]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جرزيم وعيبال (جبال التوراة تحت المجهر)

بواسطة: حسين خويرة  |  بتاريخ: 2014-03-23 ، الوقت: 12:01:16
  • تقييم المقالة:

ان القراءة في النصوص التوراتية بغية دراستها وتحليلها تحتاج الى مخزون ميثولوجي وتاريخي كبير جداً من المعلومات لدى الدارس. وذلك لأن المبتدأ او من ليس له باع في المجال قد يجد نفسه امام احدى امرين خلال قراءته للنصوص اليهودية بشكل عام، فاما ان يصبح ما يقرأ اشبه بطلاسم يمر منها مرور الكرام بلا اي توقف او يصبح يقف في كل اصحاح بل في كل اية امام معضلة لا حل ولا تفسير لها. ولكن مع اكتساب الخبرة والوفرة المعلوماتية عن ميثولوجيا المنطقة والظروف التي كتبت بها التوراة والنصوص الدينية اليهودية بشكل عام، يصبح الربط وتفكيك تلك الشيفرات امر بغاية السهولة ومنها ما يتناوله هذا البحث وهي الاية رقم 29 من الاصحاح 11 في سفر التثنية وهو خامس وآخر الاسفار المنسوبة للنبي موسى (عليه السلام) وما جاء نصه(وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها فاجعل البركة على جبل جرزيم واللعنة على جبل عيبال)

ان جبلي نابلس او شكيم التاريخية وردا نصّاً في التوراة، ونابلس تلك المدينة التي تقع في الضفة الغربية بين الجبلين العظيمين جرزيم وعيبال لها من الاهمية المحورية في التاريخ العبراني، خصوصاً في فترة بسط السيطرة لمملكة اسرائيل الشمالية او السامرة او بتعبير اخر مملكة الاسباط العشرة في مقابل مملكة يهوذا او مملكة السبطين الجنوبية. يمكننا تجاوز الخلاف السياسي و العقدي الكبير بين المملكتين في الوقت الراهن والذي سنأتي على ذكره فيما بعد لاثره العظيم على النص التوراتي اليهودي خصوصا مع الاختلافات الكبيرة التي شوهدت بين النص اليهودي للاسفار الخمسة الاولى "اسفار موسى" مع نظيرتها من التوراة السامرية التي لا تعترف سوى بهذه الاسفار الخمسة مع الاختلافات الكبيرة بين النصين في مئات المواضع وهذا مبحث اخر مثير لا بد من تسليط الضوء عليه يوماً ما.

 

 لماذا؟! 

 

ان اول ما يتبادر على ذهن القارئ هو سؤال بسيط للغاية مفاده ان لماذا قد يدفع الرب التوراتي ببركاته الى جبل مقابل لعنات على جبل اخر ؟! دعونا اولاً نلقي نظرة على تفاسير الاباء المعتبرين للعهد القديم. و قد جاء ما نصه من تفسير القمص تادرس يعقوب ملطى "كلمة"جرزيم" مشتقة من الفعل العبري gaaraz ويعني "يقطع أو يحصد" حيث كان الجبل غنيًا بالأشجار والثمار، لهذا صار مناسبًا للحديث عن البركة. أما"عيبال" فليس له أصل عبري إنما غالبًا من الكلمة العبرية "عبالًا"، وتعني خشونة أو متهلهل الخ، أو ربما من abalo وتعني حجارة بيضاء، إذ كان الجبل قفرًا ليس عليه خضرة.

أعلن الشعب كله مع الخدام قبولهم العهد الإلهي، لينالوا البركات الإلهية المعلنة على جبل الجرزيم، ويتحاشوا اللعنات المعلنة على جبل عيبال، وذلك بحفظ الوصايا والفرائض والأحكام الإلهية عمليًا"

اذن، فان السبب الرئيسي حسب التفاسير التي تجتمع اغلبها على هذا المعنى ان "يهوة" قد منح البركات على جرزيم واللعنات على عيبال لشعب بني اسرائيل خلال العبور. اننا نختلف مع الاب ملطى تقريباً في كل ما ذكر الا ان الغالب في معنى الجذر العبري "جرز" هو العكس تماماً اي قاحل وليس مثمر وذلك لاتفاق المعنى في اغلب جذور الكلمات العبرية مع معنى الجذر في الكلمة العربية التي تعني قاحل لا زرع فيه. وقد صدق في ان عيبال ليس لها مصدرا عبري ولكن هناك عدد كبير من الفرضيات في معنى الكلمة. لم نرتاح الى اي منها ومن الغريب ان احداً لم يلتفت الى النصف الثاني من الكلمة وهو "بال" وما اظنه الى تحريفاً لكلمة "بعل" وهو اله معبود بانتشار كبير جدا في المنطقة خلال وقبل الدخول اليهودي الى ارض كنعان.

فك الشيفرة:

ان التفاسير كعادتها في كل الاديان تقف عند تفسير الكلام دون الاسباب او الوقوف عند النوازع الالهية في قرار ما. فالسؤال ما زال قائماً. لماذا قد يلعن الله جبلا او يجعله مكانا لطرح البركة في مقابل جبل اخر ضده تماما؟

ان الاجابة على هذا السؤال سهلة للغاية، فان هذه الاية تمثل دليلاً صارخاً على التأثر اليهودي في العقائد الوثنية التي كانت قائمة في اماكن تواجدهم. فبينما نرى تقديس اليهود للبقر وهو الامر الذي يكاد يكون سمة الديانة الفرعونية لاسرة معبد "هيليوبولس" حيث ان التفسير الفرعوني للكون دائما ما يرتبط بشكل ما بالبقرة السماوية التي كانت مبعثا للحياة ولكل اشكال وظواهر الطبيعة اليومية. "فاخذ ذلك من ايديهم وصوره بالازميل وصنعه عجلا مسبوكافقالوا: «هذه الهتك يا اسرائيل التي اصعدتك من ارض مصر"خروج 4:32

ونرى بعد ذلك خلال الفترة المعاصرة للكنعانيين تصريحاً توراتياً بعبادتهم لالهة شعب كنعان.وكل ذلك الجيل أيضا انضم إلى آبائه, وقام بعدهم جيل آخر لم يعرف الرب ولا العمل الذي عمل لإسرائيل. وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم, وتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم, وسجدوا لها وأغاظوا الرب. تركوا الرب وعبدوا البعل وعشتاروث.القضاة 2: 10-13

ونرى في عدة مواضع فكرة توراتية اخرى مستوردة من معتقدات بلاد الرافدين "ارض السبي الاول والثاني" وهو حب الالهة لرائحة الذبائح. و يشقه بين جناحيه لا يفصله و يوقده الكاهن على المذبح فوق الحطب الذي على النار انه محرقة وقود رائحة سرور للرب. اللاويين 17:1

وأخيراً نرى ارثاً مجوسياً بوضوح من خلال تقديس النار في الاسفار التوراتية في اماكن كثيرة جداً جداً لكننا سنكتفي باية واحدة كمثال. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتا..... لأن الرب إلهك هو نار آكلة إله غيور. التثنية 4

بل ان الملائكة كذلك توصف بانهم خادمي النار وحتى مصطلح خادم النار هو مصطلح مجوسي بحت حيث ورد ما نصه في رسالة العبرانيين 1:7. وعن الملائكة يقول: الصانع ملائكته رياحا وخدامه لهيب نار. و من الجدير بالذكر بان النص التوراتي كتب في عهد الاحتلال الفارسي لفلسطين وبايعاز من كورش الاخميني الذي اعادهم من السبي البابلي الى فلسطين وطلب من عزرا الكاتب المباشرة في كتابة النص التوراتي وهذا يفسر كثيراً مما نراه من اثار مجوسية خفية في العقيدة اليهودية الى جانب فكرة تحقير الانبياء التي لن نستطيع فهمها الا اذا فهمنا طبيعة الظروف التي كتب بها النص التوراتي.

مما سلف يتضح التأثر الكبير في النص الديني اليهودي بما سبق من عقائد قائمة في كل مكان اقاموا فيه وعلاقة هذا وطيدة للغاية في موضوع بحثنا. فان فكرة جبل اللعنات الذي يقابله جبل البركات هي فكرة تنتمي الى المعبد الازوريسي المصري او معتقد الانقلابات الفصلية والتي ترتبط بشكل وثيق في الزراعة والذي بدوره يرتبط بالالهة بعل "اله الخصب" الذي كان يعبد في المنطقة بشكل واسع. فهذا المعتقد يؤمن بان الجبل الجنوبي هو دائما جبل البركات او جبل الخصب بينما الجبل الجنوبي هو جبل ملعون قافر وذلك اعتماداً على الشكل الذي يأخذه بعل او ازوريس ان كان شتويا او صيفيا ودليل ذلك ما نراه من تناقض في النص التوراتي في نفس السفر بعد عدة اصحاحات حين تعبرون الأردن تقيمون هذه الحجارة التي أنا أوصيكم بها اليوم في جبل عيبال وتكلساها بالكلس. التثنية 4:27 بينما يخالف النص السامري لنفس الاية بان المذبح قد شيُّد في جرزيم فقد استبدلت عيبال بجرزيم في النص السامري وهو ما يدل على خلاف شديد بين بني اسرائيل في تلك الاونة فبعد الاختلاف فيما بنهما حافظ السامريون على هوية تقديس بعل او ازوريس في حلته الصيفية بينما تخبط اليهود تارة في الجبل الشمالي واخرى في الجنوبي.

ومن الجدير بالذكر بان المدرسة الزوريسية في تقديس الانقلابات الفصلية المتمثلة بالجبل الصيفي الجنوبي والشمالي الشتوي، كانت عبادة منتشرة في العالم اجمع بل تكاد تكون احدى العبادات القليلة التي يتفق عليها العالم القديم فحتى في مكة على سبيل المثال لا الحصر أبو قبيس جنوبي يشرف على الصفا. والأحمر، شمالي يشرف على المروة. والصفا والمروة عند الجاهليين تخطيط مصغرللجبلين الاكبر (الاحمر وابو قبيس)الصفا ذو الموقع الجنوبي، يمثل جبل أبي قبيس. والمروة، ذو الموقع الشمالي يمثل الجبل الأحمر. وعلى هذين الجبلين يرتكز العالم بحالته الصيفية او الشتوية (المذكر) و بينهما يكون الاله بشكله الانثوي في منطقة الاعتدال الربيعي.

بل اننا نذهب الى ابعد من هذا الى الاشارة بان اسم المدينة شكيم. قد يكون اسم معبد ازوريسي "الذي يتوسط الجبلين" لا ازوريس كان يطلق عليه اسم سقم او سقيم بمعنى سيد في الفرعونية ومثيله العزى في الجزيرة العربية والتي كان لها معبد قرب مكة اسمه سقام كان قد رثاه شاعرا هذلي بعد خرابه في عصر النصر الاسلامي قائلا :

أمسى سقام خـلاء لا أنيس بـه  **** إلا السباع ومر الريح في الغَرَف

و مع مراعاة اصول المد في العربية والاخذ بعين الاعتبار ان حرفا السين والشين هما سيان في العبرية فالغالب ان كلمات سقيم وسقم وسقام وشكيم .. كلها مرادفات لمعنى واحد يفيد "معبد ازوريس" او عقيدة الانقلابات الفصلية. 


1- المفصّل في تاريخ العرب قبل الاسلام  - جواد العلي 

2- الكتاب المقدّس - العهد القديم

3- التوراة عند الطائفة السامرية

4- موسوعة الاديان - فراس السواح المجلد الثاني 

5- تفسير الاب تادرس ملطى 

6- التوراة مكشوفة على حقيقتها - اسرائيل فنكلنشتاين

7- اللقب والاسطورة - زكريا محمد 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق