]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حسام في السجن

بواسطة: محمود فنون  |  بتاريخ: 2014-03-31 ، الوقت: 07:00:20
  • تقييم المقالة:

حسام في السجن

محمود فنون

29/3/2014

 

كان يغط في نوم عميق ،فهو قد ساعد والده في العمل في الحقل قدر المستطاع حتى شعر بأن عضلات جسده الغض قد بدأت تؤلمه .

عاد مسرعا إلى البيت وانكب على كتبه ودفاتره يقرأ ويكتب ويحضر .. فقد قال المعلم بأنه سيمتحن الصف العاشر في مادة التربية الوطنية يوم الأربعاء ، فانتبه إلى أن موعد الإمتحان غدا .

غط في نومه يحلم بأنه تقدم للإمتحان وأجاب على كل الأسئلة وحمل ورقته بعلامة الإمتياز وذهب راكضا لأمه ليطمئنها.. وبينما هو مقبل عليها يريد معانقتها .. شعر بوخزة من مادة معدنية تنخزه بقوة في خاصرته فاستفاق مذعورا لا يدري أهو لا زال في الحلم الجميل أم أمامه كابوس يخنقه من خاصرته ورقبته وكل شيء فيه ..

فتح عينيه أو يكاد ، وإذا بالبساطير العسكرية من حول فرشته البسيطة ،المفروشة على الأرض بجانب سرير أخته الأكبر في الصف الحادي عشر والتي كانت لا تزال تغط في نومها بعد ليلة ساهرة إستعدادا لإمتحانات الشهرين في مادة العلوم والرياضيات وهي تحبهما بشغف ..

قفز من فرشته  مندفعا باتجاه أمه ، غير أن يدا قوية تلقفته وهصرت يده الغضة ، وجذبته في اتجاه آخر .

- ما اسمك  يا ولد

- حسام

-أنت حسام يوسف سليمان ؟

- نعم ..وأنا في الصف العاشر وعندي في الصباح إمتحان الشهرين في مادة العلوم .

هجمت أمه في محاولة منها لإحتضانه ..هو لم يكمل الخامسة عشر بعد .. فقد أدخلوه الصف الأول في مدرسة خاصة قبل أن يتم السنوات الستة تفاؤلا بذكائه الطفولي كي يكسب سنة من عمره في التحصيل العلمي .

هجمت أمه فاتحة ذراعيها وهي تظن أنها قادرة على ضمّ كل أطفال العالم في حضنها مع حسام الذي يهمّ الجيش بأخذه إلى المجهول .

أيادي ثقيلة تلقفت الأم ودفعتها ورمتها في الجانب الآخر من الغرفة ، وما أن وقعت حتى إقترب منها الجندي موجها سلاحه إلى وجهها مهددا  ومتوعدا إذا تحركت من مكانها . بينما آخر يصوب بندقيته نحو الولد المجزور بأيدي جندي آخر .. وآخرون يعبثون بمحتويات البيت ويكومون كل شيء على كل شيء ..

عاد قائدهم وهو يحمل ورقة كان حسام قد رسم عليها علما يحمله نسر عظيم يستهم بالطيران أو يكاد .. ومكتوب تحتها "فلسطين عربية " وورقة أخرى مرسوم عليها عصفورة تحمل في منقارها طعاما وقد أتت إلى عش على شكل خارطة فلسطين تتكوم فيه عصافير صغيرة تفتح مناقيرها حتى الزاوية القصوى ومكتوب تحتها أمنا الحبيبة.

أقبل القائد على الولد وركله بقدمه عدة ركلات وكأنه يعاقبه على حبه لوطنه ..وأمر بتقييده وإلقائه على أرضية الجيب العسكري .

جلس الجنود من حوله على كراسي السيارة العسكرية وقد وضعوا أقدامهم على ظهره ورأسه بينما كان وجهه باتجاه الأسفل حتى وصلوا به إلى بوابة السجن .

كان يتلقى اللكمات  في بعض الأحيان كما كان يسمع أجهزة الإتصال تعمل باجتهاد ، علّها تزف خبر القبض عليه وخفره .

أنزلوه بعد دخول رتل السيارات العسكرية من باب السجن حيث حضر طبيب بلباس عسكري وسأله بعض الأسئلة وملأ استمارة تتعلق بالحالة الصحية للسجين الجديد . ثم اقتادوه وهو مغمىّ العينين إلى مكان لم يشاهد منه شيئا وبقي ردحا طويلا من الزمن وهو واقف بانتظار اللاشيء.

كان يقف على رجليه الإثنتين ثم يرفع واحدة ويتكيء على الأخرى ثم يعود ويستبدل قدم الإرتكاز وكأنه وجد لنفسه لعبة يتسلى بها كسرا للإنتظار  المجهول .

سمع صوت المؤذن بين موجات الريح المتلاحقة فطمأن نفسه أن هذا آذان الصبح وأنه لا بد قريب من إحدى القرى العربية .

قد يطلقوا سراحي ، وإلاّ لماذا لم يدخلوني إلى السجن ، لقد قال لي جارنا بأنهم بعد استمارة الصحة أدخلوه إلى قسم المعتقلين فورا وبقي ثلاثة أيام قبل أن ينادوه ويأخذوه بالبوسطة إلى قسم التحقيق حيث قضى هناك سبعة عشر يوما وأعادوه إلى السجن حيث أطلق سراحه . لم يسألوه أي سؤال طوال الفترة كما قال !

ولكن إبن جارنا الآخر قال بأنهم نقلوه إلى قسم التحقيق في عسقلان حيث قضى ثمان وخمسون يوما برفقة أحدهم الذي كان يسليه باستمرار ويتحدث له عن كبار القادة ، ثم جلس في أحد الأيام وروى له قصته وسبب إعتقاله وأنه لم ينبس بحرف في التحقيق .. وشيئا فشيئا رد له قصته بروايات عن نضالاته وأنشطته الكفاحية حيث بعد ساعات من تبادل هذه الأحاديث تم استدعاء زميله الذي ذهب بلا رجعة أما هو فقد بقي في الزنازين  أسبوعا آخر حيث استدعي للتحقيق ليجد قصته أمامه وثلاثة من رفاقه الذين باح باسمائهم  مكبلين بالأغلال...

لن أقول شيئا أمام المحقق ولن أقول شيئا أمام أي إنسان فربما كان واحدا منهم من العصافير ..

من العصافير ؟! يتوجب عليّ الإنتباه وعدم البوح بأي أسرار سواء أمام العصافير أم غيرهم .. إن أكثر الأماكن أمنا لسري هو صدري  .. طبعا هو صدري ..

أما ابن عمتي فقال بأنهم أدخلوه إلى قسم المعتقلين في إحدى الغرف .. هناك استقبلوه بحفلة تعارف ثم بعد يومين تقدم منه أحدهم وطلب منه أن يكتب تقريرا عن وضعه في الحركة الوطنية ، كتب كل ما يعرف وزاد على نفسه بروايات و مبالغة ، وفي منتصف الليل استدعوه بينما كان نائما حيث في التحقيق واجهوه بما كتب من أوراق وقصص وروايات ولم يصدقوا دفاعه بأنه كان " يخرط كوسا "

تذكر أيضا أن أحد زملائه في الصف قد قال له عن كتاب اسمه " فلسفة المواجهة وراء القضبان " يعلم القاريء كيف يصمد في التحقيق تحت كل أصناف التعذيب وكل أساليب الخداع .. تنفس الصعداء وشعر أنه يتعملق : سأصمد قال في نفسه : وشعر بأنه أصلب من الفولاذ .. لن يهزمونني ولا بأي من أساليبهم .

- إدخلوه ، صاح أحدهم .اقتاده الجندي وما أن خطا خطوتين حتى سمع نفس السوط يسأله

- ما اسمك ؟ وبعد أن أتم استجوابا روتينيا ، أمر بفك قيوده وإزالة العصابة على العينين ، حيث شاهد نور الصباح .أدخلوه إلى مكان ، فتشوا جسده ، سمع أحدهم يصيح مناديا على العدد حيث بعد إتمام مهمة تعداد المعتقلين أدخلوه إلى غرفة فيها سبعة آخرون ..

استدعاه شاويش القسم بناء على طلب الإدارة بعد الساعة الثامنة ليلا .. أخرجوه من القسم وعصبوا عينية وكبلوه من يديه وقدميه وأمروه بالصمت وأحدثوا بعض الجلبة وبعض الأصوات .. ثم تقدم أحدهم وقال له بصوت خفيض :" يا مسكين أنت صغير وزملاؤك على مقاعد المدرسة وأنت تعاني هنا من الحرمان وأمك تأتي كل يوم على باب السجن وهي تبكي وتسأل عنك ...

استقبله اثنان من الأسرى في الزنزانة ، وبعد أيام حيث لم يقل لهم شيئا ، نقلوه بالبوسطة إلى سجن عسقلان وأدخلوه إلى قسم نظيف ومرتب وغني بالطعام والشراب والسجائر .. وكان قد قرر التوقف عن التدخين نهائيا وإلى الأبد ..وبعد أن فشلت كل محاولاتهم لدفعه للكلام ، جاء أحدهم واتهمه بالعمالة للإحتلال وأبلغه بأن قيادة المعتقل قررت إخضاعه للتحقيق .

تأكد حينها أنه في قسم العصافير وبدون أدنى شكّ

- لا أعرف شيئا قال له ولا يهمني ما تقول . في الليل اقتادته الإدارة إلى قسم التحقيق ليواجهوه مباشرة بما لديهم من معلومات حيث قضى سبعة وعشرون يوما في التحقيق مشبوحا طوال فترة النهار وفي الإستجواب معظم فترة الليل ..

- سنحاكمك باعترافات الغير ، قال له المحقق

سرى في جسده تيار بارد مصحوبا بنشوة تورد لها وجهه وبان عليه الحبور رغما عنه ومع أنه لم ينطق بكلمة واحدة .

- يعني انتهى التحقيق معي وسيلفقون لي ما تيسر لهم من التهم .. ليلفقوا ما شاؤوا أما أنا فلن أقول شيئا ولن أكون سببا في اعتقال أي شخص مهما كان ولن أكشف لهم أية أسرار .

تذكر ما قال له ضابط الأمن الفلسطيني حينما استدعوه وحققوا معه بأسئلة موحية وقد استطاع أن يدرك كنهها رغم حداثة سنه وتجربته .

انت متهم بالتنزيم وإلقاء الحجارة والتعرض للعملاء ..

لم ينتبه حسام لبقية لائحة الإتهام ... هنا هو تفوق على المحقق بصمته وصيانة لسانه أما ما يستطيع المحقق فعله وتلفيقه فليس بيده حيلة .

- ليس كل المعتقلين أبطال  ، قال في نفسه . ثم تسائل : أين سمعت مثل هذا التقييم الغريب . كل الإذاعات والخطباء والمسؤولين يشيدون ببطولات المعتقلين ..هكذا ..ليس على التحديد .. ربما أن جميع المعتقلين يضحون بحريتهم رغما عنهم في السجون ولكن هناك من صمد في التحقيق ويصمد ويتحمل ظروف الإعتقال ويظل ممسكا بوطنيته إلى ما لا نهاية .

ولكن ممن سمعت هذا الكلام.

- وقع هنا . إستعاده صوت المحقق إلى غرفة التحقيق – أنا لا أوقع على شي . قال حسام

- بل ستوقع رغما عنك  . أكد المحقق وكان اثنان أخران قد دخلا الغرفة وهصره أحدهما بجسده الضخم في محاولة لكسر هيبته .أدرك حسام أنه في الإمتحان الأخير وفضل الصمت.

أخرجوه بعد أن كبلوه وعصبوا عينيه حيث نقل إلى سجن عوفر . وهناك وضعوه في القفص ثلاث ساعلت حيث جاء أحدهم واقتاده إلى مكتبه وبعد أسئلة روتينية أدخلوه إلى قسم المعتقلين

منتشيا كان .. بل تملأه النشوة .. صغير الجسم نعم . صغير العمر نعم ..ولكنه عظيم الروح.

تكوم في زاوية على البرش الذي خصصه له الرفاق ..انفلت من عالم السجن وقال لأمه : وعدتك بيني وبين نفسي أن لا أخذل حليبك .. وعدتك أن أجعلك تفخرين بي بدلا من اللطم والحزن والجزع .

أما أنا فقد وفيت وفتحت لك باب عزّة النفس وغفى ليحلق في أحلامه إلى كل الآفاق الجميلة . 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق