]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بداية التاريخ البيزنطي ونظرية وحدة الإمبراطورية الرومانية

بواسطة: Fathy Aziz  |  بتاريخ: 2014-03-21 ، الوقت: 02:12:36
  • تقييم المقالة:

 

                       بداية التاريخ البيزنطي ونظرية وحدة الإمبراطورية الرومانية

 

د. فتحي عبد العزيز محمد

 

أستاذ مساعد تاريخ العصور الوسطي ـ جامعة الباحة

 

 

 

    قد تتعارض محاولة تحديد بداية تاريخ قيام الإمبراطورية البيزنطية عمليا مع النظرية القائلة بوحدة الإمبراطورية الرومانية  ([1])  , حيث لا يمكن تصور انقسامها أو تفككها , تلك المثالية الرومانية  التي ظل الأباطرة والشعب الروماني يؤمنون بها حتى بعد التخلص من آخر أباطرة القسم الغربي رومولوس أوغسطولوس سنة  476م. كما أن محاولة مثل تلك مثلت إشكالية تاريخية حيث تعددت الآراء والأدلة التي طرحها المؤرخون للتدليل علي صحة ما ذهبوا إليه في هذا الصدد . غير أن الثابت أن تلك الإمبراطورية البيزنطية ولدت حقيقة من رحم الإمبراطورية الرومانية . إلا أنها مرت بفترة انتقالية قاربت الثلاثة قرون حتى تبلورت خصائصها المميزة , ويمكن أن يطلق عليها فترة رومانية متأخرة أو بيزنطية باكرة . ولا شك أن ذلك يزيد من صعوبة تحديد الميلاد , وجدلية البداية . غير أن بعض الأحداث التاريخية تفرض نفسها علي حقبة زمنية بعينها لما لها من قيمة وما تتركه من أثر . وهو ما دفع ببعض المؤرخين إلي اتخاذ أحداث بعينها علي مدار سنوات طويلة بل ربما قرون لتكون بداية للتاريخ البيزنطي . ونورد هنا عرضا سريعا لما ذهب إليه أولئك المؤرخون .

 

    كان ضروريا لمواجهة أزمة القرن الثالث ( [2])  التي عانت منها الإمبراطورية الرومانية  القيام بإصلاحات جذرية علي كافة المستويات وقد تصدي لتلك الأزمة كلا من الإمبراطور دقلديانوس ( 284- 305 ) والإمبراطور قنسطنطين , وقام الأول وهو بصدد الإصلاح الإداري بتقسيم الإمبراطورية إلي قسمين شرقي وغربي يحكم في كل منهما إمبراطور . وهو ما يعني تواجد إمبراطوران في وقت واحد أحدهما في القسم الشرقي والثاني في القسم الغربي , بل زاد علي ذلك بأن جعل لكل إمبراطور قيصرا يساعده ويكون خلفا له حال وفاته ليضمن بذلك انتقال السلطة في سلام بدلا من تلك الفوضى التي كانت تحدثها فرق الجيش متدخلة في اختيار الإمبراطور . وقد تحول الحكم الثنائي بعد قليل إلي ما عرف بالحكومة الرباعية Tetrarchs ([3]) . في ظل إمبراطورية واحدة إيمانا بنظرية الإمبراطورية الموحدة .

 

    ولم يكن يعني ما قام به الإمبراطور دقلديانوس ـ كما افترض بعض المؤرخين ـ  ظهور إمبراطورية جديدة علي أي من الجانبين .إن ما قام به دقلديانوس لم يكن إلا مقاربة منه لحل المشكلة الخاصة بالعرش الإمبراطوري , وليست عملية تقسيم يتم فيها الفصل نهائيا بين قسمي الإمبراطورية . ويلاحظ في تلك الفترة تعدد العواصم حيث لم يعد مناسبا للسيطرة علي إمبراطورية مترامية الأطراف بمساحاتها الواسعة وأعدائها الكثر أن تحكم من مركز وحيد ـ أي روما ـ التي لم تعد  مناسبة لمثل ذلك الدور فقد توقفت عن كونها مدينة مؤثرة سياسيا .

 

    هوت الحكومة الرباعية بعد تقاعد دقلديانوس عام 305 في أتون حرب أهلية تمكن قنسطنطين من الخروج منها منتصرا. وعادت الإمبراطورية الرومانية عام324 مرة أخري تحت إمرة حاكم وحيد  ( [4])  والذي أخذ يدير شئونها من عاصمة جديدة شيدها عند شواطئ البوسفور عام 330 وهي التي أراد لها أن تحمل اسم روما الجديدة , بديلا عن العاصمة التاريخية روما إلا أنها عرفت باسمه .

 

    ويري البعض أن اتخاذ القسطنطينية مقرا للحكم  هو نقطة البداية في التحول التدريجي من إمبراطورية روما الوثنية إلي ما عرف بالإمبراطورية البيزنطية , وهو خير بداية للتاريخ البيزنطي وإن كان إنشاء تلك المدينة يأتي في إطار الإصلاحات التي بدأت لمواجهة أزمة القرن الثالث ([5]) . بيد أن الإمبراطورية البيزنطية التي تعود أصولها إلي الإمبراطورية الرومانية المتأخرة ظلت في أعين المعاصرين رومانية علي الأقل حتى القرن الثاني عشر وكان قاطنوها يدعونها إمبراطورية الرومان The empire of Romans  خاصة في الفترة المبكرة.وبذل الأباطرة جهودا مكثفة للإبقاء علي استمرارية الإمبراطورية  ([6] ).

 

   كما أن ظاهرة تغيير العواصم ظلت مستمرة بعد قنسطنطين الذي سرعان ما اكتشف خلفاؤه أن الإمبراطورية أكبر من أن تحكم من قبل فرد واحد ومن مقر واحد أيضا . وكان من الطبيعي قيام حكم جماعي بين أباطرة تربطهم وشائج القربى هم أبناء قنسطنطين نفسه الذي قسم الإمبراطورية مرة ثانية بين أفراد عائلته وهو علي فراش الموت , وهم قنسطنطين الثاني وقسطنطيوس و قنسطانز وذلك عام 337 ( [7]) . واتخذت إلي جانب القسطنطينية مدنا أخري مقارا مثل تريفي وسالونيك وأنطاكية رغم بعد المسافة بينهم ( [8]) . إن ما قام به خلفاء قنسطنطين لا يعني الإقلال من قيمة القسطنطينية , إنما قد يعني تجاوب الحكام مع متطلبات فرضتها متغيرات خارجية تمثلت في حروب عدة علي أكثر من جبهة .

 

    ولا ريب أن فكرة وحدة الإمبراطورية كانت الهاجس الملح علي أباطرة تلك الفترة علي الرغم من تركهم العاصمة القديمة روما . وكان ثيودوسيوس آخر إمبراطور حكم الإمبراطورية بأكملها بمفرده ([9]) وعلي الرغم من حرصه علي وحدة الإمبراطورية طوال فترة حكمه , إلا أنه قسمها وهو علي فراش الموت عام 395م  بين ولديه هونوريوس وأركاديوس , حيث كان القسم الغربي من نصيب الأول بينما جاء القسم الشرقي من نصيب الأخير ([10] ) . لقد قسمت الإمبراطورية في وقت خطر للغاية ساده عدم الاستقرار الذي سببه الغزو الجرماني بقيادة آلاريك وجنده , وقوميات القوط الشرقيون المتجولون بينما جيوش الإمبراطورية تعاني من ضعف شديد وبدلا من تعاون الحكومتين في القسم الشرقي والغربي ذلك التعاون الذي كانت الحاجة ماسة إليه نري ما يشبه الحرب الباردة بينهما إن جاز التعبير ( [11]) . وهناك من يري في ذلك التقسيم الذي أتي به ثيودوسيوس بداية للتاريخ البيزنطي , إلا أن حقيقة الأمر كانت لا تشي بذلك فالقرارات التي كانت تصدر في أحد القسمين تطبق ويعمل بها في القسم الآخر , غير أنه يمكن القول أن ذلك التقسيم كرس ـ علي المدى البعيد ـ الانقسام بين الجانبين .

 

    وإذا كانت نظرية الإمبراطورية الموحدة باقية حتى عام 476 , فإن ذلك العام نفسه يمكن أن يكون نهاية لها في نظر بعض المؤرخين , حيث شهد القسم الغربي زوال الحكم الإمبراطوري علي يد القائد الجرماني أوداكر بعزله للإمبراطور رومولوس أوغسطولوس في روما , وبالتالي يمكن القول ـ في رأيهم ـ  ببداية الإمبراطورية الرومانية الشرقية أي بداية التاريخ البيزنطي في ذلك العام ([12] ).

 

    لكن ما قام به الإمبراطور زينون دل علي تمسك أباطرة القسم الشرقي بوحدة الإمبراطورية , ذلك أنه أغري زعيم القوط الشرقيين ثيودريك علي غزو إيطاليا ومحاربة أدواكر والحفاظ علي العرش الإمبراطوري حتى مجيئه  ([13] ) . غير أنه مع اقتراب القرن الخامس من نهايته كانت الإمبراطورية في قسمها الغربي تتعرض لمزيد من التفتت حيث التهم الجرمان معظم المناطق وأقاموا علي أشلائها عددا من الممالك .

 

    ويبدو أن ما فعله جستنيان من محاولة استرجاع الغرب الأوربي إلي حظيرة الإمبراطورية الموحدة كان آخر محاولة لرأب الصدع ووحدة الإمبراطورية . لقد خاض ذلك الإمبراطور حربا استردادية شرسة مع قوي الجرمان في الغرب , ويمكن النظر إلي تلك الحرب في ضوء نظرية وحدة الإمبراطورية . لقد تراخي الأباطرة السابقون عليه وتكاسلوا ـ  حسبما رأي جستنيان ـ  واكتفوا بما لهم من سيطرة اسمية علي أقاليم افترسها أولئك الجرمان , وافترض هؤلاء الأباطرة أن الغرب لم يضع وإنما هو خارج السيطرة مؤقتا ([14] ), ولعل تقاعسهم هذا هو الذي قاد إلي ما قاد إليه من اتساع الفجوة بين شطري الإمبراطورية  ( [15]) , لذا رأي من الضروري فرض هيمنته بالقوة علي ما يعد حقا لم يضع بعد . ولقد بذل جستنيان كل ما في وسعه في سبيل استرجاع أقاليم الغرب من جديد لسلطان الإمبراطور الروماني الشرقي , وبهذا فإنه كان يعمل من أجل تحقيق المثالية الرومانية التي تعني إمبراطورية رومانية واحدة ([16]) . وأنه لا انقسام بين شطري الإمبراطورية .

 

    لقد كلفت تلك المثالية الرومانية الخزانة الإمبراطورية أموالا طائلة ,حيث شن حربا علي شمال إفريقيا لاسترجاعها من الوندال عام 534 , وإيطاليا من القوط الشرقيين عام 552 , واسبانيا غير أن الخطة كانت أكثر طموحا من أن تهيئ مناخا مناسبا لنجاح دائم . وأمكن للإمبراطور جستنيان أن يستعيد الكثير من أقاليم الغرب , غير أن المحصلة النهائية أظهرت خطأ سياساته علي الرغم من اقترابه من تحقيق أهدافه .

 

   وأيا ما كان الأمر , فإن فكرة وحدة الإمبراطورية ظلت قائمة حتى عام 800 ميلادية , وهو العام الذي توج فيه شارلمان إمبراطورا علي يد البابوية في روما , والذي يري فيه البعض بداية للتاريخ البيزنطي , حيث ظهر إمبراطور في الغرب ـ أي شارلمان ـ لكن بيزنطة لم تر فيه سوي جرماني لا تطاول هامته هامة الأباطرة الرومان . وهذه النظرة الاستعلائية لم تكن لتلفت انتباه المؤرخ اينهارد كاتب سيرة شارلمان حيث أنصب اهتمامه علي الشك الذي أخذ يساور الإغريق ( أباطرة القسم الشرقي ) في أنه ـ أي شارلمان ـ يخطط لانتزاع الإمبراطورية منهم عندما لقب إمبراطورا([17]) . ويعني ذلك أن أباطرة القسم الشرقي رغم طول الأمد كانوا يؤمنون بوحدة الإمبراطورية , وأن ما فعله البابا وقبل به شارلمان هو اغتصاب مرفوض لحق تاريخي . وتأكيدا لحق الإمبراطور في القسطنطينية في الميراث الروماني فإنه أطلق علي نفسه لقب Basileus Rhomaion  أي إمبراطور الرومان ( [18]), إلا أن البابوية كانت قطعت كل ما كان يربطها بإمبراطور القسطنطينية  (الإمبراطورية البيزنطية ), ولم تعد تعترف سوي بإمبراطور واحد في الغرب هو شارلمان ([19] ).

 

     وتجدر الإشارة إلي أن هناك من حدد تواريخ أخري تصلح لبداية الدولة البيزنطية , مثل سنة اعتلاء قنسطنطين أو ليو الثالث للعرش , وأيا كانت المبررات والبراهين التي ساقها الجميع , فهي مبررات لها وجاهتها واحترامها , فكلها اجتهادات ورؤى تقوم علي دراسة جادة . بيد أنها لا تأخذ في الاعتبار نظرية وحدة الإمبراطورية  التي تمثلتها عقول أباطرة القسم الشرقي دوما , ولعل ما حدث للقسم الغربي من تمزق في حقبة تالية جعل حكام القسطنطينية يتغاضون عن تلك النظرية , إلا أننا نواجه عندئذ جدلية بداية التاريخ البيزنطي بشكل مجرد , ولا ريب أن ما ذهب إليه رنسيمان هو أنسب التواريخ التي تصلح في هذا الصدد ذلك أن تدشين القسطنطينية يعد بالفعل بداية حقبة جديدة , وأثبتت تلك المدينة بحصانة موقعها , وتمركزها في عالم الثقافة الإغريقية , واحتضانها للأرثوذكسية أن سقوطها عام 1453 هو نهاية لإمبراطورية فلما لا يكون قيامها هو بداية لتلك الإمبراطورية . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

   

 

 

 

 

 

 

 

[1] – قسمت الإمبراطورية بين ولدي ثيودوسيوس الأول وظلت كذلك حتى حروب جستنيان الاستردادية في الغرب , ذلك أن فكرة وحدة الإمبراطورية ظلت ماثلة في عقول الجميع إلا أنه من الناحية العملية كان هناك قسمين علي كل منهما أن يواجه %


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق