]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

اليمن والعقدة اليزنية: قراءة سياسية للتاريخ

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2014-03-24 ، الوقت: 15:08:50
  • تقييم المقالة:

الى روح الحسن بن أحمد الهمداني لسان اليمن.. وكاتب تاريخ الحقيقة التي اختطفتها أيادي الكهنوت. 

 

عندما نقرأ في السيرة الكبرى أو أي من كتب التاريخ، قصة سيف بن ذي يزن، وثورته ضد الأحباش وحروبه التي خاضها في سبيل طردهم من اليمن واستعادة عرش أجداده تبابعة حمير العظام... سوف يجرفك الشعور بالفخر والحماسة بما قام به هذا الملك الثائر، ويُلهيك – مثل ابليس – عن قراءة ما وراء السطور واكتشاف الجزء الخفي من تلك القصة..

 

دعنا أولاً نطرح تساؤلات من هذا النوع:

ما الذي دفع سيف بن ذي يزن الى الاستعانة بقوى الخارج: الروم أو الفرس؟ وهل يعقل أن كل ما كان يحتاجه سيف لتنتصر ثورته ويستعيد عرشه لا يعدو أكثر من بضع مئات من المجرمين الفرس الذين اطلقوا من سجونهم لهذا الغرض؟ وفي النهاية هل انتصرت ثورة سيف وحققت أهدافها بتحرير اليمن واستعادة العرش الحميري؟

سوف تدرك الفرق في مغزى هذه التساؤلات، بمجرد أن تثبت لك حقيقة أن القصة التي ترد في كتب التاريخ ليست الا قصة سيف وحده، وأن الأمر في كل ما اعتبر ثورة وبطولة لم يكن يتجاوز حدود الصراع الشخصي على السلطة وفي سبيلها.. فالبحث عن المسكوت عنه داخل القصة سوف يقودك الى اجابات لاذعة وحقيقية – أو منطقية في أسوأ تقدير – للتساؤلات السابقة..

 

لقد استعان سيف بالفرس لأنه لا أحد من اليمنيين (شعبه) كان يقف معه ويناصره.. أو لأنه لم يتمكن من اقناع أحد بذلك.. فهل يعقل هذا؟!! ونحن نعلم أن ألف أو الفين شخص من شعب بأكمله يعد عدداً صغيراً جداً، يسهل على قاطع طريق أن يؤلبهم حوله.. فكيف لم يكن هذا بوسع سليل الملوك الذي كان له في سابق العهد دولة وشعب وجيش وأتباع وقبيلة؟!!

ومن ثم سيكون من السخافة أن نصدق بأن كل ما كان يحتاجه سيف في ثورته لا يعدو أكثر من (700 – 800) شخص جلبوا معه من سجون فارس، وحتى لو كانوا من خلاصة الجيش الفارسي المدرب والمجهز وهم بهذا العدد الذي تؤكده معظم الروايات التاريخية، فهل يعقل أنهم من دحروا الأحباش أولي القوة والبأس الشديد؟!! علماً بأن الأحباش هم بنو عمومتنا نحن اليمنيين ومن نفس أرومتنا.. ويمكن ألا نسمي حكمهم لليمن احتلالاً أبداً.

طبعاً، ما حصل بعد جلاء حكم الأحباش عن اليمن، هو جلوس سيف على العرش ولكن تحت الوصاية الفارسية: (عرش ملك الملوك تحت الوصاية)!!!!.. وبعد مقتل سيف أصبحت اليمن تحت حكم الفرس أنفسهم، وبدلاً من أن تقوم دولة التبابعة مجدداً قامت دولة الأبناء.. وعليك أن تلتفت بعناية الى حجم المفارقة بين لقب التبابعة المهيب ولقب (الأبناء) المعيب.. وعليك بعد هذا كله ان تتساءل عن شعب يمني كامل.. اين كان من هذا كله؟ وما هو نصيبه من كومة البطولات التي تضج بها تلك القصة؟!!

 

قصة سيف هذه لا تقدم لنا الثورة والبطولة، بل تقدم لنا نموذج الاستخفاف والسخرية بعقولنا نحن اليمنيين، وهو المذهب السائد في معظم الكتابات التاريخية، خاصة اذا ما فهمنا المعاني السابقة، والتي تستدعي أن نربط بعرى وثيقة بين كون "سيف" قد قضى على آخر فرصة لاستعادة حكم حمير لليمن من جهة، وكونه في ذات الوقت قد فتح الباب على مصراعيه لتصبح اليمن نهباً لقوى الخارج ورهنا لمشيئتها وحكم وصايتها، جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن وحتى يومنا الحالي من جهة أخرى، وهذا بالضبط ما أقصده هنا وأسميه بـ "العُقدة اليزنية": عقدة الاستقواء بالخارج، التي لم نتخلص منها حتى اليوم..

 

تخبرنا كتب التاريخ، أن وفود القبائل العربية سارت جميعها الى الحيرة لتهنئة النعمان بن المنذر على انتصاره العظيم على ملك الغساسنة – ملك عربي أخر – خالعة عليه لقب "ملك العرب"، حينها كانت اليمن تحت حكم الأحباش، ولكنها نفس الكتب التي حرصت على أن تصور لنا المشهد نفسه بعد انتصار سيف بن ذي يزن، اذ جاءته وفود العرب قاطبة لتهنئته ومناداته بـ "ملك ملوك العرب" وهو الحد الأدنى من المعنى الحرفي للقب "تُبَّعْ"، ولكنها هذه المرة تختزل الأمر برمته، بلقاء هام وخطير حدث بين الملك سيف و"ابن اختنا" – نحن اليمنيون- "عبدالمطلب راعي الإبل في مكة وجد النبي محمد (ص)، وهو اللقاء الذي أقر فيه سيف – انظر للسخرية – بالسر الذي لن تقوم من بعده لحمير دولة أبداً!!! هكذا يراد منا أن نفهم التاريخ: خطة إلهية مسبقة، أكبر من قدرة اليمنيين على رفضها أو افشالها.. بل وانصياعهم لها سيكون هو سر ايمانهم القوي وعلامة الحكمة الأكيدة.. وهكذا وبمجرد أن تقلب عدة صفحات من كتاب التاريخ، ستجد أن اليمن كلها قد دخلت في عباية الدولة الاسلامية، وستجد أن "النزعة التحررية والثورية" الغالبة على أهل اليمن ستحظى بتوصيفات مغايرة تماماً لما كان عليه الأمر بالنسبة لثورة سيف بن ذي يزن؟!

ثورة الأسود العنسي وصفت بأنها ردة عن الاسلام، وثورة محمد بن الأشعث وصفت بأنها خروج على دولة الخلافة، وثورة "علي بن الفضل" وصفت بأنها تروج لضلالات القرامطة وكفرهم، فقط لأنها ثورات يمنية تحررية، ولأنها كذلك بالفعل لم يتوانى خلفاء دولة اسلام قريش عن قمعها واخمادها بأعنف الطرق وأكثرها دموية، ففي كل مرة انتهى الأمر بإبادة عرقية ومجازر جماعية عوقب فيها الشعب اليمني كله بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال، وكأنه لا اسلام هناك ولا هم يحزنون!!!

 

هل نجد في التاريخ أبلغ مما قاله – ابن أختنا الحميرية الخيزران - هارون الرشيد لقائده "حماد البربري": اسمعوني أصوات اهل اليمن، وهل نجد أبلغ مما قام به "طغتكين" والي "صلاح الدين الأيوبي" على اليمن في حق أهل زبيد وغيرها من حواضر اليمن وبواديها.. واذا ما أخذنا الأمر من زاوية السياسة، ونأينا بالدين/ الاسلام بعيداً في هذا الشأن، فهل سنجد فرقاً بين هارون وقيصر أو بين كسرى وصلاح الدين..؟!

وعندما تحدثنا كتب التاريخ عن استقلال اليمن عن دولة الخلافة العباسية، ألا يحق لنا ان نتساءل: أي استقلال هذا؟! الذي خرجت فيه اليمن من جلباب الخليفة العباسي الى جلباب "الإمام العلوي".. وما عساه الفرق بينهما؟! كلاهما هاشمي قرشي، اللاحق منهما كان أخس وألعن من السابق، فما عانته اليمن تحت حكم الأئمة أشد وأنكى!!

 

هذا هو التاريخ الذي كتب في دواوين الخلفاء والأئمة والسلاطين وكلهم لم يكونوا يمنيين، التاريخ نفسه الذي يظهر لنا مدى ما بلغته سخريتهم منا واستخفافهم بنا نحن أبناء اليمن، وهم ينظرون الى ما كنا عليه قبل سيف وما صرنا اليه من بعده، وسواء أسلمنا أو لم نسلم فالإسلام أو أي دين أخر لم يكن ليلغي شيء اسمه الوطن أو الوطنية، والاسلام لم يكن سبباً وجيهاً، بقدر ما استخدم كذريعة لتبرير أسوأ أنواع الإذلال والامتهان التي مورست ضد اليمنيين، تحت لواء "لا اله الا الله.. الله اكبر"!!.

اكثر من (1500) سنة مضت، لم يكن فيها لليمن تاريخ يذكر، الا تاريخ التابع في ذيل المتبوع، فما جنيناه نحن اليمنيون من اسلامنا طوعاً، لا يعدو أكثر من مجرد اشادة قالها فينا النبي (ص) بنوع من الدعاية السياسية، في حين اعتبرناها نحن وحياً الهياً ونصاً مقدساً: الايمان يمان والحكمة يمانية.. "الاذعان يمان والتبعية يمانية"، ليس تكذيباً لما قاله الرسول (ص)، بل تصديقاً لما اثبتته وقائع التاريخ وتؤكده وقائع اليوم!!

 

لنقرأ التاريخ لمرة واحدة قراءة سياسية ولننظر اذا ما كنا سنفخر بأبي بكر وعلي بن ابي طالب ومعاوية وهارون وصلاح الدين وغيرهم، بعد ان يتضح لنا ما قدمه كل واحد منهم لليمن؟!

لقد كان عقال بعير سبباً كافياً ليأمر أبو بكر وهو الرقيق الطيب بقتال أهل اليمن وقتلهم، ومشايعة أهل اليمن المطلقة لـ علي بن ابي طالب، لم تكن لتوجهه المسلك الصحيح بنقل عاصمته الى صنعاء، بل اقنعه خوفه القرشي المتوارث من عودة ملك العرب الى اليمن، بنقل عاصمته الى الكوفة وهو يعلم يقيناً بأن ما سيلقاه من اهلها ليس الا الخيانة، ولئن اليمنيين شيعة علي الظاهرة فقد حق لمعاوية وكل خلفاء بني أمية بأن يجيزوا قتل اليمنيين اينما وجدوا، فما حدث لليمنيين من الانصار في موقعة الحرة من حصار وقتل وسبي واجلاء، لم يكن شيئاً مهماً يستحق أن يذكر في كتب التاريخ، لكن قتل بضعة اشخاص من قريش في كربلاء، يستحق أن نبكيه حتى اليوم، أما حجات الرشيد وغزواته السنوية وركعاته المائة في كل ليلة لله، فلم تثنه عن منع ما فعله جيش حماد البربري في اليمن، وجهاد صلاح الدين وورعه وعبقريته التي قضت بأن يسجل للتاريخ أروع صفحات العفو والتسامح مع أعدائه الصليبيين، هي نفسها التي قضت بأن يفعل "طغتكين" بأمره ما فعل بأهل اليمن.. من حيث لم يكن للرجل دين أو أخلاق تردعه!! نعم، انها السياسة وحسب، ولا داعي لإقحام الاسلام فيما حدث وما يحدث..

وإذن، آما آن لنا أن نعود الى موقعنا الصحيح: تبابعة لا أتباع، أسياد لا أشياع، ملوك لا أنصار؟ أم أن عقدة سيف بن ذي يزن ستظل تحكمنا؟ وأمام هذا الكم الأسود مما حفظه لنا التاريخ يمكن أن ننظر الى تجربة الرئيس الراحل "ابراهيم الحمدي" بمثابة ومضة أمل بأنه بمقدورنا اذا شئنا أن نستعيد جذورنا ومكاننا الذي كنا فيه ملوك الدنيا.. وتعود اليمن كما كانت الأصل والمهد والمنبع.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق