]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

شهرزادُ .. وبناتُها .. فأبناؤها ...!!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-03-19 ، الوقت: 09:26:57
  • تقييم المقالة:

في لحظة تفكيرٍ في علاقة المرأة بالقصة تبيَّنَ لي أنَّ هذه العلاقة قديمةٌ جداً . وأنَّ المرأةَ إنْ لم تكنْ هي التي أوجدت القصة كفنٍّ من فنون الأدب له قواعد وأصول ، فهي أقوى سبب لها في الوجود ؛ فلولا الوقائع التي تجري بينها وبين الرجل ، ولولا حضورها في الحوادث والأحداث ـ وقد تكون هي سببا لها ـ لما سمع الناسُ قصصاً ، ورواها بعضُهم لبعضٍ ..

وقصة خلق حواء من ضلع آدم كانت أول قصة أدهشت أبناءهما ، وأثارت مخيلاتهم ، وحركت ألسنتهم بالثرثرة ؛ فنحن نعلم أن آدم أولَّ ما خُلِقَ كان وحيداً ، (ونامَ يوماً فلمَّا استيقظ وجد عند رأسه امرأةً تُحدِّقُ في وجْهه بعينين جميلتين ورحيمتين ..) 1 ... فاندهشَ ، وثارَ بينهما حوارٌ ، حكتْ فيه حواءُ ، واستمع إليها آدمُ ، فآنسَ إليها ، وسكنَ ... ثمَّ استمرَّتْ تحكي له ، وتقُصُّ عليه قصص النفس ، والهوى ، والخيال ، والمستقبل ، وتُعيد على مسمعه ما يثيرُ إبليسُ في نفسها من أحلامٍ وأماني  ، وأنه سيدُلُّهما على شجرة الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يبْلى ، فكانت قصة الشجرة .. وتبِعَتْها قصةُ خروجهما من الجنة .. ثمَّ قصة هبوطِهما معاً إلى الأرض .. وبعدها تناسلتْ قصصٌ أخرى ، كانت فيها المرأةُ حاضرةً بقوة ، وأضْفت عليها طابعَ الدهشة ، والغرابة ، والإثارة ، والفضول ، والرضا ، والسخط ، والحب ، والغضب ،  ومشاعرَ متباينةً ، وأفكاراً متعددةً ... وحتى قصص الأنبياء والمرسلين لا تغيبُ فيها المرأة ، وإنما يطغى فيها حضورُها ، ويبرزُ دوْرُها أيضاً في الحوادث والمعجزات !!

وقصص الملوك .. وقصص الجانِّ .. وقصص الحيوان .. وقصص الفرسان .. وقصص العشاق العقلاء منهم والمجانين .. بل وكذلك قصص الزُّهادِ وأهل التصوف والعرفان !!

فهي منْ (بدائع الزُّهور في وقائع الدُّهور) ، ولوْ تباينت مواقفُها بين الخيْرِ والشرور !!

والقصة هي أنسب فنون القول للمرأة ؛ فهي بطبيعتها تحبُّ الكلام ؛ تُرَدِّدُهُ أو تسْمعُهُ .. وهي مُتَّهمةٌ بالثرثرة ، والنميمة ، والغيبة ، والهمس بالأسرار ، والتناجي بالخواطر ... إلى درجة أن قوماً زعموا أنَّ المرأةَ (أخذت تسعة أعشار الثرثرة النازلة على العالم) !!

بل هي لا تستطيع أن تعيش دون أن تحكي الحكايات ؛ وشهرزاد هي خير مثال على هذه الحقيقة ، فلوْلا أنها لم تسارعْ ، وتهتدِ إلى حيلةِ أنْ تشغلَ شهريار بحكايةٍ كلَّ ليلةٍ لأطاحَ بِجيدِها السَّيافُ مسرور في صباح الليلة الأولى ، ولكنها بذكائها جعلت شهريار يُبْقي على حياتها ، كي يستمع إلى حكاياتها في (ألف ليلة وليلة) ، وينسى جُرْحه القديم ، ويُخلِّي بين السيف وبين العذارى !!

فلا يذهبنَّ تفكيرُكم إلى أنَّ الرجلَ هو الذي علَّمَ المرأةَ القصةَ ؛ بل من الإنصاف أنْ نقول إنَّ المرأةَ هي التي علَّمته القصةَ ، وهي التي دفعته إلى أن يتفنن فيها ، ويبتكر أساليب مختلفة ، وطرقاَ عديدة لممارستها ، ويؤسس مدارس ، ويخلق تيارات ، ويجتهد ما وَسَعُهُ الاجتهادُ كي يكون بارعاً في القصة ، ومؤثراً ، وساحراً ... !!

ومن سماحةِ المرأة تراجعت عن الصفِّ الأماميِّ لهذا الجنس ، وتفرغت لشؤونها الأخرى ؛ فقد حملت أمانةَ الوجودِ ، ورعايةَ الحياة المشتركة ؛ وتركت الرجل يخوض فيه ، ويخلق قصصاً في الشرق والغرب ، وبلغات متعددة ، وقوالب متنوعة ، وأطلق عليها أسماء مختلفة ، ووصفها بأوصاف شتى ، فقال قصصا طويلة ، وقال قصصاً قصيرة ، واليوم يقول قصصاً قصيرة جداً ، ناهيكم عن الرومانسية ، والواقعية ، والتاريخية ، والعلمية ، والدينية ، والتربوية ، وهلم جرّاً ...

وبقيت المرأةُ تراقبُ الرجلَ ، وترى عملَه في هذا الميدان ، وتقرأ له قصصه ، وتعجب بها ، وتتسلى ، وتضحك تارةً ، وتبكي تارة أخرى ، وترضى ، وتسخط  .. وتجد نفسها حاضرةً في كل ما يكتب الرجل من قصص ، يُنْصِفُها أحيانا ، ويظلمها أحيانا أخرى .. يُطْريها طوْراً ، ويُوَبِّخُها طوْراً آخر .. ويُصوِّرُها كما يشاء ؛ فهي مَلكٌ في قصص ، وشيطان في قصصٍ أخرى ، وحبيبة ، وعدوة .. وطيبة ، وخبيثة .. وخيِّرة ، وشريرة ...

فانبرت أفرادٌ من النساء ، وشمَّرْنَ عن أقلامهن ، وعُدْنَ يَحْرُثْنَ في هذا الحقل ، فأنتجن بدورهن قصصاً ، قرأها الناسُ هنا وهناك ، وسايرن الرجل في تقاليعه ومُحْدثاته ، فكتبن مثله قصصاً طويلة ، وقصيرة ، واليوم قصيرة جداً ، وكأنهن بهذا يُذَكِّرْنَ الرجل بأنهن أهلٌ لها مثلما كنَّ أصلاً لها !!

ففي البدء كانت القصة امرأة ... !!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ أنبياء الله : أحمد بهجت .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق