]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحرية المطلقة كِذْبة لا وجود لها في الواقع

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-03-17 ، الوقت: 21:02:59
  • تقييم المقالة:
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

أيها الإخوة في الله.. نلتقي مرة أخرى مع موضوعنا (أكاذيب العصر)، ولقاؤنا اليوم مع (الحرية)، والذي يعتبر من المواضيع الشائكة في هذا الزمان، فلقد غابت عن الحرية معانيها الصحيحة...
- فحرفت عن جادتها.
- واستغلت للدعوة إلى الرذيلة والفساد، والكفر والإلحاد.
- واتُّخِذت شعارا للحملات العسكرية الصليبية.
- وَآلَتْ إلى مُسَوِّغ لقتل الأبرياء، وسفك الدماء.
وهكذا ظُلِمت (الحرية) في هذا العصر فاحتاجت إلى من يدافع عنها ويبين حقيقتها، ويكشف عن مفهومها الصحيح، ويبين زيف وكذب الكثير من الدعاة إليها، والمنافحين عن حياضها، كما يزعمون.

الحرية المطلقة كِذْبَة لا وجود لها في الواقع:
الحرية المطلقة مفهوم من المفاهيم الغربية الخطيرة انتشر في أوروبا بعد سقوط هيمنة الكنسية الجائرة على المجتمع، ووجد له مُنَظِّرين يدعمونه بالدراسات الفلسفية الجدلية العقيمة، حتى عَشَّش وفَرَّخ في قلوب بعض المفتونين بالنمط الغربي من المسلمين -هداهم الله- وليس لهم في ذلك أثارة من علم وإن هم إلا يخرصون. وخلاصة هذه الفلسفة الإلحادية: أن الإنسان عبارة عن الوجود الحيواني الذي هو محل الجوع والشهوة والطمع والخوف والغضب وما إليها. وبسبب هذه الفلسفة المنحطة التي جعلت الآدمي مثل البهيمي؛ تحطمت في الغرب الكافر كل القيم والضوابط الدينية والأخلاقية، وصار شعار (الحرية المطلقة) مُسَوِّغاً لكل عمليات التدمير للأخلاق وطريقاً لنشر الانحطاط والإباحية، والاعتداء على الحرمات، ومصادمة الفطرة الربانية.

بطلان هذا المفهوم:
وبطلان هذه الفكرة بيِّن واضح، حيث أنه من المعلوم لدينا والحمد لله أن هذا الوجود ليس فيه إلا خالق ومخلوق، قال الله عز وجل: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، فهو رب العالمين وخالقهم، و(العالمين) جمع (عالم)، وهو ما سوى الله، وقال سبحانه وتعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17]، والمخلوق إما أن يكون عبداً لخالقه عبودية طاعة وخضوع وانقياد، وإما أن يكون عبداً لغير الله ولا ثالث لهما.

وتأمل أخي الكريم في هذه الآيات، حيث إن الله سبحانه وتعالى جعل مقام العبودية أعلى المقامات وأجل المنازل، ونعت صفوة خلقه بها، فقال: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 172]. فعيسى عليه السلام والملائكة المقربون لن يستنكفوا أن يكونوا عبيداً لربوبيته ولا لإلهيته سبحانه وتعالى. وقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45]. وقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]. وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1]. وقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].

وهذه العبودية هي عبودية خضوع وطاعة لله عز وجل واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وإلا فالأصل أن كل من خلقه الله عز وجل عبيداً له، رغم أنوفهم، كما قال سبحانه وتعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93- 95].

وما أحسن قول القائل:
  وممّا زادني شرفاً وتيها *** وكدت بأخمُصيّ أطأ الثّريّا
دخولي تحت قولك: (يَا عِبَادِي) *** وأن صيّرت أحمد لي نبيّا
كل مخلوق عَبْدٌ، شاء أم أبى وليس في الوجود إلا عَبد ومعبود:
وبناء على هذا فإن كل مخلوق عبد، شاء أم أبى وليس في الوجود إلا عبد ومعبود، خالق ومخلوق، فالخالق المعبود هو الله، والعبد هو المخلوق، وهو من سوى الله تعالى من المخلوقات، ومن رفض عبوديته لله فهو أَنِف من عبادة الخالق التي بها يتحرر من كل ذل وهوان، ووقع في عبادة مخلوق، قد يكون من أحقر الأشياء وأخسها، قال يوسف عليه السلام كما ذكر الله في كتابه الكريم: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39- 40].

- ألم تشاهدوا أيها الإخوة في الله عبر وسائل الإعلام اليوم بعض الطوائف والفرق التي تعبد الفئران، وتُشَيّد لها المعابد الفخمة، وتؤدي لها أنواعاً من الطقوس متذللين خاشعين طامعين.. بين يدي تلك الجرذان النتنة.
- ألم يوجد من يعبد الشيطان ويقدم له صنوفاً من الأعمال الموغلة في الوحشية والدناءة!؟
- ألم ير الناس عُباد البقر وأحوالهم الغريبة التي تدل على ذهاب العقول وفسادها!؟
- ألا يوجد من المنتسبين للإسلام من اتخذوا الشيوخ أرباباً من دون الله، واستسلموا لهم استسلام العبيد لأسيادهم، في كل شيء، حتى أن أحد هؤلاء قال لي في نقاش جرى بيني وبينه: "أنا لا يهمني هل الشيخ على الحق أم على الباطل، وإن دخل النار فسأدخل معه". ولهم في ذلك أحوال منكرة واعتقادات تدل على انطماس البصيرة، وانتكاس الفطرة، والإيغال في العبودية للمخلوق.

-وأما عباد الدنيا فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأبلغ وصف وبَيَّن حالهم أحسن بيان: ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ» (رواه البخاري). وهذا وصف فيه قبح وذلة ومهانة، ولهذا ما قال: تعس صاحب الدينار، أو تعس مالك الدينار، وإنما قال: «تعس عبد الدينار»، فجعله عبداً، والدينار معبوداً.

ما أشبه اليوم بالبارحة:
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» (رواه الترمذي).

وحَدِّث ثم حَدِّث عن أنواع من العبادات والطقوس التي يؤديها أصحاب الفرق والمذاهب لمعبوداتهم.. وقديماً قال الشاعر الجاهلي لما رأى الثعلب يبول برأس أحد الأصنام التي تعبد من دون الله مستنكراً حماقة هؤلاء الذين يعبدونها: أَرَبٌّ يبولُ الثَّعلَبانُ برأْسِهِ *** لَقدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَليْه الثَّعَالِبُ فالحمد لله على نعمة الإسلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟" (الفتاوى: 1/195، الموسوعة الشاملة). وقال في رسالة (العبودية): "وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه، أو يرزقوه، أو أن يهدوه؛ خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم، مدبراً لهم، متصرفاً بهم. فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر". وهذا المعنى هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه الكريم: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس: 60-61]. فأين هي الحرية المطلقة التي يدعيها دعاة الحرية الزائفة؟؟

ويا للعجب والعجب لا ينقضي ممن يدعي أنه حُرّ حرية مطلقة، وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا حياة ولا موتاً ولا نشورا.. وكل ذلك بيد خالقه سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]. وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم».

وتأمل في هذا الحديث العظيم الذي يُبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن السيادة المطلقة لا تكون إلا لله عز وجل وهو يقول ذلك في معرض تصحيح بعض عبارات الناس التي تطلق ويشوبها الكثير من الغلو والإفراط في المدح والثناء، فعن مُطرِّف بن عبد الله الشِّخّير قال: قال أبي: "انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا". فقال: «السيد الله» (رواه أحمد وأبو داود). فالحقيق بهذا الاسم هو الله؛ لأنه مالك أمر الخلق، ليس لهم غنى عنه طرفة عين، وكل رغباتهم إليه، وكل حوائجهم إليه.

فتبين لنا من خلال هذا العرض أنه لا وجود لما يسمى بالحرية المطلقة، فليس ثَمَّ إلا عبوديتان: إما عبودية لله، وإما عبودية للشيطان.
- فإذا اختار الإنسان العبودية لله، عاش حراً طليقاً لا تستعبده الشهوات، ولا تذله المغريات؛ لأنه تحت ظل هذه العبودية الشريفة تترعرع الحرية، وفي أجوائها فقط يتذوق الإنسان طعمها.
- وبهذه العبودية تنال الإنسانية الحرية، وتتحطم على صخرتها القوية كل أشكال الذل والهوان.
- وهذه العبودية هي جنة الإنسان في الدنيا، والبلاد الواسعة التي يمشي في مناكبها، تنتقل معه حيثما حل وارتحل ولو كان أسيراً أو طريداً وشريداً.

من مواقف الأحرار:
1- بلال بن رباح رضي الله عنه (الإفريقي) يُتْعِب جَلاَّدَه.
ها هو الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه، وهو الذي كان عبداً يباع ويشترى.. يقف شامخاً قوياً حتى أنه أتعب جلاده وأوهنه، يصرخ بأعلى صوته بشعار التحرر من رق وعبودية الخلق: "أحد.. أحد". روى ابن ماجه وأحمد عن عبد اللَّه بْنِ مسعود رضي الله عنه قال: "كان أَوَّلَ مَن أظْهَر إسلامَهُ سبعةٌ: رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأبو بَكر، وعمَّارٌ، وأمه سُميَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبلالٌ، والمقدادُ، فأمّا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أبي طالبٍ، وأمَّا أبو بكرٍ فمنعهُ اللَّه بقومهِ، وأما سائرُهم فَأَخَذَهم المشركون وألبسوهم أَدْرَاعَ الحديد وَصَهَرُوهُم في الشَّمس، فما منهم منْ أحدٍ إِلَّا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً، فإنه هانَتْ عليه نفسُه في اللَّه، وهانَ على قومه، فأخذوه فأعطوْهُ الولدان فَجَعَلوا يَطوفون بِه في شِعَاب مكة وهو يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ".

2- رِبْعِيّ بن عامر رضي الله عنه (العربي) المعتز بالتوحيد.
ولما دخل رِبْعِيّ بن عامر رضي الله عنه على رستم ملك الفرس قال: "إن الله ابتعثنا وجاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" (تاريخ الطبري: (3 / 34) الموسوعة الشاملة).

3- ابن تيمية الرجل الصَّلب.
قال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتاب (الوابل الصيب): "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها، لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رُحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهباً، ما عدل عندي شكر هذه النعمة، -أو قال- ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13]. وعَلِم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأَسَّرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة".

فمن هم الأحرار؟ ومن هم العبيد؟ يا ترى؟؟

ولهذا نقول: إن الإنسان الحُرّ حُرية صحيحة، هو المسلم الموحد التقي النقي، وأما غيره فهو متخبط في عبودية المخلوقات، تائه في شعاب الشهوات.. مفرق الشمل، مشتت الفكر؛ قال الله عز وجل: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31].
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق