]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التطرف ووعي الشراذم: قراءة في أبجديات الواقع ومعضلات التحول

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2014-04-07 ، الوقت: 02:39:41
  • تقييم المقالة:

ما يحدث الآن على خارطة المنطقة هو انعكاس للتحول الحاصل في تركيبة الوعي السوسيوتاريخي المعاصر، وموقفه إزاء النظريات الكبرى التي كانت تسيطر عليه.. وتفرض عليه هوياته، وهما: الأصولية الإسلامية والقومية العربية، بغض النظر عن حمولاتهما الاشتراكية والليبرالية..

 

لقد انتهى عصر الدولة القومية، وظهر عصر الدولة المدنية، فضلاً عن أمرين مهمين، وهما ثبوت فشل النظريات والمشروعات والتجارب القومية في تحقيق أهداف وتطلعات الشعوب في المنطقةـ، وثانياً، ثبوت أن العروبة لم ولن تكن هوية قومية أو أساس أيديولوجي صالح لأن يكون عنواناً لمشروع حضاري، فالعربية ليست سوى لغة، كما أن نظرية الهوية القومية باتت أمام الوعي المعاصر أمراً يستحيل تصديقه، إذ ليس من المنطقي في منطقة شهدت على مدى ألاف السنين اختلاط شعوب وأمم وأقوام متباينة وعرقيات متعددة، أن يأتي اليوم من يتحدث فيها عن "النقاء العرقي"..!!

 

أما مشروعات الطرف الآخر "الأصولية الإسلامية"، فهي تنقض نفسها بنفسها، فضلاً عن نماذجها المطروحة والتي يستحيل القبول بها كأطر نظرية، فكيف بالقبول بها كأطر سياسية واجتماعية حاكمة، خاصة وأن التطرف والعنف هما أبرز ملامح هذا الاتجاه، كما أن الصراعات الطائفية والمذهبية داخل القوقعة الإسلامية نفسها، باتت تؤكد على غياب أي وعي إسلامي يتسم بالعقلانية والاعتدال، وقادر على التأثير أو إحداث التغيير في مسار الواقع الراهن.

 

الحديث عن أمة واحدة تدين بالإسلام بات ضرباً من الخيال، في ظل هذا التطاحن الدموي الذي أحدثته القوى الدينية. أضف الى ذلك أن الإسلام كدين فضلا عن كونه (تراث) ليس معصوماً أبداً من النقد وإعادة النظر فيه وإليه، ويجب ألا نمنع وقوعه تحت مطرقة النقد أو حتى الرفض أيضاً.

 

إن الصراع العنيف الذي يدور اليوم بين التيارين المتصارعين على الحكم: (القومي والإسلامي)، والذي باتت تغذيه الإنقسامات الطائفية والمذهبية – على غرار النموذج السوري – هو ما تدفع ثمنه شعوب المنطقة، وهذا بحد ذاته ما أسفر عن انتاج حركات وتيارات مضادة، وعاجزة عن أن تلتقط طرف الخيط الذي يمكنها من التغيير، فالدعوات القطرية القائمة على إعادة انتاج هويات عرقية موغلة في القدم وسابقة على العروبة والإسلام في نطاق الحدود السياسية لكل قطر ومنطقة وإقليم، والدعوات الاستقلالية على أساس عرقي وديني من قبل الأقليات - (الأمازيغ، الأكراد) على سبيل المثال- والمشروعات الفيدرالية، وكذا التيارات الإلحادية والعلمانية المنفصلة والمناهضة لنماذج الخطاب والسلطة الدينية التقليدية والتي باتت تتسع كل يوم، كلها ردود فعل مضادة لهذا الوضع الراهن.. والجميع يعكس حالة من التخبط والتشرذم والتفكك، التي صنعت معها حالة من التخاذل والركون والعجز عن إنتاج قوى اجتماعية وسياسية صرفة، قادرة على التحول بالمجتمعات الى منطقة الدولة المدنية التي تقوم على مبادئ الحرية والمواطنة والمساواة.. وهذا بالضبط ما بات يدلل عليه فشل ثورات الربيع العربي..

 

لقد أصبح التطرف هو العائق الأكبر والأعظم أمام تطلعات المجتمعات والشعوب في الشرق الأوسط، ليس التطرف الديني والطائفي فحسب، بل وكل ردود الفعل المضادة لهذا التطرف والتي لا تعدو أكثر من اتجاهات تتبنى مواقف وحالات متعددة من التطرف المضاد..

 

والسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: ما هو المخرج؟!

 

والإجابة عنه هي: التحول الى وعي ومشروع إنساني حر وعادل ومسؤول ومتمكن.. يستوعب كل المكونات وتشارك فيه كل الاتجاهات على حد سواء، قائم على التقاء الجميع فيه على كل ما هو أصيل ومشترك بين الناس، وهو الحق في العيش بحرية ومساواة وأمان..  

 

وإذن، هل سنلتف جميعاً حول القضية الكبرى والتي تجسد كل حقوقنا ومطالبنا الإنسانية العادلة، أم أننا سنصر على البقاء في نطاق وعي وفعل الشراذم؟

 

إن الأمر مرهون بإرادتنا الجمعية، بعيداً عن سيطرة النخب والأيديولوجيات السقيمة، كأفراد ومجتمعات وشعوب، ومجرد طرح هذا السؤال، كافٍ لئلا يكون لنا أي عذر أمام محكمة التاريخ...

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق