلو من زوارها. الغابات الخضراء تلتحم كتلة واحدة من الأشجار الناعسة والذابلة والمتثائبة. العصافير ترجع إلى أعشاشها الهشة، إلى صغارها فتطعمهم،وتحكي لهم حكايا ما قبل النوم إلى إن تطبق أجفانهم الرقيقة. وهكذا، يأتي الليل وتسكن الحياة، تأخذ استراحة المحارب لترجع وتدور وتهدر من جديد في الصباح المقبل.
الليل كان حزيناً لأن الصباح يأتي حاملاً معه الشمس،والشمس تضيء كل شيء. فيعرف الناس بأن النهار أبيض اللون،وشمسه صفراء،وحين تغرب يصير لونها ضارب إلى الحمرة. والغيوم بيضاء في العادة،وحين تحمل معها مطراً وعواصف تصير رمادية قاتمة.
النهار كان واضح الملامح،أما الليل فقد كان أحادي اللون: الليل أسود، أسود لدرجة الظلمة.
لم ينم الليل في ذلك النهار،النهار البعيد البعيد. تقلّب كثيراً في نومه وأرهقه السهاد. أراد أن يشعر بشيء،أن يصرخ،أو أن يبكي. أراد أن يجد وجهاً في المرآة. قام الليل من فراشه ناعساً،لكنه كان متحفزاً أيضاً.
فتح خزانته وحمل صندوقاً صغيراً وفتحه: وجد قرطين ملونين فوضعهما، وقلادة لامعة فجعلها في رقبته درعاً. من ثم لوّن أظافره،كل ظفر بلون. ووضع قليلاً من أحمر الشفاه وفتح فاهه للمرة الأولى فظهرت أسنانه بيضاء كالثلج.
لبس الليل رداءً جميلاً. لا كان هو رداء أصفر ولا كان هو رداء أحمر.
الليل الحزين يفقد وزنه إلى أن يشارف على الموت،من ثم يرجع إلى عافيته حين يأكل إلى أن يمتلئ،من ثم يتقلص ويتقلص بالتدريج إلى أن يرجع نحيلاً مثل الخيط. وهكذا. لأنه مكتئب و محب للحياة في آن. ورداؤه بدوره يكبر ويصغر مع الجسد.
بعد أن انقضى النهار،طلع الليل إلى ساهريه مختالاً بأضوائه الجديدة، بملامحه، بشفاهه وأذنيه و أسنانه وعينيه المكحلتين دوماً. طلع أميرة رقيقة تحب الفقراء وتبتسم لهم بثغرها الأحمر القاني. طلع للمرة الأولى واضح الثنايا والتقاسيم والتفاصيل،بردائه الملون.
الناس قالت عن الرداء: القمر. والكرتين والقلادة والأظافر الملونة: النجوم والكواكب. وأحمر الشفاه: الشفق.
رغم كل ما فعله الليل ليبدو ممتلئاً بالحياة،ما زال البعض يعتبره للنوم فقط،أو للموت.
   
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق