]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

[ خطابات التفكيك: تغييب الهوية اليمنية ]

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2014-03-26 ، الوقت: 20:58:23
  • تقييم المقالة:

فكري آل هير 

تقترب معظم الاستدلالات المستمدة من قراءة المشهد اليمني الراهن، من منطقة تأكيد وجود (أزمة حقيقية في الهوية اليمنية)، أزمة لا يمكن اعتبارها طارئة أو ناتجة عن تداعيات الأحداث التي شهدتها اليمن خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، بقدر ما يمكن الجزم بأنها أزمة كامنة ولها جذورها الممتدة في صلب الثقافة الاجتماعية السائدة.

لا أظن أحداً قد ينكر بأن معظم المواقف والاتجاهات المؤثرة على مسار الوقائع والأحداث الراهنة، باتت تكشف اليوم عن هذه الأزمة بوضوح، من خلال الولاءات والانتماءات الضيقة التي تتبناها وتنتجها خطابات معظم القوى والمكونات السياسية والفكرية الفاعلة على غرار: الشخصانية، القبلية، المناطقية، المذهبية والطائفية، فجميع هذه النزعات يتم استحضارها وتكريسها في اتجاهات مضادة للشعور بالانتماء للوطن (اليمن) والولاء له، أي أنها نماذج تعمل على حساب هوية يمنية للأرض والانسان.

في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تقوم ثورة التغيير السلمية فيه بإعادة صياغة أبجديات الحضور والفعالية الوطنية السياسية والاجتماعية، من خلال التأكيد على الثوابت القيمية والوطنية في الأوساط الشعبية من خلال الخطابات والممارسات الثورية، ومن ثم بناء أحزاب سياسية جديدة تتلاءم مع متطلبات التحول الى المجتمع والدولة المدنيين، على أسس وطنية خالصة وقادرة على استعادة (جوهر الشخصية اليمنية) من خلال بعث الشعور بالانتماء الوطني واحيائه، حصل أن الكتل الجماهيرية والشعبية هي التي سقطت في أحضان القوى القبلية والدينية التقليدية، بل وأمدتها بكل ما يلزم لتحقق نموها المتعاظم حاملة معها كل النزعات الضيقة تلك.

القضية الجنوبية، اصبحت المحور الرئيس للحديث عن (هوية جنوبية) تنفصل تماماً عن أي مدلول يشير من قريب أو بعيد الى كونها يمنية، سواء من الناحية الجغرافية أو التاريخية.. فضلاً عن المدلولات الاجتماعية التي تؤكد على خصوصية واستقلالية الشعب الجنوبي بناءً على (الهوية الجنوبية) ومثل هذا الطرح سائد ومتنامي في كل الخطابات التي تدعي أنها تعبر عن قوى (الحراك الجنوبي) أو بأنها تمثل أبناء الجنوب.

والقاعدة أيضاً تتبنى رؤية مغايرة تماماً تستحضر مفهوم (دولة الاسلام) وهو مفهوم سياسي في ظاهره، لكنه ديني في جوهره، وطبعاً فالدين يعتبر قائماً مقام الوطن بل والانسان أيضاً.. في حين تطرح (الحوثية) التي اصبحت عنصر انتماء تجاوز الحدود الفكرية والسياسية، الى الحد الذي اصبحت فيه (الهوية الهاشمية) - وهي هوية لصيقة بالإطار الديني للإسلام ولكن من وجهة النظر الطائفية التي يسيطر عليها (الفكر الشيعي)- تحشد ابنائها وعائلاتها وكل من يريد الانتماء اليها عرقياً أو عقدياً في كل قرية وناحية ومدينة ومحافظة في اليمن، وفي المقابل تستحضر الأحزاب والجماعات الدينية الأخرى المعادلات الموضوعية للفكر الحوثي/ الشيعي، على أسس (سنية: سلفية واخوانية)، تتماهى فيها هوية الجماعة أو الحزب مع الهوية اليمنية الى الحد الذي تتلاشى وتندثر عنده الأخيرة، عندما ينتهي الأمر بالولاء والانتماء الى شخصيات دينية – ان صحت التسمية – تلعب أدواراً مؤثرة على المحك السياسي، فضلاً عن الولاءات الشخصانية الأخرى ذات التمثيل القبلي والعسكري والسياسي.

المؤثرات الاقليمية والدولية حاضرة بقوة في ملعب الأحداث الراهنة في اليمن، من حيث تأتي جميع المشروعات السياسية التي تطرح من الداخل.. وفق املاءات خارجية تحمل نفس المعطيات المذهبية والطائفية، والتي تتطور فيها ومعها الأنانيات الفردية والعصبيات القبلية الى خطابات وممارسات للتطرف والإقصاء والالغاء المادي والمعنوي، لينتهي الأمر كما هو الواقع دوماً بصراعات ومواجهات مسلحة ومدمرة بين تلك القوى، وطبعاً كل هذا يتم في الاتجاه الذي تُطرح فيه كل المشروعات السياسية على أنها (وطنية) ولو بالشكل، ولكنها في حقيقتها على العكس من ذلك تماماً.. لا تمت بأي صلة للشعور الوطني.

 

كل هذه النماذج الفئوية المتطرفة وجدت في المناخ الاجتماعي والسياسي الراهن بيئة مناسبة للقضاء على ما تبقى من الشعور الوطني والهوية اليمنية، التي كانت تتئاكل طوال الفترة التي حكم فيها صالح اليمن، بفعل الفساد القيمي والأخلاقي الذي نما وترعرع في عهده، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي أفقدت الناس حبها للوطن وجعلتها تُسقط كل الاعتبارات الوطنية من دائرة الحسبان، لتسود القيم المكافللية والبراغماتية الوصولية والانتهازية والنزعات الأنانية والفردانية، وتصبح مع الزمن قواعد كل السلوكيات والممارسات الفردية والجمعية.. ومحتوى الثقافة الاجتماعية السائدة.

 

هذا الخطاب التفكيكي الذي يصب معظمه في اتجاه جر هذه النزعات الضيقة.. الى مستوى القضاء على الهوية اليمنية تماماً، وما يبدو اليوم طرحاً يقع على تماس خطير مع الوحدة الوطنية.. التي لم تعد إلا وحدة قائمة على محيط السيطرة الجغرافية المحكوم بأبعاده السياسية والعسكرية.. في حين أن أي وحدة اجتماعية وشعبية تكاد تكون مجرد افتراض أكثر منها حقيقة وواقع، بحيث بات الميل نحو التجزئة والانقسام ولو وراء مفاهيم ومصطلحات مواربة ومطاطة أمراً مقبولاً أو معداً ليكون كذلك في أي وقت.. بدليل أنها استوقدت اطروحات لم تتوقف عند أي حدود تستبقي قيم الوحدة اليمنية أو تعمل تحت سقفها، بقدر ما تجاوزت هذا السقف نفسه وطالبت بـ (الانفصال/ فك الارتباط) وهو مفهوم معلوم عنه أنه يصف العلاقة بين الشمال والجنوب على أنها (علاقة احتلال) وليست علاقة (وحدة/ اتحاد)، ونظراً لصعوبة تقبل مثل هذا الطرح حتى الآن، فقد تم استحضار المشروعات البديلة وعلى رأسها (الفيدرالية) التي تُطرح اليوم بناءً على غواية الاستقلال واغراءات الانفراد بالحكم الراغبة في تجزئة اليمن واقامة هويات جزئية تُصارع الآن من اجل نيل الاعتراف بها كخطوة أولى تمهد لخلق نماذجها واستحقاق مطالبها.. وهذا ما يتناقض تماماً مع الدواعي والأسس النظرية والعملية لفكرة (الدولة الاتحادية)، ففي الوقت الذي بات فيه الخيار الفيدرالي مشروعاً حتمياً، بات (الحوثيين) يحظون بكامل الاستقلالية في سيطرتهم وحكمهم لمناطق شمال الشمال.. فضلاً عن توسعاتهم المستمرة، فهم حتى وان ادعوا أنهم يعملون في اطار حكومة صنعاء.. فالجميع يعلم يقيناً بأن الحكومة لم تعد تحكم تلك المناطق الا بقدر ما يريده الحوثيون، الذين ضبطوا اليوم علاقاتهم مع الحراكيين وبعض اليساريين واصبحوا راضين تماماً بفكرة الفيدرالية التي لم ولن يستوعبوها ابداً، وإذن.. في هذا الوضع البالغ درجة عالية من التشابك والتعقيد.. أين يمكن لنا أن نتلمس ما يدل على وجود (شعور وهوية يمنية) سواء كخطاب أو ممارسة؟!!

اعتقد ان التهاون تجاه هذه القضية أو الاستخفاف بها.. هو أكبر خطأ يمكن اقترافه في العصر الراهن، وأن الوقت قد حان بل ولعله قد تأخر على كل المواعيد التي كان يفترض في أي منها أن يبدأ كل شيء من النقطة التي يتم فيها احياء وبعث (الهوية اليمنية) وترسيخها في عمق وتفاصيل (الشخصية اليمنية) للفرد والمجتمع والثقافة باعتبارها قيمة عليا .. وهنا أتساءل: هل لازال هذا ممكناً؟! أم أن الوقت قد فات وما علينا الا ان نستعد للقبول بأي صورة مشوهة وممزقة لما كنا نسميه من قبل بـ (اليمن)؟! ويا ترى أي اجوبة ننتظرها لهكذا تساؤلات؟!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق