]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحياة الثقافية والفكرية والعلمية فى مصر الفرعونية (1)

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-04-01 ، الوقت: 21:53:35
  • تقييم المقالة:
الحياة الثقافية والفكرية والعلمية فى مصر الفرعونية أولاً: الآداب ا – الكتابة انظر أيضاً: اللغة والكتابة والحساب فى مصر القديمة لن ينسى التاريخ فضل المصريين على الإنسانية فى اختراع الكتابة، وقد تم ذلك قبل عصر توحيد البلاد، وبالكتابة سجل المصريون القدماء مظاهر حياتهم السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية. تطور الكتابة   سجل المصريون القدماء أفكارهم عن طريق الصور، وكل صورة تدل على كلمة معينة، فلكى يكتب المصريون القدماء كلمة "سمكة" رسموا صورتها مصغرة، وسميت هذه الكتابة "الهيروغليفية"، وكانت تستخدم على جدران المعابد، واللوحات الحجرية والخشبية، وتكتب من أعلى إلى أسفل أو العكس، ومن اليمين إلى اليسار أو العكس. هذه الكتابة الهيروغليفية استخدمت فى تسجيل النصوص الدينية، وكذلك عرفت باسم "الخط المقدس". ثم ظهر نوع مبسط من الكتابة سميت "الهيراطيقية" (أى خط رجال الدين)، واستخدمت فى الكتب الدينية والنصوص الأدبية فى عصر الدولة الوسطى. أخيراً ظهرت الكتابة الديموطيقية (أى الكتابة الشعبية) التى استعملت فى كل نواحى الحياة، وانتشرت فى العصور المتأخرة، وعصرى البطالمة والرومان. كيف توصلنا إلى قراءة الكتابة المصرية القديمة؟   فى عام 1799 م عثرت الفرق العسكرية الفرنسية على "حجر رشيد" بالقرب من مدينة "رشيد" المصرية، فكان بمثابة المفتاح الذى كشف معنى الكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة. و"حجر رشيد" عبارة عن كتلة من البازلت الأسود نُقش عليها حوالى عام 196 ق.م مديح للملك "بطليموس الخامس" على هيئة ثلاثة نقوش متوازية، وذلك باللغات الهيروغليفية، والديموطيقية المصرية، واليونانية. وبمقارنة اللغات الثلاثة أمكن للعلماء فك ألغاز اللغة الهيروغليفية، ووضعوا بذلك أسس علم المصريات الحديث. وحجر رشيد معروض الآن بالمتحف البريطانى فى لندن. بعد مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 م، عثر أحد ضباط الحملة على حجر يعرف بـ "حجر رشيد"، وحملوه إلى فرنسا، واستطاع العالم الفرنسى "شمبليون" Jean François Champollion فك رموز الكتابة الموجودة عليه، فأمكن قراءة ما تركه المصريون القدماء من كتابات على جدران المقابر والمعابد، أو على لفائف البردى. وتقديراً لجهود هذا العالم الفرنسى، أطلقت الحكومة المصرية اسمه على أحد الشوارع الكبرى فى مدينة القاهرة. أدوات الكتابة   لوحة لكاتب مصرى Scribe من مقبرة "نباموم" Nebamum بـ"طيبة" (حوالى سنة 1400 ق.م). استخدم المصرى القديم القلم المدبب المصنوع من البوص، والمداد الأسود أو الأحمر، والألواح الخشبية وأوراق البردى، وكانت كتب المصريين القدماء عبارة عن لفائف من قراطيس البردى، ومنها أخذنا معظم معلوماتنا عن حضارة المصريين القدماء. تاريخ فك رموز اللغة المصرية القديمة   إن علم المصريات لا يزال علماً حديث العهد، فلم يتسن لنا معرفة اللغة المصرية القديمة إلا منذ ما يقرب من قرن من الزمان.. كذلك لم نلم بعد بميدان علم المصريات بأكمله، فلازلنا فى مرحلة الاستكشافات، وتتواصل الحفائر بانتظام وتمدنا سنوياً بوثائق جديدة. ويجرى نشر ما سبق جمعه من آثار بشكل منهجى منسق. وطالما لم نصل بعد إلى معرفة كل المصادر التاريخية فلا يزال أملنا كبيراً فى الوصول إلى اكتشافات جديدة. بيد أن ما تجمع بين أيدينا من معلومات يكفى للشروع فى كتابة تاريخ الحضارة المصرية فى خطوطها العريضة. ولم يكن فى مقدورنا أن نعرض هذه الصورة الإجمالية عن الحضارة المصرية القديمة، على إيجازها فى هذه الموسوعة، لولا اكتشافات "جان فرانسوا شمبوليون" (1790-1832) Jean-François Champollion مبدع علم المصريات. وكان من النتائج المثيرة لمغامرات "نابليون"، أنها شدت انتباه العقول المتعطشة إلى المعرفة إلى الشرق.. إلى مصر. ويمكن القول دون مبالغة أن إعادة اكتشاف مصر القديمة يرجع إلى عام 1809 مع نشر كتاب "وصف مصر" Description de l'Egypteالذى وضعه علماء الحملة الفرنسية على مصر عام 1798. لقد احتوى هذا المؤلف الهائل على مواد ومعلومات جديدة، فى نفس الوقت الذى بدأت فيه الحركة الرومانسية تحيى ذوق الماضى وذوق الشرق. وليس من قبيل المصادفة أن "ديلاكروا" Delacroixو"بيرون" Byronو"لامرتين" Lamartineعلى سبيل المثال لا الحصر، كانوا معاصرين "لشمبوليون"، وكانوا مثله مشدودين إلى عالم الشرق. وبطبيعة الحال لم يكن كافياً أن تتوفر الظروف المواتية، وأن يتوصل علماء البعثة الفرنسية فى مصر بفضل علمهم وعملهم الرائع الدؤوب إلى جمع المعلومات اللازمة لإنجاز هذا الاكتشاف، بل كان الأمر يحتاج أيضاً إلى العبقرية. وكان "شمبوليون" يمسك هذا الوهج الذى لا غنى عنه، فقد كان شغوفاً بمصر متحمساً لها منذ نعومة أظافره. وانكب يتعلم بجد كل ما يشفى غليل ما يراوده من شغف: أن يلم بتاريخ مصر. وفتح له تكوينه الكلاسيكى الطريق أمام المصادر اليونانية واللاتينية. ثم زاد عليها بفضل جهده الدؤوب، معارف متخصصة كان يدرك مدى فائدتها: ففى القرن السابع عشر برهن الأب "كيرشيه" P. Kircher، وهو من الآباء اليسوعيين (الجزويت)، على أن اللغة المصرية الكلاسيكية، لا تزال حية من خلال اللغة القبطية التى ظلت على أيامه لغة الحديث بين رهبان مصر (ولا تزال مستعملة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية إلى يومنا هذا فى أجزاء من الشعائر الدينية)، وظل الرهبان يستخدمونها حتى القرن التاسع عشر. ومن ثم تعلم "شمبوليون" اللغة القبطية وأضاف إليها دراسة العربية والعبرية. كما تعلم السريانية والأثيوبية و"الكلدانية" (الآرامية). وهكذا واجه "شمبوليون" مشكلة المشاكل، وهى فك الرموز الهيروغليفية، وقد تسلح لها أحسن تسليح.   "حجر رشيد". كان أحد قواد "بونابرت" الفرنسيين قد اكتشف فى دلتا النيل كتلة من البازلت الأسود نقش على سطحها نص مدون بثلاثة خطوط مختلفة. هذه الكتلة الحجرية المعروفة اصطلاحاً بـ"حجر رشيد" نسبة إلى المكان الذى عثر عليها فيه، نشرت فى كتاب "وصف مصر". وعلى الفور صارت محل اهتمام الدوائر العلمية بالنظر إلى أهميتها. وفى واقع الأمر كان أحد الخطوط الثلاثة، وهو الخط اليونانى معروفاً، فأماط اللثام عن مرسوم صادر عن "بطليموس الخامس إبيفانوس (الظاهر)". أما الخطان الآخران، فكان يتكون أحدهما من علامات تشبه تلك التى تُشاهد على سطوح المبانى المصرية التى حفظها الزمن وهو الخط الذى يعرف اصطلاحاً منذ "إكليمندس السكندرى" بالخط الهيروغليفى (علامات الكتابة المقدسة) أما الخط الآخر – وهو مختلف كل الاختلاف، مع وجود بعض أوجه الشبه بينه وبين الخط العربى: فلابد أنه كان الخط الديموطيقى، وهو خط مختصر شاع استخدامه فى الوثائق الشعبية. وأقر الجميع على الفور وبحق، أن النصين الهيروغليفى والديموطيقى هما بكل بساطة ترجمة للنص اليونانى. وبدى أن المشكلة بسيطة: فالمطلوب قراءة وفهم لغة مجهولة تُرجم إليها نص مفهوم. وبالنظر إلى أن النصين المصريين لم يتركا فواصل بين الكلمات شأنهما شأن النص اليونانى – كان لابد من التوصل إلى موضع كل كلمة ومعناها ومحلها فى الإعراب. لقد وقفت نخبة من عقول هذا العصر الثاقبة عاجزة أمام هذه المشكلة السهلة الحل فى ظاهرها. زد على ذلك، أن المشكلة لم تطرح نفسها بالبساطة التى عرضنا لها. فبداية النقش الهيروغليفى كان مهشماً والباحثون يجهلون عدد السطور الناقصة. أما النص الديموطيقى فكان وحده سليماً. بادئ ذى بدء، تصدى "اكربلاد" Akerbladو"سيلفستر دى ساسى" Sylvestre de Sacyلهذا النص الأخير، وتوصلا إلى تحديد موضع أسماء "بطليموس" فى النص. ولم يذهبا إلى أبعد من هذا. وانكب "يونج" Young، الطبيب والفيزيائى البريطانى الذائع الصيت، على النص الهيروغليفى، فتوصل هو أيضاً إلى تحديد موضع اسم "بطليموس". واستخدم الأصوات التى اعتقد أنه قد استطاع استنتاجها، لمحاولة قراءة باقى النص، ولكن دون جدوى. عندئذ تدخل "شمبوليون" الذى كان يتابع فى شغف أبحاث من سبقوه. فمسألة المنهج هى التى كانت تقف فى واقع الأمر حائلاً دون تقدمهم. هل الكتابة المصرية تصويرية، فتشير كل علامة فيها إلى صوت واحد، كما هو الحال فى اللغات الحديثة. وما هى هذه الأصوات؟ وهل هى أبجدية أم مقطعية؟ إن "شمبوليون" نفسه قد تردد طويلاً. واكتشف بداية إن الحروف الساكنة وحدها هى التى تكتب مع إغفال الحروف المتحركة، شأنها فى ذلك شأن العبرية والعربية القديمة. فلا يتبقى من الكلمة سوى هيكلها العظمى. ومن فرط ما تلمس طريقه، ومن كثرة ما قلب المسألة فى ذهنه، لاحت له الحقيقة فجأة. إذ كان النص المصرى يحتوى بكل وضوح ورغم ما أصابه من تشويه على عدد من العلامات أكثر بكثير من النص اليونانى. وهى ظاهرة كانت تحتاج قبل كل شئ إلى تفسير. وأدرك "شمبوليون" على الفور أن هذه العلامات الزائدة مردها إلى حقيقة أن المصرية القديمة كانت فى آن واحد تصويرية وصوتية. أو كانت بعبارة أخرى، تضم علامات تُقرأ وأخرى لا تُقرأ – وهدفها تحديد معنى الكلمة فحسب. شرع "شمبوليون" يطبق ما توصل إليه من اكتشافات، فقرأ أول ما قرأ جميع أسماء الملوك اليونانيين، فى ترجمتها المصرية. ثم تصدى بعد ذلك للكلمات المصرية، بمعنى الكلمة. واعتمادا على إلمامه باللغة القبطية، لم يتوصل فحسب إلى قراءة اسم الملك "رمسيس" الشهير فحسب، بل نجح أيضاً فى فهم معنى الاسم ويعنى "رع (إله الشمس) أنجبه". وهكذا خطى الخطوة الفاصلة، فاستطاع أن يفهم الهيروغليفية (1822). ومن ذلك التاريخ فصاعداً، انكب "شمبوليون" على ما وقع بين يديه من نصوص، فعمل بنشاط منقطع النظير وتغلب على كل ما اعترضه من عقبات. وفى عام 1832، بعد مضى عشر سنوات على اكتشافه الأول، وضع كتاباً فى قواعد اللغة المصرية وشرع فى إعداد قاموس. وجمع خلال رحلة قام بها إلى مصر مادة لمجموعة من المؤلفات عن آثار مصر والنوبة. وأخذ يعد العدة للاستفادة من أعماله لإلقاء محاضرات فى "الكوليج دى فرانس" Collège de France، عندما وافته المنية وهو فى الثانية والأربعين من عمره، وقد أنهكه ما بذله من جهد جهيد.   نقوش هيروغليفية تُزين أحد التماثيل. وحتى نوفى عمل "شمبوليون" حق قدره – إذ غالباً ما صدرت فى حقه أحكام مجحفة وغير منصفة – ينبغى أن نأخذ بعين الاعتبار مستوى معارف علم المصريات، قبل فك رموز الكتابة الهيروغليفية. فماذا كنا نعلم عن مصر قبل عام 1822؟ منذ أن أغلقت المعابد المصرية أبوابها فى القرن الرابع الميلادى اختفى كل من كان له القدرة على قراءة الهيروغليفية لتتحول كل الوثائق المصرية الأصلية إلى علامات صماء. فانحصرت معلوماتنا بالضرورة على ما كتبه المؤلفون الإغريق عن مصر، نذكر منهم "هيرودوت" و"ديودورس الصقلى" و"استرابون" و"بلوطارخوس". ويمكن أن نضيف إلى هذه المصادر بعض ما كتبه آباء الكنيسة، أمثال "أكليمندس السكندرى" و"يوسابيوس القيصرى". ولا ينبغى بالطبع التقليل من أهمية هذه المصادر الكلاسيكية، فمن وسط هذه المؤلفات، يشدنا أحدها بصفة خاصة. ففى زمن أحد البطالمة، وضع كاهن مصرى يدعى "مانتون" تاريخاً لمصر تلبية لطلب الملك الإغريقى. ولو حفظ لنا الدهر هذا السفر كاملاً، لكان جليل الفائدة، نظراً لأن "مانثون" كان مازال يمتلك ناصية الهيروغليفية. وللأسف ضاع هذا المؤلف النفيس ولكنه تواتر إلينا على هيئة شذرات مبعثرة وردت ضمن ما استشهد به بعض الكتاب كالمؤرخ اليهودى "يوسفيوس" و"سكستوس يوليوس" المؤرخ الإغريقى الملقب بالإغريقى والمختصر الذى أعده عنه "يوسابيوس القيصرى". ومع ذلك فكل مانعرفه عن هؤلاء الكتاب الأواخر إنما وصلنا من خلال المصنف الذى صنفه "جورج السنسيلى" George le Syncelle فى النصف الثانى الميلادى. إن مؤلف "مانتون" كما وصلنا ليس سوى ظل لظل، والفائدة الوحيدة التى ندين بها له هو تقسيم تاريخ مصر إلى ثلاثين أسرة. ولا تمثل جميع هذه المصادر مجتمعة سوى أقل القليل، إذ من الصعب أن نستفيد منها. وبالفعل لم يجمع أصحاب هذه المؤلفات ما توصلوا إليه من معلومات، مباشرة وبدون وسيط، بل لم يتعد كاتبوه عن كونه مجموعة من "القيل والقال". ثم جاء اكتشاف "شمبوليون" ليغير من وضع المسألة، إذ اضحت الوثائق المصرية سهلة المنال بعد أن كانت طلاسم وألغاز، وصار فى الإمكان التحقق من صحة المصادر الكلاسيكية واستكمالها. وشرعت مصر القديمة تولد من جديد. وبفضل الأسس التى وضعها "شمبوليون"، أمكن لعلم المصريات أن ينهض، ومازال يواصل نهوضه، بالنظر إلى أنه لم يتم إلى الآن حصر الثروات التى قدمتها لنا مصر القديمة، ولا هو على وشك أن يتم، فمازالت مصر القديمة تدخر لنا اكتشافات، على غرار اكتشاف مقبرة "توت عنخ آمون" واكتشاف دفنات "تانيس" – "صان الحجر" حالياً – فى وقت لاحق. ومن ثم تظل مصر القديمة حاضرة – رغم كل ما يبدو من مظاهر – فنراها تبعث إلى الحياة أمام أعيننا مع كل صدفة تقود إلى اكتشاف جديد. ويتم نشر هذه الاكتشافات تباعاً فى العديد من الدوريات الفرنسية وغير الفرنسية، بلغات عديدة. وبالتدريج يزاح الستار عن حضارة كانت من الناحية العلمية فى طى النسيان قبل قرن ونصف من الزمان، وهو ما لا ينبغى أن يغيب عن بالنا.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق