]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مسيرة شاب, في مجتمعٍ ضيّق!

بواسطة: حمد الغيداني  |  بتاريخ: 2014-03-29 ، الوقت: 17:06:32
  • تقييم المقالة:



يرقة لا تشعر بالوجود!

لا أذكر اللحظة الأولى التي أبصرت بها من حولي, لكنهم يحدثوني عنها, بل يحدثوني عن طفولتي برُمتها, يقولون اني كنت صامتاً هادئاً ليّن الجانب, لا يُرى على ثغري إلا ابتسامة الطفل البريء, لكني قد اغضب كثيراً عندما أبتعد عن والدتي مُكرهاً إما للمسجد وإما للأقارب -قسم الرجال-, فعندها تظهر علامات الثورة على وجهي, ويتحوّل ذلك الطفل البري, والملاك الجميل, إلى كابوس ثائر, لا يطيق الناس القُرب منه, او العبث معه, او حتى ملاطفته.

لا أذكر شيء مما يُشاع عنّي, وما زلت حتى الآن لا أؤمن بأنني عشت الطفولة, وكل ما أذكره هيَ تلك اللحظات الجميلة التي كنت أتسكعها في الزقاق مع جمع من الأصدقاء والأحبة, الذين لا أذكر منهم حتى أشكالهم, وإنما جمعتنا دوامة الحياة على غير رغبة منا, أرتدي ثوباً فضفاضاً, عاري القدمين, لا يراني الرائي إلا لاهياً بألعابي أو مستمتعاً بأوقاتي, كان شعري الناعم ينسدل على كتفي, ويتهاوي على عيني, ولم أكن أرفل حينها بأقوال الناس ولا بأفعالهم, وكان شغلي الشاغل, لعبة ألتهي بها, أو صديق أهيم معه على وجهي لا أدري إلى اين السبيل.

كم هي مؤثرة جداً تلك اللحظة التي ساقوني فيها إلى المدرسة, رُغماً عني ولا حول لي ولا قوة, كان في داخلي آهات وزفرات لا حدود لها , إذ كيف أبتعد عن أهلي وعن والدتي وعن مُتعي في الحياة, لكي أذهب إلى ملجأ قد حُشد فيه الكثير من الأطفال البائسين والمرغمين على امرهم, من أجل أن يحشون في عقولهم بعض المسائل والأفكار التي يريدونها, ولا أعرف معناها ولا مغزاها من الحياة .

وكلما حاولت أن ألوذ بالفرار لكي أستمتع بسماء الحرية, تهوي على ظهري عصاً غليظة’ من معلمٍ بغيظ ومُربٍ غير صالح ولا مؤهل لتخريج أجيال ناضجة, فأبكي وتسيل على مقلتي دموعاً كأغادير الأنهار , وما أزال كذلك حتى تجف دموعي ولم أجد من يُزيحها حانياً على ظهري أو رابتاً على كتفي.

ولي الله من تلميذٍ بائس حينها, فلم أكاد أفتح عيني على الدنيا حتى أبصرت الشقاء والألم, فكنت أموت في كل يوم أحيى به وكأني امضي فيه طريق الفناء وما أن ينتهي أعود أدراجي طاوياً كئيباً , لكي امضي ذلك الطريق مرةً أخرى.

وأذكر أول مقالة حبّرتها في حياتي, عندما كنت في المرحلة المتوسطة, وكانت بسبب جبروت عاطفي او بركان من المشاعر الجياشة تجاه معلم مخلص في تعليمه, ومتفاني في آدائه, لا يبتغي في ذلك سِوى وجه الله, كانت لحظة وداعه صعبة جداً, رُغم ان اللُقيا كانت تقتصر على سويعات قليلة اثناء الصباح, ولكن مذاق الوداع مُر على كل حال, حتى لو كان التواصل أصلاً إفتراضي ... فكّرت ملياً ماذا أقدم له لكي أنال من قلبه مكانة عظيمة!؟ لم أكن املك المال لكي أسدي له هدية معنوية يستحقها ويذكرني بها متى ما إحتَضَنَتْ ناظريه, فالوضع المحدود -آنذاك- وقف حائلاً بيني وبين أن أنال هذا الشرف العظيم, فلم يكن من شأني إلا أن أحضرت ورقة وقلم وسكبت فيها دم قلبي, وعصرت فيها اجمل ذكرياتي, لأترجم له مشاعر فتىً يافع لم يبلغ آنذاك الثانية عشر من عمره.

فخرجت تلك المقالة بعبق طفولي, ممتزج مع عاطفة صادقة, لا تعرف طريقاً للكذب فتسلكه, ولا خيلاً للتزوير فتمتطيه, وأذكر شيئاً بسيطاً مما قلته وكتبته: [ إن الطلاب يا استاذي لن يذرفون لك دموع الإشتياق إلا بعد ان يرفرفون لك انامل الوداع, ولن يعرفون قيمتك الباهضة إلا بعد أن يصطدمون بعنفوانية غيرك من الأساتذة, اما أنا .. فلقد ترقبتُ لحظة وداعك هذه منذ أن رأيتك, وها هيَ للأسف تأتي لتقتلني مرتين, الأولى أثناء اللقاء والثانية أثناء الوداع ]. وعندما قرأها استاذي -الذي لا أذكر اسمه- تأرجحت في عينه دمعة رقراقة , ومالبثت كثيراً حتى سقطت تلك الدمعة لتعلن بحبٍ بالغ تقبُّل هديتي إلى الأبد

وتمضي الأيام وذلك الفتى النحيل ذو الجسد الواهن يكبر شيئاً فشيئاً, كنت ألمح تطوّر جسدي من خلال مرآتي, التي لا ألبث برهة إلا وقد تأملت وجهي فيها, فأحزن كلما يمضي بي قطار العمر, وأمنّي نفسي بأحلامٍ ورديّة, لا وجود لها إلا مع ذاتي وبين جنبيّ, وكُلما تقدمت هنيهة من الزمن شعرتُ بمدى تزييف أحلامي, وكأني أمشي في طريق وَعِر, أرى احلامي على قارعة الطريق, وما أن أصل .. تتلاشى لأنها سراب خادع!

كسرت بوابة ( الثانوية ) بعد ان سطع في أفقي نجم الإبداع, سطّرت أجمل ذكرياتي إبّان المتوسطة, وحملت ملء جفوني حكايات وأسرار, لن أفضي بها أبداً للدهر ماحييت, لأني سألقيها في بئري الغويط, وسأسكب عليها ماء الصبر, وأدفنها بتراب الحيطة والحذر.

وتمضي سنيني في الثانوية إلا أقلّها, ومع تخبّط المواقف وإتخاذ القرارات, لم أكن قادراً على أن احمل على عاتقي المُثقل المسؤولية الكامله, عندها إختفى ذلك الفتى الجميل, ذو البشرة البيضاء, الذي لا يراه الرائي إلا فرحاً مغتبطاً بما لديه من مغريات الحياة, وظهر حمد الحقيقي وتغيّرت افكاره وميوله ومعتقداته وجسده, ظهر بغير الوجه الذي اعتاد الناس على رؤيته, وكأن الشمس التي تُنير الناس أسدل الغروب خيوطه عليها, لتظهر ملامح الظلام بصورة بشعة ومخيفة لكل من يراني.

إتخذت قراراً أعتقد أنه شجاع فيما أراه, إنفصلت عن الدراسة -بسبب ظروف نفسية اعتادها جسدي- على ان أكملها بعد إشعار آخر, وكان لزاماً عليّ أن أهيئ لي مكتبة كاملة تحتوي على كُتب عديدة تقطن بين رفاتها, لكي لا يندمل كل ماخزنته في عقلي الباطن, ولكي أستمر في العلم حتى من غير مدرسة.

حرّمت على نفسي كل متع الدنيا ومغرياتها, فلا راحة, ولا نزهة, ولا تطبيل مع الاصدقاء -إلا أن حتّم الوقت عليّ ذلك-, وكل هذا في سبيل أن أعوّض ما مضى من عمري, وليس كثيراً أن أقطن بين رفات الكتب, فالعلم من المهد حتى اللحد.

كنت أخشى كثيراً أن تثأر مني سخافة الواقع, التي جرّعتها الصّاب, وسقيتها الحنظل, بإعتراضاتي, ومناوشاتي, فتسقطني في جحيم الخلق, بين قال فلان عن حمد انه فعل كذا وكذا.. فإجتهدت كل الإجتهاد وحشيت كل كتاب في رأسي, ولم أدع تعليقاً إلا علقته في ذاكرتي, ولا قولاً مؤثوراً إلا حفظته في عقلي, وخرجت لهم بحُلة جديدة لم يعتادوها, فبُهت الذين كفروا والله لا يهدى القوم الظالمين.

ها أنا بعد أن إخترقت ركام الحياة, وصارعت لججها, وتعمقت في اغوارها, قد تخطيت حاجز العشرين عام, وقد شقّق الدهر كفي, فلم اعد أرى تلك اليد الناحلة ذات اللمسة الوديعة, وحسبي أني مازلت في بداية الحياة إلا أن يشاء الله ويختم حياتي في ريعانها.

وهذه حياتي منذ أن كنت يرقة حتى بلغت سن الرُشد, كانت مصداقية منقطعة النظير لقوله تعالى {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون}

لا اعلم ما اذا كنت سأكتب لكم مقالة بمناسبة تخطي حاجز الأربعين سنة ام لا, لكن الى ذلك الحين, أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • انطلق | 2014-04-04
    رائع استاذ حمد 

    لديك طاقة قوية واتمنى ان اراك منطلق خلال الاشهر القادمة 

    مجالات شخصيتك واسعة ، ولديك مواهب غزيرة 

    انطلق .. حتما ستنطلق 


  • أم لمى | 2014-03-31
    سلمت يمينك ..
    كلام جميل ويلامس القلوب ..
    منذ ان كنت صغيراً .. كنت ألمس فيك هدوء الطباع .. والسمت والوقار ..
    واصل كتاباتك .. وانا من اشد المعجبين بك ..

    اتمنى لك التوفيق من رب العالمين ..

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق