]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نظرةُ حنينٍ إلى كرسي فارغ

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-03-23 ، الوقت: 21:37:35
  • تقييم المقالة:

نظرةُ حنينٍ إلى كرسيٍّ فارغ !

 

محمد الحداد

ثمة ماضٍ يمرُّ مرَّ السَحاب دون أنْ يُشعرَ بثقلِ خطواتهِ أحد..وثمة ماضٍ يظلُّ مُقيماً بيننا بسطوةِ ما سيتناسلُ منهُ من جديدٍ ويتكرر..ماضٍ يضلُّ يفرضُ حضورهُ القسري حتى على غدٍ قادم .. يمكث فيهِ حدَّ أنْ ينتحلهُ عنوةً مثلَ ضيفٍ ثقيل أدخلتهُ بيتكَ بالأمسِ فاغتصبهُ رغماً عنكَ وعقدَ العزمَ ألا يبرحهُ أبداً....

ورغم أنَّ التاريخَ لم يبخل علينا يوماً بالكثيرِ من نفائسِ كنوزهِ مما تراكمَ من متوالياتهِ الثابتة التي لا تفتأ تُمطرنا عِظة وحكمة لكنَّ المؤسفَ أننا تعودنا دائماً أنْ نقتصرَ على توارثها فحسب..ومثل عاقٍّ بليدٍ نولّي ظهورنا للكثيرِ مما يجودُ بهِ علينا من فائضِ دروسهِ التي يبدو أننا لن نستوعبها أبداً..

في مشهدنا المُضحك المبكي ثمة مَنْ لازالَ يستجدي الحياة من قاتلهِ والعدلَ من ظالمهِ والحرية من سَجّانه..هو بريقٌ قديمٌ يبدو أنَّ منَ الصَعبِ أنْ تخفتَ أنوارهُ عندنا أبداً..لا يغيبُ إلّا ليبزغَ ثانية..ولا يموتُ إلّا ليولدَ من جديد..ويكادُ تأثير سطوته المُسكِرة هذهِ تتبدى لنا مرةً بعد مرةٍ كلما اقتضتْ حكمة الأقدارِ أنْ تفاجئنا بها..

أوطانٌ بائسة تركَ الطغاةُ في أجسادها جراحاً غائرة وعاهاتٍ مُزمنة لا يُرجى لها شفاء..أهلها كانوا أغراباً وسط ديارهم..أنفقوا جُلَّ حياتهم وهم يتقلبونَ على مجامرِ الصبرِ حتى باتَ صبرهم هذا حكمتهم الأثيرة..شعوبٌ كانوا محكومين بنَيرِ طغاتهم..أسارى قدرهم المُلزم..مُكبلونَ بقيودِ ليلهم الطويل من طولِ ما لحِقَ بهم من ظلمٍ وجوعٍ وبطشٍ وتكميمٍ لأفواههم وسلبٍ لحرياتهم..حتى أصبحَ الموتُ حياتَهم لأنهُ هبة الطغاةِ الوحيدةِ التي أباحوها إياهم ليتنعموا بها ببذخٍ إمبراطوريٍّ نادر..موتٌ مُتاحٌ جعلتهُ يدُ الطغاةِ أوفرَ من كسرةِ خبزٍ يابسة بخلوا بأنْ يُطعموها أفواهَ شعوبهم ..لكن وعلى حينِ غرةٍ تجرأتْ تلكَ الشعوب أنْ تكسرَ قيودَها الصدئة و تزحفَ إلى العروشِ العاليةِ لتسحقها بالأقدام وتُحرقَ تأريخاً أسودَ طالما كُتبَ بأحرفٍ تقطرُ موتاً ورُعباً ودماءً.. بعد كلِّ ذلك ووسط سخريةِ الماضي المُقيم ولعنتهِ نبصرُ اليومَ بعينِ العجبِ مَنْ يحنُّ ثانية إلى زعيمٍ قديم ! زعيمٌ صدَّقنا بالكادِ أنَّ فجراً جديداً فضحَ ظلامهُ وأبصرَ الجميعُ ظلمهُ وكذبهُ وزيفهُ ووضاعتهُ لكن رغم ذلك يمارسُ هؤلاء معَ أنفسهم اليومَ لعبة خداعٍ قسريةٍ تغريهم بحاجةٍ ماسّة إليهِ ثانية ويفتعلونَ مُسوّغاً زائفاً يُقنعهم بعدلهِ وصدقهِ ونزاهتهِ ورفعتهِ..

أليسَ من الغريبِ بعد كلِّ ما حصل أنَّ ثمة مَنْ لا زالَ حتى اليوم يؤمنُ حدَّ القداسةِ بخرافةِ وهمٍ أسمها : دكتاتورنا العادل؟ أليسَ من المعيبِ أنهم لا زالوا يشعرونَ بجوعٍ مُلّحٍ إلى أنْ يحيوا مواتَ أسطورةٍ كاذبةٍ كانتْ تتلبسُ رؤوسهم عقوداً طِوال يدعونها : زعيمنا الصارم الرحيم ..أو قائدنا المُستبدّ الحنون؟ ذلك الذي يعدُّ الموتَ والحياةَ مكرمتين من أغلى مكارمهِ لأنهُ ينفردُ لوحدهِ بشرفِ توزيعها بنفسهِ على الجميع بسخاءٍ ..في أيِّ وحلٍ آسنٍ من كلِّ هذهِ التناقضات المتنافرة يسبحُ هؤلاء؟هل هنالك أقسى من تلك الكوميديا السوداء التي يوهمونَ أنفسهم بالحاجةِ إلى تفاصيلها المُرعبةِ من جديد؟ كأنما لا يحلو لهؤلاءِ أن يتذوقوا موتهم أو حياتهم إلا من يدِ زعيمٍ لم يُمحَ بعدُ من ذاكرةِ رُعبهم كيف كان يقتصُّ بنصلهِ البتّار كلّ مَنْ تجرأ يوماً على أن يكفرَ بأناهُ المقدسة..

حتى لو اعترفَ هؤلاءِ أنَّ نسائمَ الحريةِ في زمنِ طغاتهم كانتْ ضالتهم المفقودة لكن ما ضرَّ لو أنهم تنشقوها اليومَ تحت ظلالِ طاغيةٍ جديد..وما ألذّ زلالها العذب لو أنهم شربوها من سُقيا يديهِ؟!

ما شهدناهُ من طوفانٍ عارمٍ بوجوهِ الطغاةِ كان انفجاراً شعبياً غاضباً لم يعدْ ممكناً أن يقفَ بوجههِ شيءٌ بل بتنا ندركُ اليومَ كم أنهُ أتانا متأخراً.. لكن حينما آنَ أوانهُ وحانتْ ساعة رحيلِ الطغاةِ كان ذلك متوائماً تماماً مع سياقاتِ المنطقِ وثوابتِ التاريخ.. فلماذا إذن يحاولُ البعضُ أنْ يدخلوا هذهِ اللعبة من جديد..متسلحين بذاتِ حنينهم القديم وقد خرجوا منها بشقِّ الأنفس ؟ لماذا لا يزالُ ثمة مَنْ يرمقونَ اليوم بعينِ قلقهم وخوفهم الأزليينِ مقعدَ زعيمهم الخالي من وجودهِ ..تتلفتُ رقابُهم بحثاً عنهُ ويتفقدونَ في كلَّ لحظةٍ مكانهُ الأثير الذي أثثهُ في نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بمكرٍ ودهاءٍ طوالَ عقود؟ كأنهم بعد كلِّ ذلك لا يزالونَ يأملون متضرعين لأنْ تُرسلَ الأقدارُ إليهم طاغية جديداً يمنّونَ أنفسهم أنْ يجلسَ على كرسيٍّ مقدسٍ ليملأ فراغاً مُرعباً تركهُ طاغية قديم..لكأنَّ جراحنا المزمنة هذهِ لا أملَ من شفائها أبداً..

ربما هي فعلاً لعبتنا الأثيرة التي لا نجيدُ لعبة مثلها..لُعبة الحُكم الدموية التي سنظلُّ محكومين بأنْ نُتابعَ وقائعها بشغفٍ وترقبٍ دائمين دون أملٍ قريبٍ في أنْ نُبصرَ لها أية نهايةٍ آمنة..وربما سيظلُّ هؤلاءِ أيضاً يشعرون بذاتِ خوفهم الغريزيّ الأبدي الذي لم يهمدْ صُراخهُ في آذانهم أبداً طالما بقيَ أمامهم كرسيٌّ مُقدس خالٍ من أيِّ زعيم..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق