]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تعليل العلل [الحي يحييك والميت يعييك]

بواسطة: Truthful Soul  |  بتاريخ: 2014-04-03 ، الوقت: 22:54:27
  • تقييم المقالة:


لماذا تكثر الأمراض والعلل فينا نحن البشر... بينما تندر في باقي الكائنات الحية البعيدة عن تأثيرنا؟
التعليل، أو السبب ببساطة... هو ما يميزنا عن تلك الكائنات: هي جميعًا خاضعة للطبيعة؛ لا يمكنها إلا ذلك. أما نحن، فرغم كوننا من الثدييات، إلا أن دماغنا المتطور قد مكننا من التصرف في ما حولنا كما نشاء... فتحدَّينا الطبيعة، تمردنا عليها، وخالفنا قوانينها وسننها.
شئنا أم أبينا، نحن كثدييات، نعتمد على مكونات الطبيعة في بقائنا أحياء أصحاء. لا أحد منا يمكنه البقاء بلا ماء وهواء وغذاء؛ كما لا يمكن الحفاظ على صحة جيدة... مع التعرض للملوثات الدخيلة على هذه المكونات.
إن للحياة على هذا الكوكب نظام معقد... يتمثل في التوازن بين الكائنات الحية والماء والهواء والشمس، والتوازن داخل الكائن نفسه. ما حصل منذ مئات السنين... أن الإنسان أخل بهذا التوازن... حين سوّل له عقله وهواه أن ينحرف عن الزراعة والرعي والصيد... إلى بناء المباني وصنع الأشياء. وهو لا يعي أو لا يبالي أن التوازن ضروري لحياته، وأن عليه أن يراعيه في كل أفعاله.

البناء والعناء
قام الإنسان ببناء المباني، وتكوين المدن والبلدات، والسكن فيها... متصورًا أنه يحسن صنعًا. لكنه خلال ذلك صار يخل بالتوازن، ويعبث بنظام الحياة.
كان قبل ذلك يعيش في القرى والمزارع... منسجمًا مع الطبيعة، مندمجًا في دورة الحياة. إنه شاء أم أبى، يحتاج في حياته لأن يرعى غذاءه النباتي والحيواني ويعتني به، ويحتاج للهواء الطلق والشمس، والحركة؛ فهو يشترك مع الحيوانات الأخرى في الصفات البدنية، والاعتماد على ما ينتج عن النبات من غذاء وأكسجين... مقابل اعتماد النبات على ما ينتج عن الحيوان من فضلات وثاني أكسيد الكربون. ضمن هذه الدورة، اعتاد الإنسان في القرى والمزارع... تجميع فضلاته وتحويلها إلى سماد.
لكن بسبب الاستكبار، ومحاولة الترفع عن الحيوانات... صار ينأى بنفسه عن هذه الدورة الهامة للتكامل بين الأحياء؛ فأقام المباني، واتخذ المراحيض (ما يقتضي حبس الفضلات الضارة في الجسم حتى دخول المرحاض)، واستعمل الماء الذي يحتاجه للشرب والري... في نقل فضلاته إلى أماكن بعيدة عنه... ما أدى لتكوّن مجارٍ وبرك خبيثة، تتكاثر فيها صنوف الجراثيم والأوبئة والفئران والحشرات.
كما أنه قلل تعرضه للهواء الطلق والشمس، وأوجد لنفسه وسائل الراحة التي حدت من الحركة والنشاط البدني... رغم أن البدن في تصميمه يتطلب الحركة ليؤدي وظائفه ويبقى صحيحًا؛ وهذا يحصل في المشي والعمل البدني كالزراعة.
وفي المدينة مخالفات عديدة تؤثر على الصحة؛ مثل البلاط والأرضيات الصلبة؛ فقد ثبت أن المشي بقدمين حافيتين على أرض ترابية وعلى الحصى مفيد للصحة، وأن المشي على أرض صلبة يؤذي المفاصل والفقرات؛ إضافة لخطر الإصابات وشدتها عند الوقوع والارتطام، بانزلاق أو بغيره. مثال آخر هو قصر الأفق، بسبب الحيطان التي تحيط بالمرء من كل جهة؛ وهذا يضعف البصر، ويغم النفس. عمومًا، بيئة المدينة... صناعية ميتة؛ بينما بيئة القرية والمزرعة زاخرة بالحيوية وطاقة الحياة؛ وهذا يؤثر على صحة السكان.
[الحي يحييك والميت يعييك]

الشناعة في الصناعة
إن الأفعال في الطبيعة لا تكون إلا بمبرر إيجابي؛ وهذا ما لم يتحقق في توجه الإنسان إلى الصناعة؛ فهو لا يحتاجها أكثر من حاجة غيره من الأحياء إليها؛ بل هي مؤذية له ولها. لكن النزعة إلى الإبداع والإنتاج... بدافع التربح والتفاخر وإرضاء الغرور، وسباق التسلح الناتج عن التفرق والخوف... أديا إلى الثورة الصناعية. وانخرط الكثيرون في هذا المجال... بسبب أنهم هجرو القرى والمزارع والأرياف، وسكنو المدن طمعًا في مغرياتها الزائفة، واحتاجو المال لشراء الغذاء ولوازم التمدن.
هذا المجال لا يناسب طبيعة الإنسان؛ نظرًا لما تعرّضه له من كيمياويات وإشعاعات، وأن بيئة الحديد والإسمنت ميتة، وليس الميت كالحي.
ويُستعمل في الصناعة مختلف المواد، ويُستخرج النفط ويحرق بكميات هائلة. ينتج عن ذلك التلوث الشنيع المستمر منذ عقود، بمواد غريبة تُبعث في الهواء، وتُصب في الماء. يضاف لذلك الإشعاعات من الأجهزة الكهربائية. كما دفع استهلاك الأخشاب إلى الاعتداء على الأشجار، وهي التي كانت تخلّص الكوكب من ثاني أكسيد الكربون وتمنحه الأكسجين؛ فقُطع الكثير منها.
لقد تدخلت الصناعة في كل شيء؛ لكن تدخّلها في إنتاج الغذاء... يتضمن معاندة قوانينه... مثل التأكسد والتحلل والتأثر بالحرارة وفقدان القيمة والحيوية. وقد بات معروفًا أن المعلبات من أسباب المرض.
لقد تدخلت حتى في الزراعة، لغرض الإنتاج الكمي التجاري، بنشر الأسمدة الكيمياوية، والمبيدات السامة التي تمتصها الخضار والفواكه، وممارسة التعديل الوراثي الذي يقلل قيمة وحيوية الغذاء ويغير صفاته العضوية. هذا يؤثر على صحة من يتناوله.
كما أن ما تنتجه الصناعة ضار في الغالب، إما بمواد سامة، أو موجات، أو إشعاعات، أو حواف حادة، أو غيرها من أشياء غريبة. وهو إن لم يؤذ البدن فقد يؤذي العقل أو النفس، وقد يلهي المرء عن الاهتمام بشؤونه المهمة. وفوق كل هذا تتسبب الانبعاثات في إضعاف الغلاف الجوي الواقي للكوكب من الأشعة الفضائية.

التجّار الفجّار
يدفع الجشع بعض التجار إلى ممارسات مشينة مؤذية... قد تصل إلى التسبب في إصابة الناس بأمراض خطيرة وحتى موتهم؛ مثل تهريب وترويج البضائع المغشوشة والفاسدة، والمخدرات، في سبيل تجميع أكبر كمية من المال.
ومنهم أصحاب المزارع التجارية الذين يقومون بتكثير الإنتاج الزراعي والحيواني باستعمال طرق ومواد ضارة للصحة.

خبيث الغرض ينتج المرض
الطب الصناعي، الشائع في المستشفيات والجامعات، انتشر بفعل الاستثمارات الضخمة وبهدف التربح من المرضى؛ لذا فبقاؤه يربح وينمو... يعتمد على وجود مرضى؛ وهذا يتضمن ألّا يكون توجّه العاملين فيه إلى تخليص العالم من الأمراض، بل إلى استغلالها لتحقيق أكبر كم من الأرباح. وهو قائم على علاج الأعراض وتجاهل أسباب الأمراض، واستعمال الأدوية الكيمياوية والموجات والجراحة لاستهداف أعضاء محددة من الجسم؛ فهو يتعامل مع جزء منه كأنه آلة من قطع مجمعة، ولا ينظر للمشكلة نظرة شمولية؛ لذا هو غير مناسب لطبيعة جسم الكائن الحي التكاملية المترابطة. إضافة إلى استعمال مضادات الحياة للقضاء على الجراثيم، وهي تؤذي خلايا الجسم (بما يسمى أضرارًا جانبية) وتدفع لتطور الجراثيم لتكون أشرس وأشد مقاومة. كما أن المستشفى (مكان الاستشفاء) هو ذاته مجمع للجراثيم التي تنتقل إلى الذين يلجأون إليه. إذن... الطب الصناعي من أسباب المرض.
ولقد بلغ شر البشر حد أن منهم من أقدم على إنتاج الأمراض، لا بالطرق غير المقصودة أو غير المباشرة سالفة الذكر، بل بإنتاج المرض نفسه أو نشره في الناس قصدًا مع سبق الإصرار؛ إما بهدف إبادتهم باعتبارهم أعداء، أو لغرض التربح من مداواتهم، أو حتى لأجل دراسة تأثيره عليهم.

يجب أن نعترف... العلم منحرف
صار متوسط عمر الإنسان يقل بعد أن حصل الخلل في انسجامه مع الطبيعة بما يسمى الحضارة. يضاف إلى ذلك الجهل بطرق الوقاية والعلاج الفعال. إن العلم المفضي لتحسين حقيقي للصحة مغيّب، وقد طغى عليه علم الطب الصناعي الرأسمالي الذي يمثل انحرافًا تاريخيًا عن العلم النافع إلى العلم التجاري. ربما زادت أعمار من في الدول الصناعية قليلًا عن مرحلة سابقة؛ لكنها لا تزال دون ال90، مع اعتماد معظهم على أدوية وأجهزة لها مشاكلها؛ بينما يوجد معمرون يتجاوزون ال100 بكثير يتميزون بحياة طبيعية. أثبت العلم أن عوامل ومحفزات الحياة كثيرة ومعقدة، في الأحياء والتربة والماء والجو والشمس وغيرها، وكذلك مضاداتها ومثبطاتها؛ وأن التوازن بين ذلك يتغير بالظروف، وهذا يؤثر على الصحة والعمر. من المهم إطالة العمر، لكن الأهم نوعية الحياة ومدى السعادة بها؛ ويبدو أن معظم الأمراض الجسدية والنفسية منتشر في المدن لا في القرى والمزارع.
لايمكن إنكار أن العلم مكّن من مكافحة بعض الأمراض الوبائية في السابق؛ لكن الأمور مع الوقت أخذت منحًا آخر بتحول الطب إلى استثمار وقيام منشآت هادفة للربح، يهتم عاملوها بتضخيم أرصدتهم لا بإزالة الأمراض التي صارت تكثر وتتنوع بشكل لم يسبق له مثيل بسبب مخالفات وتعقيدات العصر الصناعي. وها هم بلا حياء يستغلون الكثير من المرضى بتكاليف فاحشة، وينتجون ويسوقون علاجات "إدارة المرض" مدى الحياة بدل القضاء عليه. ورغم ذلك يصفون ما هم فيه بالتقدم الطبي؛ فأي تقدم هذا؟
بعد تمكن العلماء من استعمال المجهر، صرنا نعرف أنه تنتشر في الأرض صنوف من بكتيريا نافعة، وأخرى ضارة؛ وأن النافعة تتواجد في المناطق الطبيعية في التربة والسماد؛ ولها دور أساسي في حياة النبات والحيوان، من خلال تحلل العناصر المغذية لها لكي تستفيد منها. وهي تستعمر كذلك الجهاز الهضمي، فتساعد في الهضم؛ وتتعاون مع جهاز المناعة، فتمنع تكاثر البكتيريا الضارة. تجاهل أهل المدن النافعة، وصارو يكافحون الضارة بمواد كيمياوية محدثة. هذه المواد لا تتوافق مع نظام الطبيعة، وتدفع لتطور بكتيريا أشرس وأعند؛ كما تسبب تناقصًا في أعداد النافعة؛ وهذا ما يعتقد أنه سبب انتشار أمراض المناعة الذاتية (كالمفاصل والغدة الدرقية والقولون) عند أهل المدن. وما يزال العلماء يدرسون تأثيرات العديد من أنواع البكتيريا.
المطلوب توفر الوعي والحكمة للتحرر من الاعتماد على الغذاء التجاري، بإعادة توزّع السكان من المدن التي أقيمت في أماكن عشوائية... إلى المناطق الزراعية غير المستغلة، والعمل فيها بحيث ينتجون من الغذاء ما يكفيهم ويزيد. وهذا العمل ليس شاقًا لو توزع على الناس؛ فمنهم حاليًا من يزرعون بعض الخضار والفواكه ويربّون الدواجن في محيط بيوتهم؛ وما يلزم هو الانتشار والتوسع في ذلك. وفي الأثر: لا خير في أمّة تأكل ما لا تزرع.
لكل شيء سبب؛ وتثبت الدراسات أن أسلوب الحياة، إن تضمّن غذاء وبيئة طبيعيان بلا تلوث والنشاط البدني، له الدور الأكبر في الصحة والعمر؛ ويليه دور الجينات. ودرهم وقاية خير من قنطار علاج.

مما تقدم نستنتج أننا نحن البشر... المسبب الرئيسي للأمراض في هذا العالم؛ وألّا ملجأ ولا منجى إلا في حضن أمّنا... الطبيعة الزراعية العضوية، حيث تأثير الصناعة والتجارة والعمران أقل ما يمكن.
ما كان للأمراض وسوء التغذية أن تتفشى لو أن معظمنا وجّهو جهودهم للزراعة والتغلب على صعوباتها ومشاكلها؛ فإن في الزروع والثمار والأعشاب غذاء ودواء للبشر. لو نفعل ذلك نسلم من أكثر الأمراض، ومن تكاليف ومعاناة المدينة والطب الصناعي. يمكن لذلك أن يتحقق... بانتشار الوعي وسيادة الحكمة.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق