]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بيزنطة .. نساء في السلطة

بواسطة: Fathy Aziz  |  بتاريخ: 2014-03-31 ، الوقت: 13:56:56
  • تقييم المقالة:

 

                         بيزنطة : نساء في السلطة

د. فتحي عبد العزيز محمد

 

   

 

 

 

 

 

 

   شهد التاريخ علي مر العصور  قديما وحديثا  صعود نساء إلي سدة الحكم ,  وتمتعن في أحيان كثيرة بالنفوذ والجاه والسطوة , وبلغن من الشهرة حدا كبيرا بما فعلن من أعمال سواء للحصول علي السلطة , أو بما قمن به خلالها بما يحسب لهن أو عليهن . وحديثنا هنا عن بعض أولئك السيدات اللاتي تولين السلطة في الإمبراطورية البيزنطية في الفترة من 527م وحتى عام 1204م , وهو العام الذي تعرضت فيه الإمبراطورية للسقوط   في أيدي اللاتين فيما يعرف بالحملة الصليبية الرابعة . وفي عجالة نعرض لما قالته المصادر والدراسات الحديثة  بشيء  من التحليل لما فعلن وما كن يردن فعله . وهنا لا نتطرق إلي أرض  بكر  , فقد سبق إلي البحث في هذا الأمر شارلز ديل في عمله المكون من جزأين وهو بعنوان Figures Byzantines, وأيضا المؤرخ دونالد نبكول الذي كتب عن " سيدات بيزنطيات " متناولا سيدات أسرة باليولوجس.وأيضا المؤرخة Lynda Garlandالتي قامت بدراسة علمية شيقة عن دور الاباطرات البيزنطيات في تاريخ الإمبراطورية بعنوان أباطرات بيزنطيات صدرت في العام 1999م وكذلك الدراسة الصادرة في العام 2002 للباحثة للباحثة آن ماكلينان "بعنوان الأباطرات الأوائل لبيزنطة  , وعلي الرغم من تلك الدراسات القيمة فلا تزال الحاجة ماسة لمزيد من الدراسة لمزيد من الحقيقة .    " لقد اخترت بتفويض إلهي لأجل أمن ومجد العالم , لقد ألحقت بمشيئة الله بذوي العباءة الإرجوانية  , وباركك الله القدير وتوجك بيديه "     تلك كانت كلمات من بين ما يتم من طقوس احتفالية لزواج إمبراطور من امرأة تنضم بعدها لأصحاب العباءة الإرجوانية  في بيزنطة. وهي تعكس ما تتضمنه أيديولوجية إجراءات التتويج . وبالطبع فإن السلطة تتمثل تلقائيا في شخص الإمبراطور , غير أن بعض النساء تمكن من الفوز بها , والسيطرة علي أمور الإمبراطورية في ظل ظروف معينة . إن معظم من جئن إلي السلطة كن أوصياء علي أبناء صغار , وهو ما يعني فرض حكما انتقاليا حتى يبلغ الصغير السن القانونية وهي عادة السادسة عشر . غير أن غالبية الوصيات كن غير راغبات في ترك السلطة لما لها من بريق ومجد . ففي سبيل البقاء علي العرش قامت الإمبراطورة ايرين بسمل عيني ابنها قنسطنطين السادس  .ولا ريب أن ذلك كان عملا إجراميا اقترفته ايرين للبقاء في الحكم .  أما  الإمبراطورة إيدوكيا , فعلي الرغم من تعدي ابنها ميخائيل للسن القانونية , إلا أنها رغبت في أن تظل في السلطة مشاركة له . بل إننا نري في حالات استثنائية إصرارا من بعض الاباطرات علي تولي السلطة نهائيا دون إعادتها للإمبراطور الصغير , وكانت لديهن الفرصة في اختيار زوج وجعله إمبراطورا.  وسنعرض سريعا للنساء اللاتي بلغن المرتبة الإمبراطورية سواء عن طريق الزواج أو  كونهن وصيات علي العرش .       ثيودورا :    أولي تلك النساء الإمبراطورة  ثيودورا زوجة الإمبراطور جستنيان , قيل في حقها الكثير من جانب المؤرخ بروكوبيوس في كتابه التاريخ السري . حيث ألصق بها العديد من الصفات أقلها أنها امرأة سيئة السمعة وضيعة الأصل . والواقع أنها كانت لاعبة من لاعبات السيرك , من أصل متواضع , أحبها جستنيان وتزوجها رافعا من قدرها بالتالي إلي مرتبة إمبراطورة . ويبدو غريبا علي امرأة عادية مثلها أن تقوم بما قامت به من أعمال ذات شأن في حياة زوجها وحياة الإمبراطورية ذاتها . فقد انهمكت في أمور السياسة باحتراف واقتدار . فشاركت زوجها فيما أصدر من قوانين , وجعلته يهتم بحقوق المرأة . ومنها حق الممثلات واللاعبات في الزواج بأي رجل من أي طبقة اجتماعية كان .  وهو حق لم يكن معترف به من قبل . ويخبرنا بروكوبيوس في كتاب آخر عن دور الإمبراطور وزوجته في مضمار الإحسان  فيذكر اهتمامهما بالأطفال , وكذلك تخصيصهما قصرا منيفا كدير للساقطات التائبات . ويبدو أن التاريخ قد أعطي لثيودورا وأسرتها وجهه , فقد برزت من عائلتها امرأة كان لها شأن في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية   وهي آيلا صوفيا زوجة الإمبراطور جستين .  غير أن أفضل أعمالها كان وقوفها إلي جانب زوجها عندما تأزمت الأوضاع وصار العرش الإمبراطوري في خطر  إبان ما عرف بثورة نيقا عام 532م , حيث شدت من أزر زوجها في مواجهة تلك الثورة . وتبقي عبارتها القوية تفجر في النفس وقت الأزمة إحساس بالشجاعة وقدرة علي الصمود , فعندما رغب جستنيان في الهرب من مواجهة الثائرين ,  قالت له أن كان الهروب يقود إلي النجاة فهو خطأ في هذه الظروف العصيبة .. وبالنسبة لي فان العباءة الإمبراطورية خير الأكفان " I consider that flight, even if it leads to safety, is especially wrong at this juncture. ….. to me that royalty is a good funeral shroud. , وطلبت من القائد المخلص بليزاريوس القضاء علي الثائرين . ويذكر أن بليزاريوس تمكن من إنهاء الأزمة علي خير ما يرام . ولا جدال أن الفرق كبير بين تصرفات هذه المرأة وهي تحت أضواء الملاعب وصخب السكارى , وتصرفاتها   وهي في بريق المجد والأبهة الإمبراطورية .  
آيلا صوفيا
        خلف جستين خاله جستنيان في الحكم في الرابع عشر من نوفمبر العام 565 , وللأسف فإن سمعته وزوجته صوفيا كانت سيئة  , وقد عانيا معا من روايات المؤرخين غير المحببة إليهما وبدت الروايات التاريخية عنهما ظالمة إلي حد ما فيما يتعلق بعهديهما . وبصفة خاصة ما ذكره  المؤرخ حنا من افسوس  الذي ذم الاثنين معا لدورهما في اضطهاد اليعاقبة, وقد ناله من ذلك الاضطهاد نصيب حيث تم سجنه. والمعروف أن صوفيا كانت ابنة أخت ثيودورا , وقد رأي فيها حنا امرأة متسلطة تحب السيطرة وأن زوجها مصاب بالجنون . والواقع أنها كانت تسيطر علي الحكومة الإمبراطورية . وكانت تري أن السلطة الإمبراطورية  من حقها  ولقبت نفسها بلقب آيلا " آيلا صوفيا" وكان لقب آيلا قد منح لأباطرات البيت الثيودوسي وخلفائهن  . والواقع أن صوفيا حققت ما لم تكن تطمح فيه بزواجها من جستين,  ولا شك أن هذا الزواج كان بترتيب من ثيودورا التي أرادت أن تعلي من شأن أسرتها , فقامت بترتيب الأمر مع زوجها جستنيان بتزويج صوفيا ابنة أختها الكبرى كوميتو لجستين  الذي كان مهووسا بأعمال خاله جستنيان ومجد الإمبراطورية إلي حد بعيد. لعبت صوفيا دورا حيويا في اعتلاء جستين العرش الإمبراطوري  , وساعدت في ترتيب الأحداث من وراء الستار . والمعروف أن جستنيان لم يسم خلفا له , غير أن جستين كانت  له المزية علي ابن عمه المنافس الرئيسي له في بؤرة الأحداث . فقد اعتمد  علي دعم السيناتو له في ارتقاء العرش . وتم إقراره سرا  كإمبراطور في القصر من قبل كبير السيناتو , والمناداة به من قبل الجيش وبقيت صوفيا خلال المراسيم الجارية لتنصيبه في الخلفية , ولكن الحضور دعوا باسمها مع جستين فهما نورا العالم . وهنا بدأ دور صوفيا فقد تدخلت في أمور عدة مثل الشأن الاقتصادي والمنازعات الدينية . ونعتمد هنا علي ما ذكره حنا من افسوس , حيث أشار إلي عظيم تأثيرها علي زوجها فيما تعلق بالناحية المالية , والإعفاءات الضريبية , وإسقاط الديون ,  مما أكسبهما محبة كل الطبقات في بداية عهديهما . كما ساندت مثلها في ذلك مثل خالتها تيودورا طائفة اليعاقبة .وكان هدفها وزوجها من ذلك إنهاء القطيعة داخل الكنيسة الأرثوذكسية.    غير أن الأمر المثير للجدل , تمثل في علاقتها بطيبريوس ابن عم زوجها , فكانت علي علاقة معه , ورأت أن من الممكن الزواج به بعد وفاة زوجها الذي اشتد مرضه العقلي,  وسعت إلي أن يكون خليفته وتشاركه العرش غير أن طيبريوس تزوج من إنو . وعلي الرغم من تمتعه بلقب قيصر إلا أنه حرم من أن يدخل بزوجته القصر الإمبراطوري بأمر من صوفيا . وعاشت إنو عيشة مهددة أمام قسم صوفيا "أنا ومهما طال عمري, لن أترك مملكتي , أو تاجي لأخري, ولن تدخل القصر سيدة غيري طيلة حياتي " . غير أن الأمور اختلفت بوفاة زوجها , فقد توج طيبريوس إمبراطورا, ودخلت زوجته القصر في حياة صوفيا وإن ظلت صوفيا في القصر به بلا حول ولا قوة .  الإمبراطورة إيرين (769ـ 802) ولدت ايرين في أثينا وربما كان ذلك فيما بين عامي750 و 755 , وتذكر المصادر أن الإمبراطور قنسطنطين الخامس رغب في زواج ابنه الأكبر ليو الرابع , ولم توضح سبب اختيار ايرين , بيد أنها كانت من أسرة عريقة يحتل أفرادها مناصب رفيعة في الإمبراطورية . وكانت العادة جرت أن يتم عرض للفتيات المرشحات للزواج من الوريث  ليختار أو بالأحرى أمه واحدة منهن . أيا ما كان الأمر , وصلت ايرين إلي القسطنطينية في الأول من نوفمبر عام 769م في حماية العديد من السفن الحربية , وكانت ترتدي ثيابا حريرية رائعة الألوان . واستقبلها سادة المدينة وزوجاتهم . وتم إعلان خطبتها في الثالث من نوفمبر , وتوجت في السابع عشر من ديسمبر , وتلا ذلك حفل زفاف عظيم . وفي الرابع عشر من يناير  771م أنجبت وليدها قنسطنطين وقد سمي علي اسم جده الذي مات بعد ذلك في أغسطس عام 775م , وبذلك ارتقي زوجها ليو الرابع  العرش الإمبراطوري . كان ليو مشربا بتعاليم والده ضد الأيقونيين ( عباد الصور) حيث تعسف في معاملتهم إلي حد القتل , في الوقت الذي كانت ايرين متعاطفة معهم الأمر الذي أدي إلي سوء العلاقة بينهما .      ومن الجدير بالذكر , أن ليو  قام بإعلان ابنه البالغ من العمر خمس سنوات إمبراطورا في عام 776 م وأخذ الأيمان بالولاء له من قادة الجيش في الوقت الذي كان ولاء السيناتو والشعب لقنسطنطين مضمونا لمحبتهم لقنسطنطين الجد ورغبتهم في بقاء السلطة في أسرته .    وربما أتاحت وفاة ليو الرابع  في الثامن من سبتمبر 780الفرصةلإيرين       للاستمرار في سياستها تجاه الأيقونيين  حيث  تولت الحكم بوصفها وصية علي ابنها قنسطنطين البالغ من العمر عشر سنوات , وأيا ما كان دورها في هذا الشأن  إلا أن الشأن العسكري هو الأهم  بالنسبة لإمبراطورية عظيمة القدر مثل الإمبراطورية البيزنطية , والتي كانت تواجه مطامع الأعداء من كل جانب .غير أنها لم تكن قادرة علي إدارة أمر الجيش , وربما كان فشلها في ذلك بسبب تخلصها من كبار قادة الجيش المعروفون بمعاداتهم للصور والأيقونات ( اللا أيقونيون)  مما أدي إلي إضعاف الجيش الإمبراطوري .كما أنها قامت بتعيين قادة من اختيارها في مواقع هامة علي الحدود .وتجدر الإشارة إلي أن علاقتها بفيالق الحدود أو ما عرف بالثيمات ( الثغور) كانت غير مستقرة وخاصة قادة ثغر الأرميناق , فالجند الذين عملوا بإخلاص تحت قيادة الإمبراطور الراحل يرون فيها مجرد أداة للحفاظ علي العرش الإمبراطوري  , إلا أنها لم تكن كذلك في نظرها . ويمكن لنا القول أيا كان دورها في قيادة إمبراطوريتها أن سياستها العسكرية كانت بعيدة تماما عما كان متوقعا , فقد تعرضت لهزائم علي الجبهة الشرقية علي يد هارون الرشيد زمن خلافة والده المهدي . وترتب علي ذلك تعهدها بدفع جزية 70000دينار سنويا ولمدة ثلاثة أعوام . وقد دفعت هزائمها أمام البلغار ابنها إلي القيام بقيادة القوات في المعارك هناك ووقفت الفرق العسكرية مؤيدة له في الوقت الذي ساءت العلاقة بين الابن وأمه . والواقع أن قنسطنطين خاض حروبا فاشلة ضد العرب والبلغار , وهو ما يعني أنه فشل كحاكم منفرد . وهنا عادت ايرين إلي الواجهة حاملة لقب إمبراطور شريك في الخامس عشر من يناير عام 792. وعملت علي الخلاص من ابنها في اقرب فرصة سعيا لمزيد من السلطة .وسارعت بالقبض عليه, وسمل عينيه لتعود من جديد إمبراطورة لبيزنطة . والواقع أن التاريخ البيزنطي حافل بصور مختلفة ألوانها للمرأة البيزنطية الحاكمة عرضنا بعضا منها , وهي صور تبين قدرة عجيبة للمرأة علي تحقيق أغراضها بسبل قد لا تخطر علي بال أحد .                                                        د . فتحي عبد العزيز محمد     
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق