]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأدب النسائي .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-03-18 ، الوقت: 09:05:19
  • تقييم المقالة:

ليس هناك أدب نسائي ، حتى وإن كتبته نساءٌ .. هناك أدبٌ ، أو أدبٌ إنسانيٌّ فقط ؛ فهو ليس مُذكَّراً وليس مؤنثاً ، فقد قرأنا لكُتَّابٍ رجالٍ ألَّـفُـوا أعمالاً كانت بطلاتها الرئيسيات نساءً ، وعناوينُها مؤنثة ، ومع ذلك لم نُصنِّفهم في خانة الأدب النسائي .. وقرأنا لكاتبات نساءٍ ألَّـفْـن أعمالاً كان أبطالها رجالاً ، وميادينها تخصُّ عالمهم فقط ، ونبدو غير موفقين إذا اعتبرناها أدباً نسائياً .

وكما قال الكاتب الفرنسي {فلوبير} ببساطةٍ : ـ أنا مدام بوفاري .. قالت الأديبة السورية {غادة السمان} : ـ أنا مصطفى في روايتها (بيروت 75)  !!

والمرأة ـ اليوم ـ تكتب مثلما يكتب الرجل ، وتتناول قضايا إنسانية ، ترتبط بالبشر عموماً ، ولا تقتصر على قضايا بنات جنسها فقط ، ولا تحْصرُ نفسها في عالم النساء ، ومشاكلهن ، ومشاعرهن ، وأسرارهن فحسب ... بل هي تنطلق بقلمها في جميع الاتجاهات ، وتخوض بفكرها وشعورها في كافة الميادين ، وتسجل حضورها ، وتُبْدي رأيها ، وتدافع عن مواقفها ، في كل ما يجري ، ويحدث ، على مختلف الأصعدة والوقائع ...

وزمننا يزخرُ بعدد غير قليلٍ من نساءٍ يعملن في حقل الأدب أعمالاً لها قيمتُها ، ووَزْنُها ، وتأثيرها . فقد برزت أسماءٌ لامعةٌ في دنيا القصة ، والرواية ، والشعر ، وجُلُّها ينالَ الإعجاب والتقدير .

والمرأة مثلما زاملت الرجل في مقاعد الدرس ، وفي وسائل النقل ، وفي الحملات الانتخابية ، وفي مناصب الشغل ، وفي منافسات الرياضة ، وبرامج الإعلام ، ومرافق متعددة في الحياة ... فإنها تزامله أيضاً في حِرْفةِ الأدب ، وصناعة القلمِ .

وهي تزامله بصفتها إنساناً ، وليس بوصفها أنثى .. وهي كإنسانٍ لها ما للرجل من الفضل في تسيير شؤون الحياة المختلفة ، فلا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالأدب الرَّفيع ، والفنِّ الجميل ، والخلْقِ ، والابتكار . فكما لا نسمع عن عِلْمٍ نسائي .. وتكنولوجيا نسائية .. وإعلام نسائي .. وفن نسائي .. وفكر نسائي .. وفلسفة نسائية .. وفقه نسائي ... كذلك لا يجدرُ بنا أن نقول أدب نسائي ؛ فالأدب ليس له جنس مُحدَّدٌ ، ولا يفترق عن الرجل والمرأة بأعضاء ذكورية وأنثوية ؛ بل هو أدبٌ وكفى . ولستُ وحدي من يرى هذا الرأي ؛ فها هو الأديب المهْجريُّ {ميخائيل نعيمة} يُدْلي في (أحاديث مع الصحافة) أنه لا يُحبُّ أن يُميِّز في الأدب بين أدب النساء وأدب الرجال .. (الأدبُ أدبٌ مهما يكنْ الينبوعُ الذي يفيضُ منه) .. وإنْ كان من وَصْفٍ نطلقه عليه ، أو ملاحظة نُبْديها حوله ، أو تمييز نُميِّزُ به ، فذلك بقيمته ، ودرجته ، وتأثيره ، وجماله ؛ فنقول أدب قويٌّ أو أدب ضعيف .. أدبٌ جيِّدٌ أو أدبٌ رديءٌ .. أدبٌ حسنٌ أو أدب قبيحٌ .. أدب رفيعٌ أو أدب وضيعٌ ...

المهم أن يكون الأدب مُمْتِعاً ومُفيداً بالمقاييس الفنية التي ليست مذكرة ولا مؤنثة .

ثم ما معنى أن نقول أدب نسائي ؟ فهذا الوصف يستتبعُ وجودَ نقيضِه ، وهو أدبٌ رجاليٌّ  !!

فهل سمعنا أحداً يُردِّدُ هذا الوصف ، أو يذكرهُ في لقاءٍ أو محفلٍ أو دراسة ... ؟ .. فمنذ أن شرعَ الإنسانُ يكتب ، وينشر على غيره ما يكتب ، لم يعلنْ أحدٌ أنَّ الكتابةَ من فعل الرجال فقط ، وأنَّ الأدبَ جنسٌ مذكر فحسب . فما بالُنا حين شاركت المرأةُ الرجلَ هذا الفِعْلَ ، وأخذت تمارسُ الأدبَ ، جعلنا نُردِّدُ أن هذا أدب نسائيٌّ .. فبأي حق ؟ .. وبأي مبرر ؟ .. وبأي منطق ؟ ...

إنَّ المرأة كالرجل ، لها حق مزاولة الأدب ، واختيار موادِّه وقضاياه برَحابةٍ وحُرِّيةٍ وتنوُّعٍ ، ولا يجوز أن نعتبر ذلك الأدب دونيّاً ، أو ناقصاً ، لمجرد أن كاتبته امرأة ، أو أنه يتطرَّقُ لشجون امرأة ما ... (فالموضوع لا يحدد جنس الأدب ، ولا صلة له بجنس الأديب . المهم أن يُحَلِّقَ الكاتبُ / الكاتبة بموضوعه عن أرض العادي والمُبْتذل إلى فضاءِ الفَرادة والإبداع ..) .

{فلوبير} ـ مثلاً ـ تحدَّثَ عن (مدام بوفاري) ، و{تولستوي} عن (آنا كارنينا) ، و{إحسان عبد القدوس} ، {ويوسف السباعي} ، وغيرهم ، عن شخصيات نسائية ، من دون أن نطلق على أدبهم حُكْمَ أدب نسائي .. فلماذا نتبنَّى هذا الحكم حين نطَّلِعُ على كتابات لأديبات نساءٍ ؟!

أليس في هذا الحُكْمِ نوعٌ من التمييز العنصري ، والتفرقة الجنسية ؟

أليس في هذا التوجيه بقايا من عصور الوأْدِ والسَّبايا ، وزمن الحريم والجواري ؟

إننا لا نقبل كأبناء حضارة متقدمة في القيم والأخلاق والسلوك أن نخرج من زمن الحريم الجنسي إلى زمن الحريم الأدبي !!

والمقياس الوحيدُ ـ كما ذكرت {غادة السمان} ، في كتابها (استجواب متمردة) ـ هو أن تبدع أو لا تبدع ، وما تبقى قد يكون له اعتباره على الصعيد الشخصي أو الاجتماعي ، وليس على المستوى الأدبي النقدي قطعاً .

وقد يكون هذا رأي امرأة لا يقبله بعض الرجال ، ولكن ما رأيكم في أن هناك رجالاً نقاداً ، ومفكرين بارزين ، رفضوا هذا التقسيم للأدب بين الرجل والمرأة ؟ .. نذكر على سبيل المثال ، الأستاذ الدكتور {زكي نجيب محمود} ؛ فقد نفى وجود أدبٍ للمرأة قائلاً : (... حتى الأدب أصبحوا يطلقون عليه أدب المرأة ، فهذا يدلُّ على أن هناك في باطن النفس تفرقة عميقة بين الرجل والمرأة) .

وكذلك الناقد الدكتور {أحمد كمال زكي} ، فهو لا يَعْرِفُ أن هناك أدباً للنساء ، ولكنه يَعْرِفُ أنَّ النساء يَقدِرْنَ على الأدب كما يقدرُ الرجال ...

أما الناقد {جلال العشري} ، فلا يضع الأدب النسائي في مواجهة الأدب الرجالي بمعنى التفرقة الفنية بين كلا الأدبين ، فكما أن القضية ليست رجلاً وامرأة ، وإنما هي كائن بشريٌّ قادرٌ أو غير قادر ؛ فهي أيضاَ ليست أدباً نسائياً وأدبا رجالياً ، وإنما هي فن أدبي جيد ...

وفي رأي الأستاذ الناقد {محمود فوزي} ، (أنَّ الأدبَ ليس له جنسٌ ، كما أن المشاعر الإنسانية ليست لها خريطة ، ولا توجد تفرقة بين ما يكتبه الرجل أو المرأة ، وإنما مناط التفرقة يكْمُنُ في : هل العمل يدخل في عداد الإبداع الأدبي أو لا ؟!) .

وخير ما أختم به هذه الورقة أبياتٌ شعرية ، من نظم الشاعرة {سعاد الصباح} ، قالت فيها :

يقولون

إنَّ الكتابةَ إثمٌ عظيمٌ

فلا تكتبي

وإنَّ الصلاة أمام الحروف حرامٌ

فلا تقربي

وإنَّ مدادَ القصائد سُمٌّ

فلا تكتبي

فإياك أن تشْربي

وهذا أنذا

قد شربتُ كثيراً

فلمْ أتسمَّمْ بحِبْرِ الدَّواةِ على مكتبي

وهذا أنذا

قد كتبتُ كثيراً

وأضرمتُ في كل نجْمٍ حريقاً كبيراً

فما غَضبَ اللهُ يوماً عليَّ ولا اسْتاءَ منِّي النَّبيُّ .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق