]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

[المرضعات والباحثون عن الأثداء: حديث في الجنس والدين والسياسة]

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2014-04-07 ، الوقت: 04:23:05
  • تقييم المقالة:

تعلمنا في صفوف الدراسة الأولى ونحن صغار، بأن الأرض هي الأم وأن الأم هي الوطن، كما غناها لنا (ابو بكر)، وتعلمنا ان الأمهات يرضعن أولادهن الحليب وحب الوطن، كما غنى لنا ذلك (كرامة مرسال)، ومن ثم فحليب الأم مقوي للصحة والوطن: دحرج الموضوع رويداً رويداً.. وستجد أن الثرثرة في موضوع الرضاعة ستزلقك الى مزالق الخوض في المحرمات الثلاث: [الجنس، الدين، السياسة].. تسألني: كيف يكون هذا؟ فأقول لك: حدث معي من قبل.. (ثم اهتديت)!!!.

 

سأبدأ من مدخل علمي، فقد رأى (فرويد) ان الرضاعة هي أول وأبسط أشكال الممارسة الجنسية في حياة المرء منا، والمسألة برمتها غريزية ولا دخل للشيطان فيها بتاتاً، ويرى علماء الأنثروبولوجيا أن الرضاعة هي أول وأبسط اشكال الإعاشة أو الإعالة في المجتمع البشري، ويجب عليك الآن أن تركز بقوة على عبارة (أول وابسط) لأنها تحتمل وجود أطوار وأشكال أخرى للرضاعة، سواء في الجنس أو الإعاشة، فما بين النفسي والاجتماعي لا تعد الرضاعة مجرد قاسم مشترك تجسد ما هو أول وابسط، بل ودليل علمي على ذلك الترادف الشرطي على مستوى الحياة بين الحصول على اللذة الجنسية والحصول على المنفعة المادية والمعنوية، غير أن الرضاعة تتخذ منحاً أكثر تطوراً كلما كبر عمر الانسان، بحيث تختلف صورها وأشكالها وتتعدد أدواتها وممارساتها، وتتنوع فيها المرضعات والأثداء والحلمات والأحلاب.. الى الحد الذي تصبح فيه قاعدة الحياة على نحو من هذه الصيغة: [ بدلاً من أن تمنحني الحليب.. اعطني ثمنه ]!!.

بالنسبة لثقافتنا العربية والاسلامية، كانت الرضاعة في البداية ترتبط باكتساب الفصاحة، ولنا في قصة رضاعة النبي (ص) من حليمة السعدية مثلاً جليلاً، لكنها اصبحت بعد البعثة وربما بعد الهجرة النبوية مرتبطة بالحرمة والرحم، فهناك أم بالرضاعة وأخت وأخ وخال وعم وكلهم بالرضاعة، ولكن للأسف لا يوجد أب بالرضاعة، ربما في هذا نوع من العدل والتعويض النفسي والاجتماعي للمرأة، في مقابل انتساب الأبناء لأبائهم دون أمهاتهم، فأيما امرأة أعجبتك وأردت أن تكون لك أماً فما عليك الا أن تقنعها بأن ترضعك من حليبها، والأمر مطلق هنا بمعنى أنه يمكنك فعلاً أن تختار، فرضاعة الكبير باب ثابت ومستفيض من أبواب كتب الحديث والفقه الاسلامي، واذا اردت أن تتأكد من ذلك فابحث في تلك الكتب، أو اختصر المسافة وأسأل اهل العلم فإنهم يفتوك؟!!

 

قبل عدة سنوات أطل علينا أحد جهابذة الفقه الاسلامي في الأزهر بفتوى تضمنت حلاً عبقرياً بل وجهنمياً لمشكلة الاختلاط بين الجنسين في أماكن العمل، وتنص على أنه: يجوز للموظفين الذكور أن يرضعوا من زميلاتهم الإناث اللاتي يعملن معهم، وبهذا يكونوا ذوي رحم وحرمة واختلاطهم جائز ومحصن شرعياً واخلاقياً، بل والخلوات التي قد تحدث بين أي اثنين منهما تصبح شرعية (100%)، ولا غبار عليها.. ستسأل: كيف تتم عملية الرضاعة؟ وسيأتيك الجواب سريعاً: حسب السنة النبوية، فلن يعجز أياً منا بوجود مفتي الديار في ايجاد الوسيلة المناسبة.. ليرضع من زميلته ويناديها من اليوم التالي: [ ماما ]!!؟

 

بيد أن الأمر لا يرتبط بالحليب الطبيعي وحسب، طالما وانه يمكنك اكتشاف أن الرضاعة تعتبر مدخلاً من مداخل (الولاء والبراء)، فمن يرضعك أو يعطيك ثمن الحليب، يجب أن يكون ولائك له وبراءك ممن عاداه، فقد اعتبرن زوجات النبي (ص) – أمهات للمؤمنين- وارتبط هذا بحرمة أكيدة لهن، فلا يكونن لأحد من الرجال غير رسول الله حياً وميتاً، بينما لم يرد شيء مماثل يجعل الرسول (ص) في مقام (أبو المؤمنين)، فهل أرضعن زوجات النبي المؤمنين كلهم، طبعاً لا، ولكن الرضاعة قد تكون بشيء أخر غير الحليب: علماً أو اثراً أو صلة أو عيشاً وملح أو مالاً.. الخ. وهذا يؤكد على أن من ترضعك أو من يعطيك ثمن الحليب، أو يعولك أو يسهل أمور معيشتك المادية والمعنوية، يستحق بل ويجب أن يكون ولاءك له.. واذا كان الأمر يتم كذلك فما عليك الا أن تبحث عمن لها ثدي أكبر وحليبها أوفر أو تدفع لك أكثر من غيرها ثمناً للحليب الذي تحتاجه لتعيش هانئاً ومطمئناً.. ومن باب النصيحة: لا داعي لئن تخبرها بشأن ما قاله (فرويد)..؟!!

 

نعود الآن الى القصة من بدايتها، قلت أن الوطن أم، وحليبها هو كل ما تجود بها تربتها وارضها من خيرات وثروات، واليمن قديماً كانت أماً صغيرة السن، جميلة، ثرية، ذات ثديين عظيمين عن يمين وشمال، وكانا يفيضان انهاراً من حليب ولبن وخمر.. لهذا فقد كان جميع ابنائها سعداء وهي غارقة في السعادة، لا تدانيها في ذلك أرض أو أم أخرى... حتى انفجر ثديها الأيمن ذات يوم وما لبث الثدي الأيسر الا أن ضمر وجف، فضاع كل شيء.. واصبحت أمنا اليمن جدباء عجفاء، ابق عنها من أبق من ابنائها فساح في ارض الله الواسعة بحثاً عن مرضعة أخرى، ومن بقي منهم لم يقدر ان يدفع عنها شر الـ (حبشي) الذي سباها واغتصبها، الا بالاستعانة بـ (فارسي) خلصها ممن سبقه عليها، ومن ثم اختصها لنفسه يتسرى بها وببناتها – ولأن هذه القصة وصلت إلينا عن طريق كتبة تاريخ إسلام قريش: علينا أن نصدقها - ومن ذلك الحين واليمنيون على هذه الشاكلة وعلى هذا الحال والمنوال، كلما طغى على أمهم سيد وقطع عنهم ما كان يعطيهم على ذلك من ثمن للحليب، استعانوا بسيد آخر ليخلصوها منه ويحصلوا مجدداً على ثمن الحليب.. طبعاً مع الأخذ بفارق أن الأمر أصبح يتم على الطريقة الاسلامية.. يعني حلال حلال حلال..

 

من يعولون اليمن منذ أكثر من نصف قرن وحتى اليوم كثر، ومنهم: شيوخ قبائل وقادة عسكريين ورجال دين وسياسيين، يدورون بين الرياض والدوحة وبيروت وطهران ولندن وواشنطن.. من أجل أن يوفروا لنا نحن أبناء اليمن ثمن الحليب.. لذا تجد أن الحليب بات متوفراً عندنا بأنواع كثيرة...

حليب (قم) الهاشمي الطازج يأتي الينا من أطهر أثداء طهران وبيروت، وحليب (الشريعة) مبستر من مصادره الوهابية الطبيعية في حوش جارتنا السمينة والدسمة، والحليب الأوروبي والأمريكي... حتى أنك تستطيع أن تجد لنفسك الكثير من الأنواع والنكهات، فهناك الحليب المدعم بالـ (RBG) والحليب المقوى بالـ (TNT)، والحليب بالرصاص أو الفوسفور، وكلها تناسب جميع الأذواق والأعمار... فهناك حليب يكسبك القدرة على الانفصال وفك الارتباط، وحليب يمنحك الصحة الفيدرالية المناسبة، وأخر يهديك الى الطريق القويم، المهم كله حسب مزاجك وميولك؟؟

واذن، اللهم أدمها لنا نعمة واحفظها من الزوال، اللهم بارك لنا في أسيادنا من آل البيت وبني هاشم، وبارك لنا في علمائنا من أهل السنة والسلف الصالح، واقسم اليمن على خير بينهم، واجعل عوضنا نحن اليمنيين الفقراء والمساكين عندك في الجنة.. انك على كل شيء قدير (نائـ...مين)؟ّ!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق