]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نَـبِـيُّ إبليس !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-04-01 ، الوقت: 17:56:48
  • تقييم المقالة:

النصُّ الأدبيُّ  الذي أثار إعجاباً ، وجدلاً واسعاً ، في المهرجان العربي الثالث للقصة القصيرة جداً ، وترك أصداءً قويةً عند أغلب الحاضرين من الأساتذة ، والنقاد ، والمبدعين ... وكان أغرب نص ، وأجمل ، بشهادة الجميع .

 

 

 

نَبِيُّ إبليس .

 

بقلم : الخضر الورياشي

 

 

 

بسم أبي الشيطان البرئ ...

لا سلامَ عليكم أيها الحاضرون ؛ فلستُ أرى للسلام معنى في هذا الوجود .

وها أنذا أقفُ أمامكم ، بينما أنتم جالسون ، ولستُ أدري لماذا أقفُ أنا وأنتم تجلسون ؟!... ربما لأنني سأقول ، وأنتم ستستمعون ...

ومرة أخرى لستُ أدري لماذا عليَّ أن أقول وعليكم أن تستمعوا ؟!... ربما لأنكم تنتظرون منِّي قولاً سديداً ، أو رأْيـاً جديداً ...

حسناً ، أيها الأطنانُ من الطين ، والأبدان من الحمأ المسنون ...

أنا نـبِـيُّ هذا الزمان !!

أرجوكم لا تنزعجوا ، ولا تنفعلوا ، ولا يسخر بعضُكم مني ، ولا يقُمْ قوْمٌ من أماكنهم ، فيرْجمونني ؛ فقد تعبتُ من حجارتكم ، ومن لعناتكم ، ومن تَعَوُّذاتكم ... حتَّى أبي إبليس تعب منكم ، وتضعضع بفعل انتقامكم ، وهو الآن يرقدُ مريضاً ، وضعيفاً ، في دَركٍ من السعير ...

لقد بعثني إليكم أبي الشيطانُ ، ولم يبعثني اللهُ ، فلستُ نبيّاً من الإنس ، ولكن نبيٌّ من الجنِّ ، وجاءت هذه البعثة بعد أن نظر أبي ورأى أنكم لا تعملون بوصايا أنبياء الله ، ولا تهتدون بوحْيِ السماء .. كما أن الأنبياء الذين سبقوني لم يكن من طبعهم أن يُرْغموا أحداً على الاهتداء والاتباع ، وسبيلهم في الدعوة الحكمة والموعظة الحسنة .. وهذا السبيلُ لا يُحْدِثُ أَثَـرَهُ المرجوَّ في قلوبكم وعقولكم ، لذا فقد فكَّرَ أبي وقدَّرَ ، ودلَّكم على سبيلٍ أيسر ، وأقرب إلى نفوسكم وأهوائكم ، وهو سبيل الشهوات والغيِّ والضلال ، وزَيَّنَهُ في قلوبكم ، وجعلكم تتَّبعونه شبراً بشبْرٍ ، وذراعاً بذراعٍ ، وقدماً بقدمٍ ، حتى صرتم كثيرين ، وصرتم أقوياء ، ومخلصين ، بل واجتهدتم ، وأحدثتم سُنَناً وأموراً لم تخطر على بال أبي نفسه .. إلى درجة أنه كان يتساءل أحياناُ بينه وبين نفسه : أأنتم أبناء عدوِّهِ آدم ، أم أنكم أبناؤه ؟!.. وصارَ يشُكُّ في أُمّـي ، ويرْتابُ أن تكون قد راودت أحدَ أبناء آدم عن نفسه ، في غفلة منه ، فخلطت بين ذريته وبين ذرية آدم ، وأصبح لا يَفْصِلُ بين شهريار وبين شمهروش !!

أتضحكون ؟

حُقَّ لكم أن تضحكوا ، وتتخذوا أبي هُزُؤاً ، فقد أثبتم أن الشاطرَ من يضحك في الأخير ، وها أنتم أَبَنْتُمْ عن (شطارتكم) ، بعد أن تفوقتم على أبي في نوازعكم الشريرة ، وفي خبايا صدوركم الخبيثة ، واقترفتم خطايا كبيرةً ، وأذنبتم ذنوباً كثيرةً ،  وملأتم الدنيا فساداً عظيماً ...

أبي حين حقَدَ على أبيكم آدم ، وأوغرَ صدره بالغيرة والحسد لمْ يكن يريدُ سوى أن يحتفظ بكبريائه ، ويصون كرامته أمام الملائكة ، ويبدو خيراً من آدم ، ويظلَّ مَلَكاً كريماً ... أمَّا أنتم فقد حقدتم على بعضكم بعضٍ ، وسعيْتُمْ بالخديعة ، والغش ، والمكر ، والقسوة ، والظلم ، والجبروت ... وامتلأت صدورُكم بالغلِّ ، والغضب ، والكراهية الشديدة .. واخترعتم فنوناً من القتل ، وأساليب من الهلاك والفناء .. وأجْرَمْتُمْ جرائم اندهشَ لها أبي قليلاً ، وفرحَ بها حيناً من الدَّهْرِ ، ثم ما بَرِحَ أن استفظعها واستبشعها ، وتبرَّأَ منها ، وقال لي وهو يعظني :

ـ يا بُنَيَّ خَفْ على نفسك من هؤلاء ؛ فأنا برئٌ ممَّا يصنعون ؛ فهم يقتلون الميِّتَ ويمشون في جنازته ، ويضربون ويبكون ، ويسبقون ويشتكون ... فاحْذَرْ أن تخالطهم ، وتُشاركهم في الحياة الدنيا ، وأن تقترب من أمورهم ؛ فهم أدرى بأمورهم أحسن مني ومنك .. والحياة الدنيا لم يجعلوها لعباً ولهْواً كما خطَّطْتُ ، بل جعلوها خراباً وجوْراً .. وبلغوا من الفساد وسفْكِ الدماء شأْواً بعيداً لم نبلغه نحن معشر الشياطين ؛ فنحن لا يحدثُ أن نقتل آباءنا أو أبناءنا ، أو نُبيد جماعاتٍ جماعاتٍ منا ، ولكنهم هم يقتلون ويُبيدون .. !!

ونحن لا نُخرِّبُ نفوسنا بأيدينا ، وهم يخربون .. !!

ونحن أخطأنا مرة واحدة ، وأقررنا بخطئنا ، ونَعي مصيرنا تماماً ، أما هم فيخطئون باستمرارٍ ، ولكنهم ينكرون خطاياهم ، ويستعيذون بالله منَّا .. ويستغفرون الله بألسنتهم ويَجْرِمون بأيديهم وأرجلهم ، وينْسوْن أنَّ جوارحَهم سوف تشهدُ عليهم يوم القيامة !!

وهذا هو عزائي الوحيد من ناحيتهم يا ولدي ..

وإِنْ منْ حَمْدٍ أحمده لله تعالى فبسبب أنه سيشهدُ شهودٌ من أنفسهم ، وتظهر براءتي أمام العالمينَ .

أيها الناس : ما لي أراكم ساكتين ، واجمين ؟ .. أم أنكم تفكرون في مكيدةٍ جديدةٍ ، تُخفون بها سيئاتكم ، وتطمسون بها براءة أبي ؟

أرجوكم أيها المتفوقون على أبي ، أصالةً عنه ، ونيابةً عن إخواني من الجن والشياطين ، أعلنُ لكم أنَّ أباكم خيرٌ من أبينا ، وأنَّ نسْلكم أفضلُ من نسلنا ، وأننا رجيمون ، ولكن كونوا أنتم رحماءٌ ..

كما أنني مستعدٌّ أيضاً لأُكفِّرَ عن خطيئة أبي ، وأسجد لكم ، ولكن بشرط أن تعلنوا براءة أبي مما تقترفونه اليوم ، كي لا تتعذب روحُه في الجحيم مرتين ... !!

وهذا هو وحْيُ أبي ، ونُبوَّتي الأخيرة .

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق