]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ماسح الأحذية

بواسطة: أوس اللقيس  |  بتاريخ: 2014-03-30 ، الوقت: 17:27:39
  • تقييم المقالة:
اليوم حجزت مقعداً أمامياً في الفان بعد أن رميت أغراضي على كرسي في المقدمة تلافياً وتحاشياً للجلوس في مقاعد الفان الخلفية لأنها تعج بالهرج والمرج والمعمعات والمعمكات والدربكات والرفس والتعفيس وبكاء الأطفال ورائحة سندويشات الطاووق والبهدلة. ثم جلست على كرسي أدخن سيجارة في ساحة الكولا الدولية لنقل البضائع ورؤوس البشر بين المحافظات بانتظار اكتمال نصاب ركاب فاني. وأنا جالس أتأمل فانات وركاب المناطق المختلفة وأقارن فيما بينهم طبّ علي ماسح أحذية لا يتعدى الثانية عشرة من عمره. فنظر نظرة ثاقبة إلى حذائي الأبيض المتشح بالسواد والطين والغبار والرحلات المقيتة وقال : " دعني يا معلم أنظف حذاءك وأبيّض وجهك بألفي ليرة". وأنا المحاسب المتقاعد وطالب الدراسات العليا في إدارة الأعمال المشارف على عتبات التخرج لم ينطل كلام الفتى المعسول حول نظافة الحذاء،ولم أقبل بدفع الألفين على الفور،بل دخلت معه بمفاوضات حامية الوطيس حول السعر وكيفية الدفع. بعد أخذ ورد وشد وجذب ومد وجزر اتفقنا على أن ادفع 750 ليرة لبنانية فقط لا غير نقداً مقابل أن ينظف الولد فردة واحدة من فردتي حذائي.وبالطبع، اخترت الفردة اليمنى لأنني اسدد فيها كل ما أواجهه من زجاجات عصير فارغة أو أطعمة فاسدة أو أطفال على الرصيف. وهكذا, انهمك الولد بتنظيف الجزء الأيمن من زوج حذائي بنشاط وحيوية حسدته عليهما، وأنا أتأمله لاحظت بأن فردتي حذائه متسختان وبأنهما مرتع للقاذورات والجراثيم بشكل منفّر وبغيض،فقلت له بلهجة المنتصر: -طبيب تداوي الناس وأنت عليل؟ -يا معلم،لا تصدق أبداً أن نظافة الحذاء أمر مهم بالنسبة لي،ولا تصدق الإشاعات التي تدعي أن نظافة حذاء الإنسان تعكس شخصيته. بالتأكيد أنا أخفي هذه الحقائق عن الناس،وأقنع المارة بأن الحذاء الناصع النظافة يجعل طرقات الغد معبدة بالزهور وأنهار الكولا الشهية. الحذاء النظيف لا يقدم ولا يؤخر في حياتي اليومية،لكنه مصدر رزقي. كلما أمطرت السماء وغرقت الطرقات بالوحول أشكر الله وأعرف بأن الموسم قد بدأ،مع انني أكره الشتاء. كل زبون يجلس أمامي مرتفع الرأس مزهو المشاعر وشامخ الأنف،يشعر بأنه ملك متوج على عرش من ذهب أمامي،لكنني أشعره مبدد ومبذر ومفتقد للثقة والتقدير في المجتمع،فينفخ ريشة لكي يعيش لدقيقتين حلمه القديم بأن يكون " شيئاً مهماً". الحذاء حذاء يا معلم،ولو أن الإنسان يمشي على أربعته لتضاعفت ثروتي، لكن الحذاء حذاء، والطرق متسخة للأبد،وهذه الحلول المؤقتة أمقتها كل المقت وأشعر بعبثيتها. بعد أن انتهى الولد من تنظيف الفردة اليمنى ابتسم لي وقال: وهيك يا معلم بكون بيّضتلك نصف وجهك.

www.facebook.com/aousezz

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق