]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا تأخذوه

بواسطة: محمود فنون  |  بتاريخ: 2014-04-09 ، الوقت: 12:36:33
  • تقييم المقالة:

لا تأخذوهمحمود فنون 
 2012 / 4 / 5 
 
محمود فنون 5|4|2012

لم اكن طفلا حينها ولا غرا ..كنت قد اعتقلت في 18|10|1969وقد افرج عني في 26|5|1972 م وقد تنقلت من سجن الخليل الى رام الله الى الخليل ثانية ثم الى سجن نابلس المركزي ومن هناك نقلا الى بئر السبع اثر اضراب مفتوح احتجاجا على اعتقال "رعايا الجبهة الشعبية "خلال احداث ايلول الاسود في الاردن ,ومن هناك افرج عني قبل نهاية فترة الحكم في سياق افراجات واسعة في حينه .
كنت رجلا في الثامنة والعشرين من عمري ومجربا,وقائدا في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين..
بعد حالة اختفاء ثم حالة تيقظ مع عدم المبيت في البيت .
وفي نفس الليلة التي" ارتأينا"فيها ان اعود للحياة الطبيعية كي لا ألفت الانتباه, وبعد مضي سبعة عشر يوما من التيقظ العالي وعدم التردد على البيت ,وقعت المداهمة !.
طرقوا الباب بقوة كما قالت امي .. يتقدمهم المختار..دخلوا البيت وحضروا الى غرفتي حيث انام .
نهضت وحينما رأيتهم ..لم يشغل بالي شيء سوى امي .
-والله خايف يا يما رجعت لعوايدك..
-لا يا يما ,انا مشغول بدراستي كما ترين ,بل انني افضل ان ابيت عند اصدقائي حيث اتفرغ للدراسة ..بيتنا مليء بالضيوف باستمرار .
اذا حبسوك مرة ثانية ..لا سمح الله ..بموت ,وانهارت الدموع من عينيها .
حضنتها واقسمت لها اغلظ الايمان انني مشغول فقط بدراستي وكنت قد التحقت بجامعة بيت لحم واكمل دراستي التي بدأتها في بيروت في تخصص ادارة اعمال .
-والله يا يما ما بدري ,قلبي بقول ان في فراسك عملة كبيرة.
كنت قد غادرت الى الاردن مرتين: ومن هناك في عام 1974 الى لبنان للدراسة حيث التقيت الرفيق الحكيم جورج حبش لأول مرة ,وقد اقر الفكرة التي اردنا ان نعمل بها في الداخل وفي المرة الثانية في نهاية 1974 الى العراق حيث التقيت الرفيق الشهيد ابو علي مصطفى والرفيق عبد الرحيم ملوح وتداولنا في شؤون العمل التنظيمي والسياسي في فلسطين,وكانت امي معي في هذه المرة وشاهدت الرفيق ابو علي والرفيق ملوح ,وكان الذهاب الى بغداد لزيارة اخي الذي انهى دراسة الدكتوراة في الهند وقد حصل على عمل في العراق.
-"الظاهر يا اخي انك لم تأت لزيارتي ,فأنت معظم الوقت تذهب ولا ادري الى اين تذهب ".قال أخي معاتبا.
وبعد ان شاهد ملوح وابو علي ,لم يقل شيئا.
كان لي عالمي الخاص والسري ..كنت اعيشه وانا في ذات الوقت مندمجا في العالم الذي يحيط بي .
فعالمي الخاص هو عالم النضال السري بما له من انشطة وعلاقات ومواقف وافكار .التقي مع من توجب اللقاء بهم في حصن من السرية التامة .
والعالم العادي حيث الدراسة الجامعية ومختلف اشكال العلاقات مع تنوع واسع من الناس ,ومعهم يحلو السهر ولعب الورق والتمشي في الطرقات والذهاب الى الكروم.
كنت مشغولا جدا واجد الوقت الكافي لفعل كل شيء سياسي واجتماعي ومتفوق في الدراسة ,ذلك ان عقلي في ذلك الوقت كان منظما وقيل عني انني زمبرك ومواظب على واجباتي بكل الحرارة المطلوبة .
لم اسمع الطرق على الباب ,فقد كنت نائما نوما عميقا بعد سهر وتعب متواصل مشبوب بالقلق ,فقد كانت منظمة الخليل قد تعرضت لضربة قوية بسبب تداخلات وانماط عمل تحتاج الى تصويب, وبسبب عدم الدقة في اتباع السرية اللازمة .هنا تكون الخشية من انقطاع التواصل وربما تتعرض التجربة برمتها الى مخاطر القمع والضربات الاعتقالية .
نهضت حينها, ولم يشغل بالي شيء سوى امي ,فهي بحاجة لي لمئة سبب وسبب بالاضافة الى ما يعرف بقلب الام وما يزفره من حسرات على فلذة كبدها الذي تريد ان تراه رجلا ومتزوجا وتحمل احفاده..
-"تعال ..شوف شو شريت اليوم "..وتعرض علي صرة من ملابس الاطفال قطعة قطعة وتشرح لي عن كل قطعة وفي أي مرحلة سيلبسها ابني حالما اتزوج وانجب الاطفال
 
-"والله يا يما خايف اموت بحسرتي زي ما مات ابوك وما تهنّا بشوفتكو ولا شوفت اولادكو ..انتو قاسيين.."وتغطي وجهها تداري دموعها .
لم نكن نحن القساة ..ان الحياة من حولنا قاسية ..فقد سافر اخوين لي وجائت حرب عام 1967 وهما في الخارج وبهذا اصبح الاثنان خارج الوطن ومحرومين من العودة ,وانا ذهبت بي الحياة الى العمل النضالي وكنت اشتغل مدرسا وتعرضت للاعتقال ,وأخوي الآخرين اصغر مني سنا وقد جئنا الى الحياة في الجزء الاخير من عمر والدي الذي كان مثل اقرانه يتمنى الاولاد الصبيان ومات عام 1967 ولم يكن أي منا قد تزوج.
لم يكن في البيت أي شيء من الممنوعات ولذلك واثناء التفتيش لم اكن منشغلا بمثل هذا الامر ..
تخيلت بأنهم ذهبوا بدوني .
-"قلت لك ما في شيء يا امي ..ها هم ذهبوا "
-"اولاد الحرام !..والله يا يما ما ظل فيّ مفصل مع مفصل..قالت ذلك وهي تحضنني تكاد تعيدني الى جسدها مرة ثانية"بينما دموع غزيرة تنهمر من عينيها وتبلل وجهي.
-"لماذا البكاء وقد ذهبوا وها انا بين يديك.."
"هذه دموع الفرح" قالت وهي تتحسس وجهي بيديها المرتعشتين" انا مبسوطة ..وبكرة نشتري افراخ حمام ونحشيها ,وانت تشرب شوربتها ".
-"خفت يوخذوك..سوارة الذهب والدبل اللي من اخوك هدية عرسك بتستنى ..كل يوم بفتح العلبة وبقول ابصر حظ مين ؟ والله يا يما بعيط وانا حاملهن ونفسي اشوفك بتلّبسهن لعروستك.."
-"وقع هنا ..لم نأخذ شيء من البيت "نبهني قائدهم بجلافة
 
كتبت على الورقة بخطي انني اوقع انهم لم يجدوا عندي شيئا.
امسك بي اثنان وقد وضعوا قيدا في يديّ الى الخلف واقتادوني خارجا.
شعرت انهم انما ينتزعوني من أحشائها ,ليتركوها جثة هامدة ,كل شيء فيّ يتمزق .
-ماذا قدمت لها حتى اسبب لها كل هذه الحسرة؟
-انت لم تسبب لها شيئا..ان الاحتلال هو الذي سبب لها الحسرة والالم سبب لها ولكل الامهات .
-لو لم تنكشف الامور في الخليل ..لو انهم حموا اسمي ..
-هذه حقائق النضال ..ان التضحيات اضعاف اضعاف الانجازات التي تحققت ..
-ولكن هذا النضال ليس ممنهجا ..ان اغلبه لا زال على طريقة الفزعة ..فما ان ينتمي الواحد حتى يطلب السلاح ..وقبل ان يصل بعضهم الى تنفيذ العمليات ضد جيش الاحتلال حتى يكون المئات قد وقعوا في يد العدو نتيجة السذاجة والتهور واحيانا التباهي والانكشاف بلا سبب و...
-اطلع في الجيب .نهر احدهم .واخذ الاثنان يدفعان بحقد تلمسته من حيث انهما يدفعانني لأقع على وجهي حيث يداي مربوطتان الى الخلف ,وهما ينهران وأنا لا استطيع ان افعل شيئا .انها عنجهية الغالب مشحونة بدرجة عالية من اللؤم.
ان عقلية المتعالي لا ترى كل الصورة,انهم لا يرون رجل مربوطا .انهم يرون ضرورة ان يكون في الجيب وعليه ان يتدبر نفسه.
-اطلع ..اطلع..
ادخلوني اللى السيارة واذا بامي تقف خلفها مباشرة ..
-"ما الذي يجري ؟"تقول في نفسها "معقول هذا ابني يقتادوه مرة أخرى من بين يدي ؟ هذا لن يكون "
وما ان تحرك الجيب حتى امسكت به وهي تصيح:"لا تأخذوه لا تأخذوه ..لن تأخذوه "وقبضت على الباب الخلفي للجيب العسكري وهم كلهم من حولها .
تدبر العسكر امرها بمساعدة المختار .
صوتها يلاحقني يا يما .. يا يما
 
توجه الرتل العسكري الى الخليل عن طريق الجبعة وانا لم اعد اعلم شيئا .انني في عالم آخر.ان صوتها يملأ اذني وروحي "لا تأخذوه...قويا صلبا حزينا باكيا متحديا عاجزا ..عاجزا ..عاجزا ثم يائسا ..ثم مع ابتعاد الرتل صار خافتا .
صار خافتا؟ انه يتردد كالصدى في اعمق اعماقي .كيف يكون خافتا وانا لا زلت اسمعه حتى بعد ان قطعنا مسافات في الطريق؟
لا تأخذوه ..كلمة هي ليست رجاء ..لقد امسكت بالجيب بيديها المصممتين وأخذ الجب يتحرك وكأنه يعبر عن اصرار لا رجعة عنه مع محاولات فك يديها القابضتين بأصرار الام الذي لم يكن أي من الجوقة يعرفه او يكترث له .ان الذي يحزن علينا منهم مستعد لاطلاق النار وعيناه تدمعان .هذا حال من يقبل الخدمة العسكرية .
عادت الى نفسها بعد ان قطعت مسافة ليست قليلة وهي تركض وراء الرتل العسكري .كانت الساعة قبل منتصف الليل بقليل,الطريق فارغة الا منها ..وهي تسير ..هي تمشي وتمشي وقد اختفت كل آثار السيارات العسكرية.
* * *
مشت الى خلف التلة المواجهة للقرية وهي تصيح بصوتها المخنوق:
"يا يما ..وين رحت وخليتني ..خليتني وحيدة ..خليتني يتيمة .. خليتني تعيسة ..خليتني حزينة تعال .."والحسرة تنهش صدرها وتعصر روحها"لو انك متجوز ..وخليتلي نتفة ولد من ريحتك اتسلى عليه.."
"طيب ليش بسرعة بحبسوكو؟..طيب بعد ثمن سنين واليهود بتقدموا واحنا بنتأخر ؟..والسجون مليانة ..والله يما بعرف من زمان و قلبي حاسس وعارف انك ماشي في هالطريق ودعيت لك ان الله يقف معك انت ورفايقك "
ثم قالت لنفسها وقد غمرها اعتزاز يكفي لأمة بأسرها "بكرة بروحوا اليهود ..انشاء الله ياربي انشاء الله يا ربي ,وانا بكون ام المناظل "وأخذت تمسح دموعها ويملأ قلبها الامل المنعش .ثم دهمها الشوق وقسوة الفراق .
الفراق؟ ..ليس فقط الفراق "يا حسرتي عليه يا حسرتي عليك يا يما ..شو بصير معك هالحين ..الضرب والتعذيب ..يما ..يما لو أنا ولا أنت "وملأ خيالها صورة ابنها وهو يتعذب بالضرب المبرح بالعصي , واخذت تلوح بيديها عن رأسها وكأنها تتلقى الضربات القاسية عن فلذة كبدها . ثم أخذت تلطم خديها بقوة وبغير وعي وهي لا ترى سوى العصي والركل والدفع وكل أشكال الضرب التي سمعت ان العدو يستعملها في تعذيب المناضلين الفلسطينيين ,تلطم تلطم تلطم حتى تنهدّ وهي وحدها جالسة في عرض الطريق, والليل من حولها ساكنا إلاّ من نواحها المخنوق ,وعبراتها المنهمرة سيولا جارفة .
 
"وين راحوا وين حباب قلبي يا يما...يا حسرتي عليك وحسرة خواتك"
"طيب انت مناظل وافهمنا واحنا ليش بندفع كل هالثمن؟ الاخوة والاخوات والقرايب بيدفعوا الثمن ,كل شيء ممنوع ونسفوا دارنا في المرة اللي فاتت".
تخيلته يجلس عاريا في البرد ويدلقوا على رأسه الماء ,فأخذت ترتعش وتلملم نفسها على نفسها ,تتحسر ,وترجف وتحاول ان تفرك شيئا من جسدها .انها في الحقيقة قد توحدت مع ابنها واندمجت مشاعرها الحقيقية مع مشاعره كما تخيلتها ..انها لم تتخيلها انها تعيشها ,ما اعظم الامهات.

* * *
-" ما اعظم امهات المناضلين"خطر ببالي وانا في الطريق الى سجن الخليل "وما اعظم معاناتهن ,وما اثقل الصبر عليهن"
 
-"لو انهم نسوا وجودي ولم يتكلموا.. هؤلاء الرفاق !,من الذي دلهم عليّ؟ فأنا لست من الخليل وما كان اذكى المحققين ليسألهم عني ..لكنت الآن مع امي واكمل دراستي واتابع مهماتي لأكون عند حسن ظن الرفاق ""لن اعترف على احد...لن أعترف على أحد""
قلت في نفسي "يجب ان يطمئن الرفاق ,ويبقوا في عملهم ..فخطوط المهمة واضحة .."
ولكن خيالي قد امتلأ من جديد بأمي الحزينة ..المنكوبة بي ..اعلم انها تفتخر بي وبطريقي ..ولكنها في هذه اللحظات ليست اكثر من ام مجروحة ..لا زال صوتها يملأ رأسي "لا تأخذوه" لقد كانت تعلم ..تعلم بقلبها واحساسها ..تعلم من خلال بعض المهام الصغيرة والهامة التي كانت تقوم بها من غير ان تعلم "نعم ..نعم..ان الام اعظم حليف للمناضل وأقرب مساند له والاقدر على القيام ببعض الخدمات .
-"دعك من هذا الآن ..لهذا متسع آخر وربما بعد النصر يمكن ان تكتب وتملأ ما شئت من الصفحات عن فضل الام والزوجة والاخت والبنت على المناضل بالاضافة لدور الواحدة بوصفها مناضلة . ان الاهل خير حليف وسنيد.."
"ماذا فعلت ؟..هي عزيزة النفس جدا ..هي لا تظهر حزنها وألمها امام اقرب الناس ..هل ضعفت؟هل سيطرت عليها الامومة وحنوها وكشفت عن المها امام الناس ؟"
هي مريضة بالأزما ,وأخذ ابنها بهذه الصورة سيسبب لها نوبات متصلة من الأزما.
- الموضوع لا يقف عند الأزما وتوابعها ,فهذه يعالجها الطبيب مهما كلف الثمن ولكن كيف سيعالجوا الفرقة وهي من اعظم الآلام عند الفلسطيني منذ بدأت النكبات والسجون؟كيف وخاصة ان احساس الام بالفرقة يكون اضعافا مضاعفة اذا كانت الفرقة مقرونة بالتعذيب والسجون .
فكر في نفسه :كيف يساندها ؟كيف يقف الى جانبها وهو بعيد عنها .
-"قسما يا امي سأظل مناضلا حتى الانتصار عليهم , وانا اعلم ان كل اموال الدنيا ورياشها وكل شيء ممكن ,لا يمكن ان يوازي صبرك وعذابك,ولا شيء يعوضك سوى طرد الاحتلال والانتصار عليه وسحقه تحت الاقدام."
اعدك يا امي ان اصمد في التحقيق ولا أشي بأحد ,وان استمر في السجن في القيام بالواجبات الثورية وان استمر في النضال وبعد السجن حتى ندحرهم" قلت هذا وانا اتمدد على جنبي الايسر في زنزانتي العارية من كل شيء ,قلت هذا وكأن نفسي هدأت كمن قام بواجب مهم على أحسن حال ولا أدري ان كنت غفوت في ظلام الزنزانة الدامس.

[p1] 

 [p1]


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق