]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

آدم... الجزء الاول

بواسطة: وحي القلم  |  بتاريخ: 2014-03-31 ، الوقت: 07:27:17
  • تقييم المقالة:

     استيقظت علي شاطئ باهت لم أري مثله من قبل حتي في سلسلة الأفلام الي احفظها , كان جسدي شديد الإعياء ولكن عقلي كان أشد إعياء إذ أنني لا أتذكر شيئا مما حدث في الأيام الماضية , بل أني لا أتذكر من أكون أو من أي كوكب أتيت هنا , مرت ساعات حتي استجمعت  بعضا من قوتي و أخذت أتجول في هذا الشاطئ و كأني أستكشف كوكبا جديدا لأري إن كان يصلح لاستضافة البشر , و لكن أشعر كأن الهواء غير الهواء الذي اعتدت عليه , و شاركتني رئتاي الشعور فكانتا تتنفسان بصعوبة كأنهما تسرقان الهواء , ظللت هائما و تطاردني مئات الأفكار الشاذة من  خيالي حتي غابت الشمس و غبت معها في نوم مرهق آملا أن أستيقظ علي نهاية هذا الحلم العجيب .

     جاء اليوم الثاني مخيفا كسابقه , دون تذكر أي شيء يمكن أن يجيب تساؤلاتي أو يرجعني لوطني المجهول , و لكن بعد ساعات وجدت شيئا ربما لم أكن أرغب برؤيته : آثار أقدام طازجة , فرغم بريق الاطمئنان لوجود حياة  أحد غيري إلا أن القلق يجب يحضر و بقوة عندما تري آثارا دون أن تري صاحبها , أخذت أبتعد مسرعا ملاحقا بشعورين : الخوف والفضول , و مع نهاية اليوم انتصر الخوف و نمت بعدها أبعد ما يكون عن فضولي المخيف .

     وصل اليوم الثالث محملا بمزيج من الخوف مع قطرات من القلق في كأس من الوحدة , ولكنها ليست تلك الوحدة التي يشعر بها البعض رغم وجودههم بين الناس , إنها الوحدة بمعناها الحقيقي , إنه  شعور آخر روح تبعث من الأرض إالي حسابها , أكملت سيري في الاتجاه الآخر لتلك الآثار مستمرا في أكل كل ما أجده ينبت علي الأشجار , داعيا الله ألا تكون السموم وصلت لتلك الجزيرة , و حتي الآن لم أجد تفسيرا لوجودي هنا فأنا اخاف البحر والسباحة بدرجة  تكفي لتجنب ركوب سفينة وغرقها قريبا من ذلك المكان , ثم فجأة... سمعت بعض الأصوات الضعيفة , ولكني لم أري لها مصدرا و ظننت أن سرعة الصوت هنا تفوق سرعة الضوء عكس قوانين كوكبي الضائع , هذه المرة انتصر الفضول بقوة وأخذت أتتبع مصدر الصوت حتي وصلت له , مجموعة من الأشخاص ربما من البشر لم يتوصلوا بعد إلي اختراع البنطلونات والقمصان , ظننت نفسي ضيفا علي جزيرة للهنود في الأمريكتين , و استبعد عقلي أفريقيا وقبائلها ربما لكونهم من آكلي لحوم البشر أو لأنهم لم يكونوا سودا بما يكفي .

     سرعان ما تم اكتشافي و ضربي علي رأسي لأعود لنوم عميق هذه المرة دون قلق أو تعب  وعندما استيقظت أحسست أني نمت بضع سنوات , وجدت نفسي محبوسا في سجن بدائي مقيدا بقطعة من القماش , حينها ظننت أني رجعت لأزمنة قديمة تمتاز بالتخلف والبدائية , بالطبع هربت بسهولة ولكن الظلام لم يساعدني في الهروب بعيدا , فأمسكوني للمرة الثانية فصربة الرأس المعتادة فالنوم العميق , استيقظت هذه المرة في الصباح لأجد سجانا ينتظرني , كان أكثر سوادا من الذين رأيتهم و أطول من كل الذين رأيتهم في حياتي , أقنعت عقلي أنه إنسان مثلي لكي أرتاح قليلا إلا أنه كان يتحدث لغة لم أسمع بها من قبل , وبالطبع لم يدرس أيا من اللغات التي أعرف كلماتها , لذلك بعد ساعة تقريبا يأس من محاورتي و أغلق فمه للأبد , ظللت محبوسا لمدة يومين أو ثلاثة في هذا الكابوس , لا أفعل شيئا إلا أكل الأشيءا الغريبة التي يقدمها لي , ولم أحاول الهرب تلك المرة ربما ليأسي أو ربما لظني أني سأستيقظ قريبا .

     بدأت في تذكر كل شيء في حياتي منذ زمن بعيد و لكن ذاكرتي توقفت عند شبابي و عند اسمي , فأنا ما زلت بلا اسم و بلا هوية , تذكرت فرحي و حزني , و اصحابي وأهلي , و نشط ضميري بشدة في هذه الأثناء ليحاسبني علي أشياء فعلتها ربما من عشر سنوات  , و تكاثرت التساؤلات في عقلي حتي رغبت في قتله لأتوقف عن التفكير.

     بدأت أفكر أن الله يعاقبني بسبب إثم عظيم في حياتي , لكن لم أتذكر إثما فعلته يستحق هذا النوع من العقاب , و أحيانا أفكر إني بالفعل أحلم أو في غيبوبة مستمر لسنين طويلة و لكني تركت هذا الظن لأن لا مخرج منه بيدي , في نهاية الأمر اخذت اتناقش مع حارسي حول حياتي و ما تذكرته من ذنوبي وحسناتي , بالطبع لم يفهم ولم ينطق ولكني كنت أستمتع بجهله وعدم وفهمه , بالإضافة إالي تمرين لساني الذي توقف عن العمل لمدة طويلة , و في حوارنا طلبت منه إعطائي اسما ليناديني به , و لكنه رفض لأنني أملك اسما بالفعل , قل له إني أرغب باسم جديد لأبدأ به حياتي الجديدة هنا في الكوكب العجيب , لم يرد علي طلبي إلا بالغضب والملل  من مجالستي كالأطفال , بدأت أقتنع أنني يجب أن أتخلص من حياتي السابقة , و أبدا حياة أخري باسم جديد و وطن جديد , و وجدت اسما يليق بي , اسما يناسب البداية الجديدة , أسميت نفسي (آدم) .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق