]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سعد شاكر وازمة الفن المعاصر

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2014-03-24 ، الوقت: 12:47:29
  • تقييم المقالة:

 إن أزمة الفن المعاصر ليست هي التحرر من التأريخ، إنما هي أزمة (الحالة) التي يجب أن يتعامل بها (الفن) مع التأريخ. فنحن نؤمن بأن كل من البيئة والعصر يساهمان بدور أساسي في (توليد) الأعمال الفنية، لكنهما لا يدخلان ضمن عناصر هذه المحصلة. فكل عصر، يطرح قضاياه على الإنسان، وبوسعهِ أن يقدم إجاباتهِ عليها إذا كان خلاقاً. ومع أن (جواد سليم) قال: "إن نوعية (المُبدع) تتوقف على كمية الماضي التي يحملها في جنباتهِ". فأنه كان يرى (الإبداع) بمثابة الهروب من التأريخ ومن وطأة الزمن. مع الإيمان في الوقت ذاتهِ، بصدق تلك الأشكال في التعبير عن زمانها. مما جعله يتأمل التأريخ كسلسلة من التطور، أنه نهاية عالم جديد وبدايتهِ في نفس الآن.
واعتقد إن (سعد شاكر) مثل (جواد سليم) عرفَ كيف يقرأ قانون عصرنا (المُتشظّي) بلغتهِ الخاصة. فكل عمل من إبداعاتهِ الخالدة، لا تعد نقطة وصول. إذ يُولد شيء جديد مع كل من مُبدعاتهِ، وتتزايد قدراتهِ على التجديد، حتى أن أعمالهِ الأخيرة (قبيل وفاتهِ) تعد في أغلب الأحوال أكثر الأشكال حداثة وأشدها خروجاً عن المألوف في متحفهِ الضخم.
فقد قَسَّم (سعد شاكر) تأريخ الخزف المعاصر في العراق، إلى قسمين هما فترة قبل سعد شاكر وأخرى بعده. وتلك هي (خاصية) المبدعين الكبار في عالم الفن والعملية الفنية. فقد حَطَّم (فناننا الكبير) الأوضاع الرتيبة والاصطلاحات التقليدية، ليُخرج فن الخزف العراقي من الطريق المسدود، الذي تردّى فيهِ، وليؤسس طريقاً جديداً، إنه الاقتحام أو النفور الذي يزيح وإلى الأبد كل ما هو تقليدي ومتواصل. وذلك هو الفن (العظيم) الذي يصنع الحياة، والبناء الذي يتجاوز الزمن والتأريخ والواقع الملموس. 
(فسعد شاكر) واحدٌ من أهم رجال الاختراق الحديث، في الفن المعاصر في العراق، فقد تجاوز ما هو آني كي يصل إلى مملكة النور. وأدرك أن القيم الأخلاقية للفن، لا تتمثل في إسداء النصائح أو توجيه المواعظ، بل في إيقاظ وعينا. فوعيهِ الجمالي يقع في مستوى قدراتهِ الخلاّقة، وهذا التوازن نادر بين كبار الفنانين. ذلك أن متحفه ملئ بمثل هذه الابتكارات الأسلوبية. فقد كان بحثهُ عن خطوط القوة والبناء وسيلتهُ في تشييد أشكالهِ، فتقف متماسكة، كما لو كانت تخضع لقانون جاذبية خاص بها. إنه يخلق جواً من الموسيقى، التي تختفي فيها الدلالة وراء الإيقاع، وهكذا استهلك اللون بكميات هائلة، وبقوة لهيب الشبكية، حيث نرى البحر بالأحمر والرمل بالبنفسجي. وهذا الهدير الداخلي في أنسجة تكويناتهِ، هو الذي جعلها روائع خزفية خالدة.
والثورة الجمالية عند (سعد شاكر) بمثابة تأكيد لأولوية الإرادة والخبرة المتأتية من التجريب. تلك الإرادة التي يواجه بها ضياع الحقيقة وانتفاء الوجود الإنساني. فقد كان يعتقد بالعمل الجاد والرؤية الواضحة والشجاعة والأهداف المحددة، هي مفاتيح المستقبل. لاقتحام ما هو قديم بغية الوصول إلى كل ما هو حديث. إنه مركب تأريخي غريب من المستقبلية والعدمية، ومن روح المحافظة والثورية، ومن الطبيعية والرمزية، ومن الرومانسية والكلاسيكية.
وإن الاستقراء الأدبي لروائع (سعد شاكر) الخزفية، هو آخر ما يمكن أن يَمسّ قيمتها الحقيقية. فهو يلجأ إلى (تصمّيت) التجربة الحسية من خلال قوانين التناوب والهارموني المساحي واللوني. من دون بروز أي تعارض بين خاصيتي التجريد والتمثيل في أجسامهِ الخزفية، فالفن لديهِ تجريدٌ بصفتهِ جداراً، وتمثيلاٌ بعدهِ فراغاً. وبالتالي فأنه لم يَعمد إلى (تعليب) إبداعاتهِ، فالتغير والتحول والتوالد، والقفز بحرية الطائر بين التجريد والتمثيل هو خلاصتهِ الأسلوبية. إنه البحث عن الوحدة وعن التردد في أعمق مناطق الإبداع، بمعنى (المراوحة) بين اليقين والقلق المعرفي.
أما الصمت، فهو المفهوم الأعقد الموازي للموت، وهو الحالة الموسيقية السالبة والمستحيلة الاستنطاق، والتي تُشكل سمة أعماله الأخيرة (غير المكتملة). وذلك أشبه بالبحث عن الحقيقة الهاربة في الشمس، وطيفاً مسافراً دوماً باتجاه الشمس كالفراشة. والزمن هنا نسبي حسب مفهوم (برجسون). ذلك أن التجربة هنا ممتدة في الإحساس باتجاه أنماط من الديمومة. وهو (الحلم) الذي يشغله (سعد شاكر) في أعماقنا، فكراً ومنهجاً وإبداعاً وإنساناً عظيماً.
 


1 د. زهير صاحب , سعد شاكر وازمة الفن المعاصر 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق