]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في ذكرى معركة مخيم جنين..شيء من نقد الذات

بواسطة: سري سمور  |  بتاريخ: 2014-04-05 ، الوقت: 17:05:40
  • تقييم المقالة:

  في ذكرى معركة مخيم جنين..شيء من نقد الذات كتبه:سري سمّور   (1)حقيقة  مؤكدة

 

نعيش هذه الأيام ذكرى معركة مخيم جنين التي خلدها التاريخ في نيسان(أبريل) 2002م ومنذ تلك المعركة البطولية بقينا نتذكر الأحداث بعمومياتها وتفصيلاتها، ومن ولد وقتها هو الآن في الصف السابع أي ابن أو ابنة 12 سنة يسمع عنها، وقد يكون أو تكون من بيت شهيد أو أسير أو بيت دمر وأعيد بناؤه.

بل إن قافلة شهداء مخيم جنين لم تصل محطتها الأخيرة؛ وخلال الشهور القليلة الماضية ارتقى سبعة شبان من أبناء المخيم شهداء ملتحقين بقافلة طويلة من الشهداء؛ وهؤلاء الشهداء كانوا أطفالا يافعين إبان معركة نيسان 2002 وبعضهم من بيوت تتصل فيها المعاناة والتضحية؛ مثل الشهيد حمزة جمال أبو الهيجاالذي استشهد في 22-3-2014م، والذي كان طفلا لم يتجاوز التاسعة من عمره إبان الاجتياح والمعركة، وهو ابن الأسير المحكوم بالمؤبد تسع مرات، والمبتورة يده اليسرى بسبب إصابة أثناء معركة في المخيم سبقت الاجتياح بشهر واحد، وشقيق الأسرى، بل هو أسير سابق...ومثله الشهيد إسلام حسام الطوباسي(استشهد في 17-9-2013م) شقيق شهيد وشقيق أسير محكوم بالمؤبد أكثر من 30 مرة...ولا يتسع المجال لسرد كل حلقات الفداء والتضحية في مخيم جنين، ويكفي التأكيد أنها مستمرة ومتواصلة.

ومن الطبيعي أن يتحول مخيم جنين إلى أيقونة للفداء والتضحية والجهاد والبطولة لدى عموم الشعب الفلسطيني، وسائر التواقين للعزة والرفعة والكرامة من العرب والمسلمين، وكل الأحرار والشرفاء في العالم، وأن تنتج أعمالا درامية وأعمالا فنية تحكي قصة مخيم جنين أو بعضا منها، وأن يكون هناك أطروحات دراسات عليا حول معركة مخيم جنين، مثل رسالة الماجستير التي قدمها النائب في المجلس التشريعي جمال مصطفى حويلفي جامعة بير زيت وهو ممن شهد المعركة واعتقل على إثرها بضع سنين...ناهيك عن العديد من الكتب المطبوعة حول معركة المخيم، والقصائد والأغاني والأناشيد.

 

كل هذا طبيعي ولا ضير فيه، ولن آتي اليوم لانتقاد تمجيد ما يستحق التمجيد، أو التشكيك بحقائق ثابتة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار؛ وأي وضوح أكثر من أن عدد الدبابات التي دخلت وحاصرت مخيم جنين أكثر من نظيراتها في حرب حزيران 1967م مع فارق أن مخيم جنين صمد فيه بضع عشرات من المقاتلين بأسلحة خفيفة وقاتلوا نحو أسبوعين ببسالة وأثخنوا في عدوهم، فيما تمكنت إسرائيل من إلحاق الهزيمة بعدة جيوش عربية أنفقت عليها الأموال الطائلة المأخوذة من قوت الشعوب، خلال بضعة أيام بل ربما بضع ساعات؟!

ومن منا ينسى، ومن نسي فليتذكر، أن شارون جاء ليشرف على معركة مخيم جنين ومعه وزير دفاعه فؤاد بن أليعازر ورئيس أركان جيشه شاؤول موفاز؟ وقد تحول المجلس الوزاري المصغر في الكيان العبري، بل كل حكومة شارون إلى فريق عمل لمتابعة المعركة في مخيم جنين.

إن السطور القادمة لن تتطرق إلى انتقاد أي خطأ وقع في أثناء معركة المخيم؛ لأننا نتحدث عن جيش جرّار مسلح بالدبابات والطائرات والتكنولوجيا الحديثة ومدرب تدريبا عاليا يهاجم منطقة مساحتها كيلو متر مربع يتحصن فيها بضع عشرات من المقاتلين، 90% أو أكثر منهم لم يتلقوا أي تدريب عسكري...فإن وقعت أخطاء معينة فهي أشبه بقطرات في بحر الحدث البطولي.

إلا أننا يجب ألا نبقى محصورين في دائرة الحديث عن مخيم جنين كحالة بطولية متميزة، ونسرد قصص الشهداء، والملحمة البطولية دون الجرأة على الحديث عن الأخطاء؛ وليكن لنا في عدونا عبرة، فهو عقب كل حدث يناقش أداءه وأين نجح وأين أخفق وأين كان ثمة تقصير، ويعمل جاهدا على تلافي الأخطاء في المستقبل، حتى ولو كان نجاحه الظاهر بنسبة 100% في تحقيق الهدف.

ويكفي أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ أنهم لتجنب كمائن المقاومين في حرب الكوانين في غزة(2008-2009م) كانوا يدمرون البيت أو المنطقة (ب) انطلاقا من المنطقة (أ) للوصول إلى المنطقة (جـ) تدميرا  كاملا، فقد تعلموا من درس مخيم جنين وكمائنه القاتلة، وقرأت شيئا من هذا مترجما عن صحافتهم إبان تلك الحرب.

وعلينا أن نمتلك الجرأة ونتحدث علنا عن الأخطاء، أو السلبيات، التي نتحدث بها في مجالس خاصة أو ننثرها تعليقات مبعثرة على الإنترنت، وهذا الحديث لن يضر أو يمس بسوء -مثلما يتوهم البعض- مكانة وسمعة مخيم جنين وصموده وتضحيته البطولية، بل على العكس تماما.

 

 

(2)فرادة ضارة!   من المؤكد أن مخيم جنين كان حالة فريدة متميزة، وهذا إن كان مفخرة للمخيم، فإنه ضار بالحالة الفلسطينية المقاومة، ومعناه أن الاحتلال ليس أمامه سوى هذا المخيم ليكسر شوكته ويخضعه وينقضي الأمر! لماذا لم تجر استعدادات في تجمعات سكنية شبيهة وبعضها أكبر مساحة وسكانا من مخيم جنين لمواجهة اجتياحات جيش الاحتلال؟أولو تكررت معركة مخيم جنين في خمسة مواقع أخرى أو أكثر، هل كان شارون سيبقى في سادرا في غيّه؟ هناك من تحدث وهدد عبر الفضائيات بمقاومة شرسة منتظرة في أكثر من منطقة من التي طالتها الاجتياحات؛ ومع الأسف النتيجة أن المقاومة كانت لا تذكر...ثم لماذا تمترس المقاومون في كنيسة المهد؟أنا أسأل الله أن يعودوا سالمين غانمين إلى فلسطين، ولكن هل كانوا يظنون أن شارون سيتورع عن دخول كنيسة المهد أو القيامة لتحقيق أهدافه؟أم أن الهدف هو تحقيق (SHOW) إعلامي لم يتحقق بحصار الكنيسة من جيش الاحتلال، فالعالم لا يكترث إلا لما يسمى محاربة الإرهاب ولو دمرت الكنيسة حجرا حجرا...طبعا أضرب بيت لحم مثالا عن حالة سقوط سهل لكل المدن والمخيمات والبلدات والقرى في عملية «السور الواقي» باستثناء مخيم جنين...وأعلم أن هناك تبريرات كثيرة، إلا أن حالة مخيم جنين تدحض هذه التبريرات، أو تجعلها في محل شك كبير!  ولم ولن يكون في مصلحة مخيم جنين -ولا أي منطقة أخرى- أن تكون حالة مقاومة متميزة وفريدة دون سائر المناطق، لأنه سيكون هناك خسائر في صفوف العدو، وشهداء، وقصص بطولة خالدة، إلا أن الحصاد السياسي أو حتى الميداني سيكون قريبا من الصفر...فهل أخذنا العظة بعد 12 سنة، وكلامي موجه إلى الفصائل بالدرجة الأولى بأن يكون لها أكثر من كنانة وأن تنتشر أفقيا وعاموديا في العمل المقاوم، وألا تكتفي بمنطقة تتلو في حضرة تضحياتها قصائد التمجيد!

 

(3)عدم إدراك استمرارية العملية   بعيد معركة مخيم جنين كنا نسمع بأن المخيم سيستعيد عافيته وقوته خلال شهور عدة، وأن المعركة زادته قوة وخبرة ميدانية...هذا التفاؤل كان مرده إلى الاعتقاد بأن الاحتلال اكتفى بما أحدثه من قتل   ودمار وسيترك المخيم وشأنه، مما يتيح لمجموعات المقاومة التقاط أنفاسها وإعادة بناء قدراتها وتطوير أدائها، وهذا تفكير تبين أنه خطأ فادح. فالاحتلال واصل عملياته في مخيم جنين، دون كلل أو ملل، واعتقل كثيرا من النشطاء، ومن خلال اعترافات هؤلاء، اعتقل الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وتمكن من استنزاف المقاومة في المخيم بسياسة النفس الطويل، المبنية على حزم وشراسة ودموية ممزوجة بدهاء ومكر، افتقدتها المقاومة في المخيم مع الأسف. وبصراحة بعد معركة المخيم كان يفترض بالمقاومة-داخل المخيم- أن تتخذ قرارا قطعيا بعدم العمل في داخل الخط الأخضر حتى إشعار آخر، وألا تستنزف ذاتها في أعمال لا طائل منها مثل إطلاق النار على دبابات الميركافاه، وأن تعي أنها أمام مرحلة جديدة، وألا تبقى مسكونة بإعادة حالة ما كان يمكن أن تعود خلال شهور ولا حتى سنوات. وكان يفترض تغيير التكتيكات، وأساليب العمل، ولو أدى الأمر إلى حالة سكون مؤقتة؛ فما لوحظ أن المقاومة دخلت في حالة إثبات أن عملية السور الواقي فشلت وأنها ما تزال قادرة على الضرب والإيلام، دون أن توفر لنفسها عوامل قوة وأن تستعد للمرحلة الجديدة؛ فعملية السور الواقي كان معلنا وواضحا منها أن جيش الاحتلال سيدخل إلى الضفة الغربية ويقتل ويعتقل ويعيد بناء شبكة جواسيسه وقاعدة بياناته، وذلك تزامنا مع عملية بناء الجدار، وكان الاحتلال يحسب بلا ريب أنه لا بد من وقوع بعض العمليات ولكن المنحنى في هبوط، ولو ظهر العكس في المرحلة الأولى.   (4)المظاهر الاستعراضية ومفهوم المطاردة   ومما كان يجب التنبه له وإنهاؤه تماما هو ظهور المسلحين علنا في الشوارع والساحات وما يرافق ذلك من إطلاق نار في الهواء، واستعراضات ضررها أكثر من نفعها؛ فالفترة من أوائل تشرين أول(أكتوبر) سنة 2000م وحتى منتصف نيسان(أبريل) سنة 2002م تختلف تماما عما بعدها، فالجيش الإسرائيلي صار يدخل المناطق المصنفة (أ) وقتما شاء، ولم يعد يعتمد على القصف بالمروحيات أو زرع العبوات القاتلة في أماكن يرتادها المقاومون؛ فكان الأوجب ترك خروج المقاتلين بالمناسبات وفي مسيرات التشييع، سواء أكانوا ملثمين أو مكشوفي الوجوه، فلا فائدة من هذا، وهي     ظاهرة ربما ساهمت في عزوف شريحة من الناس عن تأييد المقاومة نظرا لأن حجم وعدد من يتصدون للاجتياحات المتكررة كان أقل بكثير، من العدد الذي  يظهر في المسيرات وحفلات التأبين وإحياء الذكريات. وأمر آخر هو ظاهرة المطاردين لقوات الاحتلال؛ فالملاحظ أن الغالبية الساحقة من هذه الفئة حينما يحوز حائزها على صفة المطارد أو المطلوب ينقطع عمله المقاوم تماما، إلا من رحم ربي، ويصبح شغله الشاغل حماية ذاته وشخصه، ويكون عبئا ثقيلا على أسرته وتنظيمه، وينعدم دوره في المقاومة حتى ساعة اعتقاله أو تصفيته وما يصاحبها من تدمير ورعب...المطارَد يفترض أن يكون مُطارِدا للاحتلال لا باحثا فقط عن حماية ذاته!   (5)ترك المخيم ساحة مفتوحة اجتماعيا وثقافيا

 

لا أنكر أن هناك في العالم من يتعاطف معنا، وجاء للتضامن معنا، وصورة راشيل كوري لم تمح من مخيلتنا، هذا أمر مفروغ منه؛ وفي ذات السياق فإننا أمام كيان فيه دوائر لها موازنات ضخمة هدفها دراستنا واختراقـنا ثقافيا واجتماعيا بشتى الوسائل المتاحة.

والعمل العسكري في العقلية الصهيونية دوما له عمل ثقافي مواز أو مكمّل؛ ونعلم أن معظم الإسرائيليين يحملون جنسيات مختلفة أوروبية وأمريكية وغيرها؛ كما أن أجهزة استخبارات الدول الغربية جميعا بلا استثناء تتعامل مع نظيرتها الإسرائيلية وتتبادل معها الخبرات والمعلومات...ومراكز الدراسات والأبحاث الغربية، وإن افترضنا أن بعضها بل حتى جميعها لا علاقة لها بالموساد أو الشاباك إلا أن ما بحوزتها من معلومات وبيانات مما ينشر أو لا ينشر يمكن للمعنيين داخل الكيان الاطلاع عليه كله بسهولة ويسر!

وبعيد الاجتياح امتلأ مخيمنا بأجانب من أوروبا وأمريكا تحت عناوين مثل: متضامنين أو صحافيين أو فنانين أو غير ذلك؛ وأنا لا أشكك بنواياهم جميعا، ولكن هل من ضمانة أنه ليس بينهم ضباط مخابرات صهاينة؟وهل الذين أتوا لعمل دراسات وأبحاث وكنا أمامهم كتابا مفتوحا لن يقدموا ما توصلوا إليه من نتائج مبنية على دراسة علمية ميدانية إلى الكيان؟

وكان يجب منع احتكاك هؤلاء تماما بفئتين اثنتين؛ الأولى هي المسلحين، لدواعي أمنية واجتماعية وحتى سياسية؛ والثانية فئة الشباب والفتية الذين وجدوا أنفسهم فجأة بين أناس لهم ثقافة وحياة

 

 

مختلفة تماما عن بيئة هؤلاء الفتية وثقافتهم، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج؛ وأنا شخصيا لطالما لاحظت فتية ما بين 17-19 سنة يرافقون هؤلاء الأجانب خاصة الفتيات في جولات في المخيم، وقد أصابني الغيظ مرة فصرخت فيهم:-

-ولكم فيهم إيدز!

فما كان من والدتي، أن خرجت من المنزل بسبب ارتفاع صوتي محذرة عاتبة:-

-عزيين، احنا شو مالنا؟!

ولم أكترث لأمي وأكملت صراخي متسائلا:-

-ولكم عارفين شو يعني إيدز؟!

هنا قد يدافع البعض أن هؤلاء الفتية لم يقيموا بالضرورة علاقات محرمة مع بنات الأجانب، بل كانت دوافعهم فضولية ورغبة في اختبار ما يحفظون من كلمات إنجليزية، وربما طمعا ببعض المال؛ هذا صحيح، ولكن كلنا يعلم أن بعض الأجانب  كانوا يبيتون في المخيم؛ وكيف الحال بفتية في ذروة فورتهم الجنسية، يعيشون في بيئة يغلب عليها الدمار والدماء، وتساورهم رغبات في الحياة بنمط مختلف ولو لأيام قليلة، مهما كانت تربيتهم الدينية أو المحافظة قوية؟!

وعلى كل حال أطرح سؤالا لكل ذي لبٍّ:هل ترك مخيمنا ساحة مفتوحة لهؤلاء الأجانب الذين أجزم أن بينهم ضباط من الشاباك والسي آي إيه والإم آي 5 وغيرها أمر أفاد المخيم والقضية؟لا أقول يجب منعهم أو طردهم ولكن كان يفترض أن يكون هناك ضوابط لحركتهم، وبرنامجا نتحكم فيه نحن، لا أن نترك لهم الحبل على الغارب يلتقطون الصور ويدخلون المؤسسات والمنازل وقتما شاؤوا ويجالسون مسلحينا وفتياننا وفتياتنا، بحيث أننا صرنا كتابا مفتوحا أمامهم!

 

(6)وحدة مثلومة   كتبت في الذكرى العاشرة لمعركة المخيم:قيل أن شهيدا من كتائب الأقصى قد تكون بندقيته من كتائب القسام وذخيرتها من سرايا القدس وبالعكس...لقد كانت حالة من التفاني في الفداء والتضحية ومنافسة شريفة ونسأل الله أن يكونوا ممن نالوا محبة الله تعالى التي تأتي وفق الآية الكريمة«إن الله     يحب الذين يـقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص»(انتهى الاقتباس)، وذاك أمر معروف والتفاخر به متواصل حتى اللحظة، ولكن الوحدة التي يكثر الجميع التباهي بها ظلت ميدانية محدودة، ولم تنعكس كثيرا على واقع المخيم ومؤسساته؛ ولا يتذرعنّ أحد بالانقسام الذي بات شماعة يعلق عليها ما هو سببه وما لا شان للانقسام به؛ ولكن الانقسام حصل في 2007م أي بعد مضي خمس سنوات على معركة المخيم، كما أن الانقسام لا يخص حركة الجهاد الإسلامي والمستقلين مثلا…ولماذا لا يكون هناك انتخابات للمؤسسات العامة في المخيم يكون من حق أي ساكن في المخيم عمره 18 عاما فما فوق أن يترشح أو يشارك فيها؟ ومما يؤكد الخلل فيما نزعمه من وحدة ونفاخر به؛ حرص كل طرف أو فصيل على أن ينسب المعركة والبطولة إلى نفسه، وأن يتجاهل، بل ضمنا يشطب الآخرين، ولا أتحدث هنا من فراغ، ولا أنكر أن أصوات القادة الكبار في مخيمنا  تذكر كل الشهداء بالتساوي، ولكن ما وراء المشهد مختلف ومغاير...وبصراحة أقول أنه لم يكن هناك من يمكن أن نطلق عليه وصف قائد لمعركة مخيم جنين، بل كان هناك عدة قادة، بل إن بعض الأفراد ربما كان تأثيرهم أكثر ممن اعتبروا قادة في مواقف معينة أثناء المعركة! وقد بدا علينا الخلل وحق الشك في مزاعمنا الوحدوية في الاحتفاليات بذكرى معركة المخيم في أكثر من سنة، وما يصاحبها من مناوشات واحتكاكات مؤسفة، وحسبي أن أذكر آخرها في مثل هذه الأيام سنة 2007-بعد ذلك الاحتفالات كانت باهتة والمشاركة ضعيفة- حيث أطلقت النار بكثافة في الهواء، ووقعت مشادات حادة على المنصة، مما حدا بكثير من الحضور على مغادرة المكان؛ بل إن عضو الكنيست د.أحمد الطيبي صعد إلى المنصة ووجه عبر مكبرات الصوت نداء حارّا بالهدوء وذكر بالشهداء والبطولة ورمزية مخيم جنين...ويا سلام علينا وعلى وحدتنا!

 

(7)مظاهر سلبية لم تحارب بحزم   إن قضية شعبنا واحدة لا تتجزأ، وقد تقاسم المشردون من المخيم الزاد والماء والمسكن والملبس  وحتى السجائر مع أهل القرى والبلدات المجاورة، واحتضن المخيم كل من رغب في المقاومة والشهادة من كافة أرجاء محافظة جنين، وصولا إلى محافظة طولكرم وغيرها…وهل تظنون أن الاحتلال يرضى بهذا التلاحم، ويعجبه أن يرى أبناء شعبنا يتكاتفون ويتعاطفون مع بعضهم البعض؟كلا، فهو سيسعى   لدق الأسافين، وإيقاد نيران الفتنة، والعزف على أوتار نعلمها جميعا…ومع الأسف بعض الجهلة والسفهاء بتصرف أرعن هنا، وكلام غير موزون هناك أعطوا فرصة ذهبية لتسلل وباء الفتنة، وكان يجب الضرب بيد من حديد، وبحزم لا هزل فيه على رأس كل أزعر يسيء برعونته إلى سمعة المخيم تحت أي عنوان. وقد يرى البعض أن ثمة من يضمر للمخيم بغضا، لا يمحوه جهاد، ولا يخفف غلواءه نضال، ولا تجدي لاجتنابه التضحيات، وسيظلون يغمزون من قناة المخيم سواء ظهرت من بعض أبنائه أخطاء أم لم تظهر؛ قلت:إن الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- ومعه من هاجر وجدوا في المدينة المنورة ابن سلول ورهطه، فهل كان هؤلاء قاعدة أم شواذ؟وهل نرمي بني قيلة(الأوس والخزرج) بجرم رأس النفاق؟ وأقولها بكل صراحة:إن تصرفات البعض، وعدم تقيدهم بنصائح الشخصيات القيادية والرموز الاعتبارية في المخيم، قد أساءت لسمعة المخيم، وشوّهت الصورة البطولية التي نواصل الاحتفال بها دون أن نحرص على نظافتها بعدم السماح لأي عابث أن يلوثها!   (8)ثم ماذا…؟!   لا يتسع المجال ولا يسمح المقال بسرد كل ما يجوس في النفس، وما بات يتردد على كثير من ألسنة الناس، إلا أن الاستمرار في التعامي عن الأخطاء، والتمترس خلف عناوين البطولة التي لا ينكرنّها مبصر أو بصير، أمور تضر، ولا تنفع. ولكن يجب أخذ العبرة، والتعلم من الأخطاء…ويجب التأكيد على أن التفكير بإمكانية تكرار الحالة التي كانت قائمة في المخيم قبل الاجتياح بسنة أو أكثر أمر دونه خرط القتاد؛ فالظروف الميدانية تغيرت، وتبين أن التقوقع داخل بقعة جغرافية بعينها أمر ضرره أكثر بكثير من نفعه. ويجب التخلص من المظاهر السلبية، وعدم تعليقها على شماعة المقاومة؛ وليدرك الجميع أن المقاومة في كل بلد تعرض للاحتلال دائما أقل عددا وعدة من القوة المحتلة، إلا أن قوتها تكمن في وجود بيئة شعبية حاضنة لها، ونحن اليوم نكاد نفتقد هذه البيئة بسبب انفلات بعض الأفراد، ولأن مظاهر لا علاقة لها بالمقاومة طفت على السطح.       وبعد مضي 12 سنة على معركة مخيم جنين، يجب أن نتخيل الشهداء ينظرون إلى حالنا، فإن كان يسرّهم فيها نعمت، وإن كان يسوؤهم، فلنراجع أنفسنا ونمتلك الجرأة على تصويب مسارنا. رحم الله الشهداء، ونسأله فرجا عاجلا للأسرى، وشفاء للجرحى. والحمد لله رب العالمين.

 

 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

السبت  5 جمادى الآخرة 1435هـ ،5/4/2014م

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق